السلاح المؤثر:

كيف تصاعد دور الدرونز في الصراع الأوكراني؟
السلاح المؤثر:
14 مايو، 2022

شكَّلت الطائرات المُسيَّرة (الدرونز) جزءاً هامّاً من مشهد الحرب الجارية في أوكرانيا؛ فمنذ اللحظات الأولى لاندلاع الحرب، في 24 فبراير الماضي، بدا أن طرفَي الصراع: روسيا، وأوكرانيا والقوى الداعمة لها، يعتمدان على الطائرات المُسيَّرة؛ من أجل تحقيق مجموعة متنوعة من الأهداف العسكرية المتعلقة بأعمال الرقابة وجمع المعلومات وتنفيذ هجمات تَحُد من قدرات الطرف الآخر وتزيد خسائره العسكرية. واللافت أن هذا التوظيف العسكري صاحبته محاولات لاستدعاء أدوار أخرى للدرونز، وخصوصاً في عمليات التوثيق للحرب، أو بمعنى أخرى باتت الطائرات المُسيَّرة أداة من أدوات الحرب الدعائية المتزامنة مع الصراع العسكري، ناهيك عن استخدامها في العمليات الإغاثية وإيصال المساعدات الطبية العاجلة.

حشد المُسيَّرات

ربما كان الاستخدام المتصاعد للطائرات المُسيَّرة في الصراع الأوكراني السمة الأبرز للصراع؛ فثمة اتجاه نحو “حشد المُسيَّرات” والاعتماد عليها لتنفيذ مجموعة من المهام، وهو الأمر الذي ارتبط بعدد من الدوافع والمُحفِّزات الرئيسية المتمثلة فيما يأتي:

1– التكلفة المنخفضة: بالرغم من تنوُّع قدرات الطائرات المُسيَّرة والتطوُّر الحادث في صناعة هذه الطائرات، فإنها تظل ذات تكلفة منخفضة مقارنةً بغيرها من الطائرات التقليدية. وتتضمَّن حسابات التكلفة المنخفضة للدرونز ثلاثة أبعاد رئيسية؛ أولها التكلفة المادية لتشغيل واستخدام هذه الطائرات؛ فعلى سبيل المثال، تبلغ تكلفة المُسيَّرة التركية “بيرقدار تي بي 2” كاملة التسليح، التي تحظى بحضور واضح في الصراع الأوكراني، نحو عشرة ملايين دولار. ويتَّصل البعد الثاني بالحفاظ على العنصر البشري؛ إذ لا يتضمَّن استخدام الطائرات المُسيَّرة تهديداً مماثلاً للتهديد الذي قد يتعرَّض له قادة الطائرات التقليدية المقاتلة. ويتعلَّق البُعد الثالث بقدرة الدرونز على إلحاق خسائر كبيرة بالطرف المُعادِي.

2– توسُّع الترسانة العسكرية: فخلال السنوات الماضية، توسَّعت ترسانة كل من روسيا وأوكرانيا فيما يتعلق بالطائرات المُسيَّرة، وجاءت الحرب الراهنة لتُشكِّل فرصة مُواتية للطرفَيْن من أجل استخدام الدرونز. وتمتلك أوكرانيا عدداً من الطائرات المُسيَّرة، مثل الطائرة التركية بيرقدار TB2 المقاتلة التي يبلغ مداها – حسب الشركة المنتجة لها – “مئات الكيلومترات، وتستطيع البقاء في الهواء نحو 27 ساعة، ويمكنها حمل حمولة تصل إلى 130 كيلوجراماً”. كما تضم ترسانة الدرونز الأوكرانية أنواعاً أخرى، مثل الطائرة الألمانية “Vector”. صحيح أن الطائرة لا يمكنها إلقاء قنابل، لكنها يمكن أن تشكل جزءاً من نظام أسلحة؛ إذ تساعد أوكرانيا على تحسين دقة ضربات مدفعيتها؛ وذلك بتوفير فيديو عالي الدقة. بالإضافة إلى ذلك، تستخدم أوكرانيا طائرات مسيرة محلية الصنع، على غرار الطائرتين  A1–SM Fury وLeleka–100. ويُلاحَظ أيضاً أنه تم تطوير بعض الطائرات المُسيَّرة التجارية لتُستخدَم في تنفيذ هجمات وإلقاء قنابل صغيرة على القوات الروسية.

ومن جهتها، عملت موسكو على تطوير الطائرات المُسيَّرة المتاحة لديها؛ فعلى سبيل المثال تُشير بعض التقديرات إلى أنه منذ تدخُّله في شبه جزيرة القرم عام 2014، أنفق الجيش الروسي ما يقرب من 9 مليارات دولار أمريكي لإنتاج أسطول من نحو 500 طائرة بدون طيار محليّاً. وتشمل ترسانة الطائرات المُسيَّرة الروسية بعض النماذج الرئيسية مثل الطائرة “أوريون”، والطائرتين “Orlan – 10” و”Eleron – 3″، والمروحية غير المأهولة المُتعدِّدة الأغراض “Horizon Air S–100″، وكذلك الطائرة ZALA التي تُستخدَم أساساً في عمليات الاستطلاع وتعزيز دقة ضربات المدفعية الروسية.

3– الدعم الغربي الواسع النطاق: ساهم الدعم الغربي الواسع النطاق لكييف في تعزيز حضور الدرونز في الصراع الأوكراني. ولعل النموذج الأبرز على ذلك الولايات المتحدة؛ إذ لم تقتصر المساعدات العسكرية الأمريكية لأوكرانيا على الأسلحة التقليدية، بل شملت أيضاً توريد طائرات مُسيَّرة؛ ففي شهر مارس الفائت أعلنت واشنطن تقديم مساعدات أمنية إضافية لأوكرانيا تتضمَّن 100 مُسيَّرة من طراز “سويتش بليد” الانتحارية.

وأعلنت وزارة الدفاع الأمريكية، يوم 6 أبريل الماضي، أنها تُدرِّب الأوكرانيين على استخدام طائرات بدون طيار من طراز AeroVironment Switchblade. وفي سياق ذي صلة، أعلن رئيس الوزراء البريطاني “بوريس جونسون”، في خطاب أمام البرلمان الأوكراني عبر الفيديو يوم 3  مايو الجاري، أن بريطانيا ستزوِّد أوكرانيا بمساعدة عسكرية جديدة بقيمة 300 مليون جنيه إسترليني تشمل على وجه الخصوص رادارات وطائرات مُسيَّرة.

لقد استصحب هذا الدعم الحكومي الغربي لأوكرانيا معه حملات جماهيرية لمساندة كييف؛ فالكثير من التقارير تُشِير إلى حصول كييف على طائرات مُسيَّرة بمساعدة ودعم من أثرياء أوكرانيين لهم علاقات جيدة بشركات أوروبية، كما ذكرت تقارير، يوم 12 مايو الجاري، أن عدداً من المواطنين الليتوانيين تبرَّعوا بمبالغ مالية للمساعدة في تسليح أوكرانيا، وتم توجيه هذه التبرعات لشراء طائرات بدون طيار إستونية الصنع لاستهداف المدفعية الروسية.

4– المساعدات التقنية الفعَّالة: ربما كانت السمة الرئيسية للدعم الغربي لأوكرانيا أنه لا يقف عند حدود الحكومات، بل يمتد أيضاً إلى الشركات والمؤسسات المختلفة. وقد اضطلع هذا الدعم بدور مهم في التكريس لأدوار كبيرة للطائرات المُسيَّرة. ويكفي هنا استدعاء نموذج خدمة الأقمار الصناعية “ستارلينك” التابعة لرجل الأعمال الأمريكي “إيلون ماسك”؛ حيث عمل “ماسك” على تزويد أوكرانيا بهذه الخدمة بعد مطالب من المسؤولين الأوكرانيين. اللافت أن هذه الخدمة ساعدت القوات الأوكرانية على تنفيذ العديد من الهجمات باستخدام الطائرات المُسيَّرة، وتجنُّب أي مشكلات ناجمة عن انقطاع الكهرباء وشبكة الإنترنت في ضوء الهجمات الروسية على البنية التحتية الأوكرانية.

تعظيم المكاسب

ثمَّة مقولة مركزية في أدبيات الاستراتيجيات العسكرية بأن الجيوش تستهدف تحقيق أكبر قدر من المكاسب بأقل التكاليف الممكنة. وتعكس هذه المقولة طبيعة الأدوار التي تضطلع بها الطائرات المُسيَّرة في الصراع الأوكراني الراهن. ويمكن بلورة أهم هذه الأدوار فيما يأتي:

1– تصاعد الهجمات الانتحارية: دللت الحرب الأوكرانية على تصاعد دور المُسيَّرات الانتحارية، لا سيما مع توريد الولايات المتحدة طائرات انتحارية من طراز “سويتش بليد”، وتعرف أيضاً باسم طائرات “كاميكازي”، وتتوجه مباشرةً نحو الهدف وتنفجر فيه. وتندرج هذه الطائرات ضمن ما يعرف بالأسلحة والذخائر المتسكعة Loitering munitions التي يتم إطلاقها بدون هدف محدد، لكنها تبحث بنفسها عن الهدف، وحينما تجده تهاجمه. وفي هذا السياق، أشارت العديد من التقارير إلى استخدام المُسيَّرات الانتحارية بنسبة ملحوظة في المعارك الجارية داخل أوكرانيا، وهو أمر لا يقتصر على القوات الأوكرانية؛ حيث ذكر تقرير لصحيفة واشنطن بوست الأمريكية، يوم 24 مارس الماضي، وجود العديد من الأدلة والصور التي تُثبت استخدام روسيا مُسيَّرات انتحارية في الحرب داخل أوكرانيا.

2– تزايد عمليات الاستهداف الليلي: ربما تُكرِّس حرب أوكرانيا لسمة جديدة لهجمات الدرونز، وهي السمة المتعلقة بالتوسُّع في عمليات الاستهداف الليلي؛ فعلى مدار الفترة التي تلت بداية التدخُّل العسكري الروسي في أوكرانيا، تداولت وسائل الإعلام المختلفة تسجيلات فيديو وصوراً تُظهِر استهداف قوات وآليات عسكرية روسية ليلاً باستخدام درونز مزودة بأجهزة تصوير حرارية قادرة على تحديد موقع المركبات الروسية من إشاراتها الحرارية، مثل الفيديو الذي انتشر في بدايات الحرب وأظهر مُهاجَمة قافلة من المُدرَّعات الروسية كانت متجهة إلى العاصمة كييف، من خلال نصب كمين ليلي باستخدام طائرات مُسيَّرة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن استخدام خدمة الأقمار الصناعية “ستارلينك” عزَّز قدرة القوات الأوكرانية على توجيه الطائرات المُسيَّرة وتنفيذ هجمات ليلية على القوات الروسية.

3– الاستخدام في المعارك البحرية: كشفت الحرب الأوكرانية عن استخدام الطائرات المُسيَّرة في معارك بحرية؛ فعلى سبيل المثال، أعلنت أوكرانيا في شهر مايو الجاري إغراق قاربَيْن روسيَّيْن في البحر الأسود بالقرب من جزيرة سنيك. وكتب القائد العام للقوات المسلحة الأوكرانية الجنرال “فاليري زالوجني” على منصات التواصل الاجتماعي يوم 2 مايو الجاري: “دُمِّر قاربان روسيان من طراز رابتور عند فجر اليوم بالقرب من جزيرة سنيك”. وأضاف: “بيرقدار تقوم بعملها”؛ وذلك في إشارة إلى المُسيَّرة التركية التي قيل إنها ساعدت في إغراق القاربَيْن الروسيَّيْن. ولم يكتفِ المسؤول الأوكراني بهذا التعليق، بل نشر مقطع فيديو مدته 17 ثانية يُزعَم أنه يُظهر اللحظة التي ضربت فيها الطائرات المُسيَّرة القوارب الروسية. كما أعلنت وزارة الدفاع الأوكرانية، يوم 7 مايو الجاري، تدمير سفينة إنزال روسية من طراز (سيرنا) في جزيرة الثعبان الأوكرانية بالبحر الأسود بواسطة طائرة مسيّرة مسلحة.

4– الانخراط في الخداع والتشويش العملياتي: تظهر بعض المعارك استخدام الطائرات المُسيَّرة كأدوات مساعدة في تنفيذ الهجمات، وخاصةً من خلال الخداع والتشويش. ولعل النموذج الأبرز على ذلك عملية إغراق الطرَّاد الروسي المُسلَّح “موسكفا”، في 14 أبريل الماضي، باستخدام صواريخ “نبتون” الأوكرانية الصنع؛ حيث كانت الطائرات المُسيَّرة “بيرقدار تي بي 2” جزءاً من مشهد العملية؛ فقبل تنفيذ الهجوم على السفينة الروسية، تم إرسال الطائرات المُسيَّرة إلى المجال الجوي للسفينة، وهو ما ساعد على صرف انتباه دفاعات السفينة إلى هذه الطائرات. ومن ثم سمح للقوات الأوكرانية بإطلاق الصواريخ عليها وإغراقها.

5– التوظيف في الدعاية العسكرية: لا يمكن إغفال أن الطائرات المُسيَّرة تقوم بدور مهم في حرب المعلومات والدعاية العسكرية المصاحبة للصراع الأوكراني؛ فمن خلال الدرونز يتم توثيق العمليات التي تجري، وكذلك تشويه صورة الخصم وإضعافه. وفي هذا السياق، يفترض Zachary Kallenborn أن “الطائرات المُسيَّرة تلعب دوراً جوهريّاً في إطار الدعاية الخاصة بالحرب الأوكرانية؛ ما يُوسِّع نطاق الرؤية ويُعزِّز جهود الدعاية؛ حيث تلتقط الطائرات بدون طيار صوراً حية ومقاطع فيديو للأحداث في ساحة المعركة، يمكن أن تساعد في إثبات نجاح الجيش الأوكراني”.

لقد دفعت هذه الوظيفة الحكومة الأوكرانية إلى طلب مساعدة المدنيين؛ ففي وقت مبكر وبعد أيام قليلة من بداية الحرب، استخدمت الحكومة الأوكرانية عدداً من منصات التواصل الاجتماعي لحشد الأفراد والقطاع الخاص للدخول في القتال عن طريق تطويع طائرات تجارية بدون طيار تستخدم عادة لأغراض الترفيه؛ للعمل كمنصات استخبارات وللمراقبة والاستطلاع وإيصال الأسلحة. حتى إن وزارة الدفاع الأوكرانية نشرت بياناً على فيسبوك، في شهر فبراير الماضي، تدعو فيه الأفراد إلى المشاركة، وقالت فيه: “هل لديك طائرة بدون طيار؟ يمكن أن تعطيها لطيار متمرس! أو هل تعرف كيف تطير طائرة بدون طيار؟ انضم إلى الدورية المشتركة مع الوحدة 112 من اللواء الخاص بمدينة كييف…! كييف بحاجة إليك وإلى طائرتك”.

وفي هذا السياق، أشارت العديد من التقارير إلى جمع الأفراد تبرعات لشراء طائرات مُسيَّرة لدعم القوات الأوكرانية، كما نشأت العديد من المجموعات التي تُطوِّر الطائرات المُسيَّرة وتُزوِّد الجيش الأوكراني بها؛ وذلك على غرار المجموعة التي تطلق على نفسها اسم “نيبيسنا كارا”، وهي مجموعة تضم مجموعة من الهواة في مجال تصنيع الطائرات المُسيَّرة في مدينة لفيف غرب أوكرانيا. وحسب بعض التقارير، صنعت هذه المجموعة أكثر من أربعين طائرة مُسيَّرة لصالح الجيش منذ بداية الحرب.

6– المساهمة الإغاثية وتقديم المساعدات: فمع تعرُّض عدد من المناطق للحصار في ظل الحرب الدائرة، اكتسب الدور الإغاثي للدرونز المزيد من الزخم. وظهرت مؤشرات هذا الدور مع إعلان عدد من المؤسسات عن تقديم مساعدات واسعة لأوكرانيا؛ ففي شهر مارس الماضي، على سبيل المثال، أعلنت شركة Draganfly الكندية المُصنِّعة للطائرات بدون طيار، إرسال شحنة من المساعدات الطبية وطائرات الدرونز المخصصة للبحث والإنقاذ إلى أوكرانيا؛ حيث يمكن لهذه الطائرات نقل ما يصل إلى 16 كيلوجرامًا من الإمدادات الطبية، بما في ذلك الدم والأدوية واللقاحات والمياه ومستلزمات العناية بالجروح، كما أعلنت شركة Aquiline Drones الأمريكية عن تبرُّعها بـ40 من طائراتها المُسيَّرة من طراز Spartacus Hurricane لأوكرانيا للمساهمة في عمليات التفتيش والبحث والإنقاذ وإرسال مواد الإغاثة.

خلاصة القول: يبدو أن الحرب في أوكرانيا ستجعل الطائرات المُسيَّرة محدداً هامّاً في الصراعات الدولية خلال السنوات القادمة، ومن ثم ستدفع التنافس بين الدول في تصنيع هذه الطائرات إلى أبعاد جديدة في ظل ارتباط الاستخدام المتصاعد للدرونز بما يطلق عليها الثورة في الشؤون العسكرية a Revolution in Military Affairs التي يصفها “أندرو مارشال” بأنها “تغيير رئيسي ينتج عن التطبيق المبتكر للتقنيات الجديدة التي تُغيِّر جذريّاً طبيعة وسلوك العمليات العسكرية بجانب التحولات الدراماتيكية في العقيدة العسكرية والمفاهيم العملياتية والتنظيمية”.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d8%a7%d8%ad-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%a4%d8%ab%d8%b1/