السلاح الغائب:

دوافع حركة طالبان لبناء قوتها الجوية
السلاح الغائب:
20 يونيو، 2022

للقراءة بصيغة PDFHTML tutorial


بالرغم من تمكن حركة طالبان من السيطرة على السلطة في أفغانستان في شهر أغسطس 2021، ظل تحول الحركة إلى قوة نظامية تعبر عن الدولة، واحدةً من القضايا الإشكالية، لا سيما مع عدم امتلاك الحركة بعض قدرات الجيوش النظامية، على غرار القدرات الجوية. وعليه، ركزت العديد من التقارير والتقديرات، خصوصاً الغربية، على الجهود المكثفة التي تبذلها حركة طالبان منذ استيلائها على الحكم، لتوظيف سلاح الجو الأفغاني لتحقيق العديد من الأهداف، سواء على المستوى الداخلي أو خارجياً، وهو الأمر الذي طرح العديد من التساؤلات حول طبيعة الأهداف التي تسعى طالبان إلى تحقيقها من وراء هذه التحركات، وحدود قدرة الحركة على مستوى إصلاح وإعادة تشغيل الأسلحة الجوية الموجودة في أفغانستان، وأبرز التحديات التي تواجه هذا المسعى.

تحركات متزايدة

برزت العديد من المؤشرات التي عكست رغبة حركة طالبان في توظيف سلاح الجو الأفغاني، والطائرات التي حصلت عليها الحركة عقب سيطرتها على أفغانستان؛ وذلك على النحو التالي:

1– تأكيد أهمية طائرات الحكومة الأفغانية السابقة: أشار “لطيف الله حكيمي” القيادي الطالباني المسؤول عن إعادة تنظيم الجيش الأفغاني، في تصريحات صحفية في 21 فبراير 2022، إلى أن “هناك 81 طائرة تابعة للحكومة الأفغانية السابقة لا تزال موجودة في أفغانستان، ومنها 41 طائرة لا تزال تعمل” وفق تعبيره. وفي السياق ذاته، أصدرت حركة طالبان بياناً ذكرت فيه أن “عشرات الطائرات العسكرية في البلاد لا تزال تعمل”، وأضافت أنها استطاعت منذ يناير الماضي إصلاح 7 طائرات أمريكية كانت موجودة في أفغانستان، لكن وزارة الدفاع الأمريكية أشارت إلى أنها “لا تملك معلومات واضحة حول عدد الطائرات العاملة في أفغانستان”.لكن تقارير غربية أشارت إلى أن الحركة المتشددة ورثت 37 طائرة من الحكومة الأفغانية، نحو 23 منها كانت طائرات هليكوبتر من طراز MD–530، وتسع طائرات من طراز UH–60A Black Hawks ، وأربع طائرات هجومية خفيفة من طراز A–29 Super Tucano الثابتة الجناحين.  

2– دعوة الطيارين الأفغان للعودة إلى الخدمة: ذكرت بعض التقارير أن عشرات الطيارين الأفغان غادروا أفغانستان عقب وصول طالبان إلى الحكم؛ وذلك خوفاً من بطش الحركة، وما ستمارسه من انتقام بحقهم، خصوصاً مع دورهم الرئيسي في السنوات الماضية في استهداف الحركة وقياداتها، لكن حركة طالبان في ضوء حاجتها إلى هؤلاء الطيارين، بدأت تدعوهم للعودة إلى البلاد، وخدمة الحكومة الجديدة، وقد تجسَّد هذا التوجه في تصريحات وزير الدفاع في حكومة طالبان “الملا محمد يعقوب”، الذي قال في سياق حديثه في فبراير الماضي عن إعادة بناء الجيش الأفغاني، إن “الطيارين الأفغان الذين خدموا الحكومة السابقة يمكنهم المشاركة في عملية إعادة بناء الجيش”، وهو ما ترتَّب عليه عودة 5 طيارين في فبراير الماضي إلى أفغانستان، واستقبال “يعقوب” لهم.

3– مُطالبة بعض الدول بتسليم الطائرات الفارَّة إليها: أشارت تقارير أوروبية في نوفمبر الماضي، إلى أن 17 طائرة عسكرية أفغانية غادرت إلى مطار بوختار في طاجيكستان، منها 11 طائرة سيسنا 208، وثلاث طائرات قتالية من طراز AC–208، وثلاث طائرات بيلاتوس PC–12، فضلاً عن إشارة التقارير إلى أن بعض الطائرات فرت إلى أوزباكستان. وقد أشار مسؤولون حكوميون في البلدين إلى أنهم يحتفظون بهذه الطائرات باعتبارها ممتلكات أمريكية، بحيث يُمكن نقلها إلى أي دولة أخرى بالتنسيق مع الولايات المتحدة على غرار ما حدث في أوكرانيا.

لكن وزير الدفاع في حكومة طالبان “الملا محمد يعقوب” طالب الدولتين، في تصريحات صحفية، بتسليم أفغانستان هذه الطائرات، وقال في مؤتمر صحفي في يناير الماضي: “كابول لن تسمح لأوزباكستان وطاجيكستان بالاحتفاظ بهذه الطائرات. إنني أدعو الدولتين إلى عدم اختبار صبرنا وعدم إجبارنا على اتخاذ جميع الخطوات الانتقامية الممكنة”، وهو ما عبَّر عن سعي الحركة إلى استعادة هذه الطائرات، بوصفها جزءاً من مقاربتها لتوظيف سلاح الجو الأفغاني.

أهداف متعددة

توجد جملة من الأهداف تسعى طالبان إلى تحقيقها عبر توظيف سلاح الجو الأفغاني وتعزيز قدراتها العسكرية في هذا المجال؛ وذلك على النحو الآتي:

1– الترويج لفكرة “الجيش النظامي”: أحد الاعتبارات الرئيسية التي تقف خلف سعي طالبان إلى توظيف سلاح الجو الأفغاني والاستفادة منه، تتمثل في رغبة الحركة في تغيير الصورة الذهنية الراسخة عنها من مجرد “ميليشيا مسلحة متطرفة” إلى “جيش نظامي”، خصوصاً أن أحد الفروق الرئيسية بين الميليشيا والجيش النظامي ترتبط – بجانب محددات عديدة – بامتلاك سلاح جو، وهو مسعى يرتبط بالمتغيرات التي تفرضها تداعيات سيطرة الحركة على الدولة الأفغانية.

جدير بالذكر أن هذا النهج تبنته العديد من تيارات التطرف العنيف في السنوات الأخيرة، وعلى رأسها تنظيم داعش الإرهابي، الذي حرص منذ استيلائه على قاعدة الطبقة الجوية شمال الرقة في سوريا في 2014 (التي حررتها قوات سوريا الديمقراطية في أبريل 2017)، على توظيف هذه القاعدة وتغيير ملامح الطائرات الموجودة بها عبر وسمها بشعار التنظيم، فضلاً عن استخدام القاعدة مقراً لتصنيع الطائرات بدون طيار.

2– توظيف الطائرات في المهام اللوجستية: بالإضافة إلى البعد الدعائي المُستهدف من تحركات طالبان، تسعى الحركة إلى توظيف سلاح الجو الأفغاني والطائرات التي ورثتها عن الحكومة الأفغانية والتحالف الدولي، بما يخدم المهام اللوجستية للحركة في أفغانستان، مثل نقل الأموال والعتاد والمقاتلين وغير ذلك من المهام اللوجستية، وهو هدف يرتبط بمحددين رئيسيين: الأول يتمثل في تلف معظم الطائرات القتالية الموجودة في أفغانستان وحاجتها إلى الإصلاح، ومحدودية قدرات الطائرات الموجودة والعاملة. أما المحدد الثاني فيرتبط بطبيعة حركة طالبان نفسها و”محلية” مشروعها، على الأقل في المرحلة الراهنة، خصوصاً أن استخدام الطائرات القتالية – مع محدودية قدرة الحركة على ذلك – سوف يُدخل الحركة في صدام ضد دول إقليمية ودولية.

3– مواجهة التحركات المقاومة لطالبان: لا يمكن الفصل بين تحركات حركة طالبان على مستوى السعي إلى إصلاح وإعادة تشغيل سلاح الجو الأفغاني، وبين المواجهة مع كافة التنظيمات المناوئة لها، سواء المعارضة الأفغانية أو تنظيم داعش في أفغانستان المعروف بـ”ولاية خراسان”. وقد تعززت أهمية هذا الهدف في ضوء تصاعد احتمالية إعادة ترتيب المعارضة الأفغانية صفوفها، وزيادة الهجمات التي يتبناها داعش في أفغانستان، سعياً إلى إفشال الحركة، واستغلالاً لحالة الارتباك التي تعيشها، وعجزها عن مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية المُستفحلة في أفغانستان، لكن هذا الهدف يصطدم بتحديات عديدة، على رأسها غياب المعلومات الاستخباراتية عن طالبان بشأن طبيعة حضور وتموضع التنظيمات المناوئة لها في أفغانستان.

4– استغلال انشغال المجتمع الدولي: أحد الاعتبارات التي تقف خلف تكثيف حركة طالبان تحركاتها في هذا الصدد، ترتبط بسعي الحركة إلى استغلال انشغال المجتمع الدولي بالحرب الروسية–الأوكرانية وتداعياتها، بما أخرج الحالة الأفغانية من أولويات المجتمع الدولي في الفترة الراهنة؛ حيث تسعى الحركة إلى توظيف هذا الانشغال من أجل فرض رؤيتها بأريحية في أفغانستان، وإعادة هيكلة صفوفها، خصوصاً على المستوى العسكري، اعتقاداً من الحركة بأن هذا الانشغال سوف يُحجِّم القيود والرقابة الدولية المفروضة عليها.

تحديات رئيسية

تواجه مساعي حركة طالبان إلى توظيف سلاح الجو الأفغاني بعض التحديات الرئيسية؛ وذلك على النحو الآتي:

1– غياب القدرات الفنية عن طالبان: أحد التحديات الرئيسية التي تواجه حركة طالبان فيما يتعلق بتوظيف سلاح الجو الأفغاني، يتمثل في حاجة معظم الطائرات الموجودة في أفغانستان إلى الإصلاح، وعدم امتلاك الحركة فرقاً فنية قادرة على إصلاح الطائرات الأفغانية وإعادة تشغيلها؛ حيث كانت عملية الإصلاح تتم عبر فريق أمريكي فني خاص. ومع سيطرة الحركة على أفغانستان قامت الفرق الأمريكية بـ”التفكيك الجزئي” للعديد من الطائرات، وغادر الفريق الفني الأمريكي البلاد.

لكن الحركة تسعى إلى التعاطي مع هذا التحدي عبر استقطاب الطيارين الأفغان والفنيين الذي يُمكنهم إصلاح هذه الطائرات وتشغيلها؛ وذلك من خلال الضغط عليهم وممارسة الابتزاز بحقهم عبر أسرهم الموجودة في أفغانستان، فضلاً عن إشارة بعض التقديرات الغربية إلى أن الحركة قد تستطيع إصلاح بعض الطائرات الروسية، خصوصاً في ظل التقارب الكبير بين الحركة وروسيا في الآونة الأخيرة، لكن حتى إن صدقت هذه الفرضية، فإن جهود روسيا سوف تقتصر على إصلاح الطائرات ذات المهام اللوجستية، خوفاً مما سيترتب على إصلاح الطائرات القتالية من تهديدات للمصالح الأمنية والجيوسياسية لروسيا في المنطقة.

2– أزمة القواعد الجوية في أفغانستان: على الرغم من سيطرة حركة طالبان على كل القواعد الجوية الأفغانية في كابول وهرات وخوست وقندوز ومزار شريف، فإن هذه القواعد تعاني من العديد من الأزمات البنيوية التي ارتبطت بتصاعد استهدافها في السنوات الأخيرة، وإتلاف العديد من محتوياتها قبيل الانسحاب الأمريكي، وهو الأمر الذي يفرض المزيد من التحديات على مساعي الحركة، خصوصاً أن هذه القواعد هي الركيزة الأساسية لعمل سلاح الجو الأفغاني.

3– الرقابة الدولية على طالبان: تواجه حركة طالبان في مساعيها إلى إصلاح وإعادة تشغيل الطائرات الموجودة في أفغانستان، تحدياً يرتبط بالرقابة المفروضة عليها من المجتمع الدولي، وهو تحدٍّ كبير بالنسبة إلى الحركة، خصوصاً مع حاجتها إلى المجتمع الدولي لتوفير قطع غيار الطائرات، فضلاً عن الفرق الفنية التي ستصلحها هذه المنظومة، وفي ضوء عدم اعتراف أي دولة بطالبان حتى الآن، وتخوف الدول الإقليمية من فرضية أن الانفتاح على طالبان سيشجع الحركات المسلحة الأخرى على السعي إلى استنساخ تجربتها، فإن التعاون الدولي الإقليمي مع طالبان في هذا الملف سيكون غير ممكن على الأقل على المديين القريب والمتوسط.

في الختام، يمكن القول إن مساعي “طالبان” إلى الاستفادة من سلاح الجو الأفغاني هو توجه يأتي في ضوء توجه الحركة إلى إعادة بناء الجيش الأفغاني، وارتباطاً بأهداف دعائية خارجية ولوجستية داخلية في الأساس، ومن ثم فإن الحديث عن “إعادة بناء سلاح الجو الأفغاني”، وخصوصاً من قبل التقديرات الغربية، يعتبر قضية معقدة ومتشابكة في ضوء التحديات العديدة التي يواجهها هذا المسعى.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d8%a7%d8%ad-%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%a7%d8%a6%d8%a8/