السيناريو الأفغاني:

هل تتجه الولايات المتحدة إلى سحب قواتها من سوريا؟
السيناريو الأفغاني:
10 نوفمبر، 2021

دفع الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، وتعرض القوات الأمريكية في الشرق الأوسط لهجمات من الميليشيات الشيعية المسلحة الموالية لإيران، التي كان آخرها الهجوم على قاعدة “التنف” العسكرية الأمريكية بسوريا في 20 أكتوبر 2021؛ الكثيرين إلى التساؤل حول ما إذا كانت إدارة الرئيس جو بايدن تُفكر في انسحاب أمريكي مماثل من سوريا، التي لا يزال فيها نحو 900 جندي أمريكي، يتركزون في شمالها الشرقي، ولا سيما مع توافر العديد من المحفزات الأمريكية والإقليمية التي تدفع الإدارة إلى اتخاذ هذا القرار.

بينما هناك محفزات أخرى تجعل واشنطن أكثر تصميماً على إبقاء وجودها العسكري في سوريا، التي تضم قوى أجنبية متعددة تُشكل تحدياً للمصالح الأمريكية في المنطقة ولأمن حلفاء واشنطن الاستراتيجيين واستقرارهم. ومن هذه العوامل، التعهدات الأمريكية لقوات سوريا الديمقراطية بعدم التخلي عنها، وتجنب مزيد من التدهور في شعبية الرئيس بايدن في الداخل الأمريكي، واختلاف وضع سوريا عن حالة أفغانستان، وخبرة الانسحاب الأمريكي من العراق عام 2011، وضغوط حلفاء الولايات المتحدة لاستمرار القوات الأمريكية في سوريا.

وفي محاولة لطمأنة الدول العربية الحليفة للولايات المتحدة، صرَّح العديد من مسؤولي الإدارة الأمريكية، عقب عملية الانسحاب الفوضوي من أفغانستان، بأن واشنطن لا تفكر في سحب قواتها من سوريا، ناهيك عن الزيارات المتعددة لمسؤولي وزارتي الدفاع والخارجية ومستشار الأمن القومي إلى دول المنطقة بعد إتمام الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، وما حملته تلك الزيارات من تأكيدات بالتزام الإدارة الأمريكية بأمن المنطقة واستقرارها، واستمرار الوجود العسكري الأمريكي المباشر على أراضيها.

استمرار التموضع

ثمة عوامل تدفع إدارة الرئيس جو بايدن إلى الحفاظ على وجود قواتها العسكرية في سوريا، على المديين القصير والمتوسط على أقل تقدير، رغم بعض الخطط التي تشير إليها تقارير صحيفة عن نية أمريكية لإعادة هيكلة قواتها الموجودة بالمنطقة، في إطار الاستراتيجية الأمريكية لإعادة انتشار القوات الأمريكية حول العالم، ومن أهمها ما يلي:

1- التعهدات الأمريكية لقوات سوريا الديمقراطية: عقب مغادرة القوات الأمريكية من أفغانستان، انتاب قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مخاوف من تخلي الولايات المتحدة عنها، بعد الدعم الذي قدمته لها في حربها ضد تنظيم داعش الإرهابي في سوريا؛ ما دفع إدارة بايدن إلى تقديم تطمينات لمجلس سوريا الديمقراطية باستمرار الدعم الأمريكي لها، وأن واشنطن لن تنسحب من شمال شرق سوريا في المستقبل القريب.

وقد وعد الرئيس الأمريكي قائد قوات سوريا الديمقراطية بأن الولايات المتحدة لن تتخلى عن حلفائها الأكراد؛ حيث أرسل البيت الأبيض قائد القيادة المركزية الأمريكية الجنرال فرانك ماكنزي، في زيارة غير معلنة إلى شمال شرق سوريا لتقديم تطمينات إلى قسد بأن الإدارة الأمريكية لن تتخلى عنها. وبعد هذا الاجتماع، التقت إلهام أحمد المسؤولة الكردية التي تشغل منصب رئيسة اللجنة التنفيذية لمجلس سوريا الديمقراطية (الذراع السياسية لوحدات حماية الشعب الكردية)؛ مسؤولين في الإدارة الأمريكية في واشنطن، أكدوا أن إدارة بايدن لا تخطط لسحب القوات الأمريكية من سوريا، وأنها مستمرة في دعم قوات سوريا الديمقراطية. وتهدف الولايات المتحدة من الحفاظ على 900 جندي أمريكي في شرق سوريا، إلى تقديم الدعم لقوات قسد للقضاء على فلول تنظيم داعش الإرهابي، ومنع التوغلات التركية ضد الأكراد الذين يعتبرهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان “إرهابيين”، وكذلك منع استيلاء النظام السوري على المناطق التي تحت سيطرتها. وقد أكد ذلك مساعدُ وزير الخارجية بالإنابة جوي هود في 16 مايو الماضي خلال اجتماعات مع كبار المسؤولين في قوات سوريا الديمقراطية.

2- تجنب مزيد من التدهور في شعبية الرئيس بايدن: ساهمت عملية الانسحاب الأمريكي الفوضوية من أفغانستان، ضمن عدة متغيرات داخلية أمريكية أخرى، في تراجع شعبية الرئيس بايدن إلى أدنى مستوياتها منذ أدائه اليمين الدستورية في 20 يناير الماضي، لذا فإن هناك مخاوف من التداعيات السياسية لانسحاب أمريكي آخر من سوريا على شعبية الرئيس، ولا سيما مع قرب موعد انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر من العام المقبل.

3- اختلاف وضع سوريا عن حالة أفغانستان: أشار مسؤول أمريكي كبير يعمل على سياسة الشرق الأوسط بمجلس الأمن القومي بإدارة بايدن، لكنه لم يكشف عن هويته، في تصريحات صحفية، إلى أنه يُساء تفسير الهدف الأمريكي لإنهاء الحروب اللانهائية، وكأنها تعني تخلي الولايات المتحدة تماماً عن جميع التزاماتها في منطقة الشرق الأوسط، وهذا من وجهة نظره “خاطئ ومبسط”. كما أن السياسات الأمريكية تجاه كل من أفغانستان وسوريا مختلفة لاختلاف حجم وطبيعة الأهداف الأمريكية فيهما، وكذلك عمق المشاركة والبيئة التي تعمل فيها القوات العسكرية الأمريكية. فضلاً عن أن الخسائر الأمريكية (المالية والبشرية) في سوريا منخفضة عن التي تكبدتها الولايات المتحدة في أفغانستان. كما أن الرئيس يواجه ضغوطاً أقل داخليّاً لسحب القوات الأمريكية من سوريا في مقابل الضغوط المستمرة لإنهاء أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة.

4- خبرة الانسحاب الأمريكي من العراق عام 2011: كان الرئيس جو بايدن شاهداً خلال الفترة التي تولى فيها منصب نائب الرئيس في إدارة باراك أوباما على تداعيات قرار الإدارة الديمقراطية السابقة بسحب القوات الأمريكية المقاتلة من العراق في ديسمبر 2011، الذي أفسح المجال لعودة صعود تنظيم القاعدة مجدداً، وظهور تنظيم داعش؛ ما استدعى إرسال الولايات المتحدة قواتها العسكرية مرة أخرى لمواجهة التنظيم ودحره. ولهذا قد لا يخاطر الرئيس بايدن بسحب القوات الأمريكية من سوريا خشية عودة تنظيم داعش مجدداً بعد النجاحات الأمريكية في هزيمته، وهو ما سيكون له تداعيات داخلية تهدد فرص الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، وكذلك الانتخابات الرئاسية لعام 2024؛ حيث لا يريد بايدن أن يوصم الحزب الديمقراطي بأن قرارات رؤسائه ساعدت على إعادة صعود الإرهاب مرتين في منطقة الشرق الأوسط.

5- ضغوط حلفاء واشنطن لعدم الانسحاب: يضغط حلفاء واشنطن الإقليميون على الإدارة الأمريكية لاستمرار القوات الأمريكية في شرق سوريا؛ لمنع تحول سوريا إلى ملاذ آمن للتنظيمات الشيعية المسلحة الموالية لإيران، فيؤدي إلى تعزيز الدور الإقليمي لطهران الذي يهدد الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وهو هدف لا تركز عليه إدارة بايدن في محادثاتها غير المباشرة مع إيران في فيينا، التي تعطي الأولوية لعودتها إلى خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015.

محفزات الانسحاب

رغم التأكيدات الأمريكية أن إدارة الرئيس جو بايدن لا تفكر راهناً في انسحاب القوات الأمريكية من سوريا، فإن هناك العديد من المحفزات التي قد تدفع الولايات المتحدة إلى اتخاذ قرار الانسحاب، ويتمثل أبرزها فيما يلي:

1- خبرة الانسحاب الأمريكي من أفغانستان: سبق أن اتخذ الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب قراراً بسحب القوات الأمريكية من سوريا، لكن تم التراجع عنه في ظل معارضة القادة العسكريين في ذلك الوقت له، كما أدى إلى استقالة وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس، آنذاك احتجاجاً على هذا القرار. ولكن خبرة عملية الانسحاب الأمريكي من أفغانستان كشفت عن تصميم الرئيس جو بايدن على الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية رغم معارضة عدد من كبار المسؤولين العسكريين بوزارة الدفاع، وهو ما كشف عنه رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال مارك ميلي، وقائد القيادة المركزية الأمريكية الجنرال كينيث ماكنزي خلال جلسة استماع بلجنة الخدمات المسلحة بمجلس الشيوخ الأمريكي، عُقدت في 28 سبتمبر الماضي، حول انتهاء العمليات العسكرية في أفغانستان وخطط مكافحة الإرهاب.

ورغم معارضة عدد من المسؤولين الأمريكيين قرار الانسحاب الأمريكي من أفغانستان فإنه –حتى وقتنا هذا– لم يعلن أي منهم استقالته من منصبة احتجاجاً على قرار الانسحاب من أفغانستان، الذي بدد المكاسب السياسية والأمنية التي حققتها الولايات المتحدة خلال عقدين من وجودها هناك؛ الأمر الذي يؤشر على أنه لا يتوقع أن تكون هناك معارضة داخل الإدارة الأمريكية لقرار الانسحاب من سوريا متى رأت الإدارة ضرورة له.

2- تعهد الرئيس بايدن بإنهاء الحروب اللانهائية: أعلن الرئيس الأمريكي، خلال حملته للانتخابات الرئاسية لعام 2020، عن رفضه استمرار الحروب الأمريكية اللانهائية في الخارج، ومع توليه السلطة رسميّاً شرع في اتخاذ إجراءات فعلية لإنهاء الوجود العسكري الأمريكي خارجيّاً؛ حيث صمم على انسحاب كامل للقوات الأمريكية من أفغانستان رغم معارضة عدد من المسؤولين العسكريين. وقد توصلت الإدارة إلى اتفاق مع رئيس الوزراء العراقي “مصطفى الكاظمي” لإنهاء مهام القوات القتالية الأمريكية في العراق، وتحول دورها إلى تقديم الاستشارات والتدريب للقوات العراقية.

3- تعرُّض القوات الأمريكية في سوريا للخطر: ترى بعض التقديرات الأمريكية أن الحفاظ على وجود قوات أمريكية في سوريا، ولو كان رمزيّاً، يعرض حياة الأمريكيين للخطر، ولا سيما بعد أن نفذت الميليشيات المسلحة المتحالفة مع إيران أكثر من مرة هجمات على قوات أمريكية في سوريا والعراق. ويدعم الحرس الثوري الإيراني الميليشيات السورية التي تهاجم القوات الأمريكية بطائرات بدون طيار، وصواريخ وعبوات ناسفة. ورغم الخلافات بين من كل روسيا وتركيا وإيران في سوريا، فإنهم يُصعِّدون حملاتهم السياسية ضد الوجود “غير الشرعي” للقوات الأمريكية في سوريا.

4- تجنُّب جر واشنطن إلى صراعات المنطقة: بينما تخطط إدارة جو بايدن لتقليل الانخراط الأمريكي في صراعات وأزمات المنطقة عسكريّاً، فإن استمرار الوجود العسكري الأمريكي في سوريا، التي تشهد وجوداً مكثفاً لقوات أجنبية على أراضيها؛ يزيد مخاطر المواجهة العسكرية بين القوات السورية والإيرانية وبين القوات التركية (الحليف في حلف الناتو) في صراعات لا تحبذ الإدارة الأمريكية الانخراط فيها، ولا سيما أنها قد تشعل حرباً شاملة في المنطقة.

5- تراجع أهمية سوريا بالنسبة للولايات المتحدة: ترى عديد من التحليلات الأمريكية أنه ليس هناك مصلحة استراتيجية للولايات المتحدة في سوريا تبرر ضرورة إبقاء القوات الأمريكية هناك؛ حيث إنها لا تمتلك سوى 0.1% من احتياطي النفط العالمي، وليس لديها موارد طبيعية أو مجارٍ مائية دولية؛ لذلك كانت العلاقات الأمريكية–السورية ضعيفة على مر العقود. فضلاً عن أن الهدف من انتشار القوات الأمريكية في سوريا كان بغرض المساعدة في القضاء على الخلافة المزعومة لتنظيم “داعش”، وقد نجحت الولايات المتحدة بمشاركة حلفائها في تحقيق ذلك في مارس 2019.

6- التوجه الاستراتيجي الأمريكي نحو آسيا: أعلن الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما عن سياسة التوجه الأمريكي تجاه آسيا، لكن وتيرة هذا التوجه في السياسة الخارجية الأمريكية تسارعت تحت رئاسة بايدن التي شرعت في تحويل الانتباه والموارد الأمريكية حول العالم عامةً، من منطقة الشرق الأوسط على وجه الخصوص، إلى منطقة الإندو–باسيفيك؛ لاحتواء الصعود الصيني الذي يمثل تهديداً للقوة والقيادة الأمريكية المنفردة للنظام الدولي بعد الحرب الباردة، وليس ذلك فقط، بل يهدد الداخل الأمريكي أيضاً، بتأثيراته على مستويات دخل المواطنين الأمريكيين، بالإضافة إلى تركيز الإدارة على مواجهة بكين، وهي المواجهة  التي احتدمت منذ تولي بايدن الرئاسة الأمريكية.

في الختام، تشير العديد من المؤشرات إلى أن الإدارة الأمريكية لا تفكر جديّاً في سحب القوات الأمريكية من سوريا في الوقت الراهن؛ لأسباب متعددة يتعلق بعضها بقرب موعد الانتخابات الأمريكية، وبأمن حلفاء واشنطن واستقرار الشرق الأوسط، ولكن هذا لا يعني استبعاد الإدارة سحب القوات في ضوء المتغيرات الإقليمية والداخلية، ولا سيما أنه على مدار الأشهر الماضية حدثت تحولات في مواقف الإدارة الأمريكية من النظام السوري، وإن كان بعضها غير معلن وغير رسمي؛ حيث قلصت الإدارة تدريجيّاً التزام الولايات المتحدة بعزل الرئيس السوري بشار الأسد أو فرض تكاليف باهظة على نظامه بسبب انتهاكاته الداخلية، ناهيك عن الموافقة الضمنية على انفتاح عدد من الدول العربية على نظام الأسد، وجهود إعادة انخراط دمشق في المنظومة العربية مجدداً.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d9%86%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d9%88-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%81%d8%ba%d8%a7%d9%86%d9%8a/