الصدمات الخضراء:

كيف يتعامل العالم مع أزمات الطاقة في عصر الاستدامة البيئية؟
الصدمات الخضراء:
17 أكتوبر، 2021

عرض: صباح عبد الصبور

بالتزامن مع اجتماع زعماء العالم في مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي “COP26” في بريطانيا خلال نوفمبر 2021؛ وذلك لتحديد وضبط مسار انبعاثات الكربون العالمية لتصل إلى الصفر بحلول عام 2050؛ يشهد العالم أولى أزمات الطاقة الكبرى في إطار عملية الانتقال إلى الطاقة النظيفة، في ظل مواجهة أوروبا، في الوقت الحالي، أزمةَ نقصٍ حادةً في إمدادات الغاز، يقابلها ارتفاعٌ كبيرٌ في أسعاره، وهو ما سيؤثر على مختلف القطاعات الحيوية بداخلها. وفي هذا الصدد نشرت مجلة “إيكونوميست”، في 16 أكتوبر 2021، تقريراً يحلل أبعاد هذه الأزمة تحت عنوان “أزمة الطاقة العالمية في ظل التحول إلى الطاقة النظيفة: أزمة الغاز في أوروبا أنموذجاً”. ويمكن استعراض أبرز ما ورد فيه على النحو التالي:

أزمة متصاعدة

أشار التقرير إلى أن هناك أزمةً كبيرةً في الطاقة تتمثل أبرز ملامحها في ارتفاع سعر النفط والفحم والغاز بنسبة 95%، بالإضافة إلى قيام دولٍ مثل بريطانيا (الدولة المضيفة للقمة) بإعادة تشغيل محطات الطاقة التي تعمل بالفحم، كما أن أسعار البنزين الأمريكي وصلت إلى 3 دولاراتٍ للجالون، مع انقطاعٍ متكررٍ للتيار الكهربائي في الصين والهند. وعلاوةً على ذلك، ذكَّر فلاديمير بوتين أوروبا للتو بأن إمداداتها من الوقود تعتمد على حسن النية تجاه روسيا، وهو ما يكشف عن عدة مؤشراتٍ تواجه قطاع الطاقة في أوروبا، تتمثل فيها يلي:  

1– تصاعُد أزمة الغاز الطبيعي في أوروبا: وَفقاً للتقرير، فقد ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي مؤخراً في جميع أنحاء أوروبا، وقد أدَّى ذلك إلى حالة من الذعر في بريطانيا؛ حيث تدرس الحكومة الآن تقديم إعاناتٍ وغيرها من أشكال الدعم الحكومي للصلب والكيمياويات ومستخدمي الطاقة الثقيلة الآخرين. وفي 12 أكتوبر 2021، اتخذت شركة طاقةٍ ألمانيةٌ خطوةً استثنائيةً بتعليق عقود إمدادات الغاز الجديدة للعملاء المقيمين.

2– خشية من نفاد مخازن الغاز بأوروبا: أشار التقرير إلى أن أوروبا تتجه نحو شتاءٍ قارسٍ مع احتمال حدوث نقصٍ حادٍّ في الغاز والطاقة، لا سيما أن هناك قلقاً من أن بعض الظواهر الجوية (ظاهرة النينيا الجوية) قد تؤدي إلى شتاءٍ شديد القسوة؛ ليس في شمال غرب أوروبا فقط، بل في شمال شرق آسيا وأمريكا الشمالية أيضاً؛ ما قد يؤدي إلى مزيدٍ من المنافسة العالمية على الطاقة.

وطبقاً للتقرير، فقد كانت مخازن الغاز الطبيعي في أوروبا أعلى بكثيرٍ من متوسط السنوات الخمس في بداية عام 2021، لكن الشتاء الطويل مع انخفاض الإنتاج في النرويج وبريطانيا (جزئياً بسبب العوائق المرتبطة بوباء كورونا)؛ يعني أن التخزين الآن عند مستوياتٍ مثيرةٍ للقلق. ويتنبَّأ “إدوارد مورس” من بنك سيتي جروب الأمريكي، بأنه إذا كان هذا الشتاء بالفعل (قاسياً)، فقد تنفد هذه المخازن.

3– اتهام روسيا بالسعي إلى تأجيج أزمة الطاقة: تسود العواصم الأوروبية وجهةُ نظرٍ مفادها أن شركة جازبروم التي تسيطر عليها الدولة الروسية، والتي تعد أكبر موردٍ للقارة؛ تعمل على تأجيج أزمة الطاقة في أوروبا بمنع صادرات الغاز الطبيعي؛ لذا يطالب البرلمانيون الأوروبيون بالتحقيق مع جازبروم لعدم شحن المزيد من الغاز، بزعم أنها حيلةٌ لتأمين الموافقة التنظيمية النهائية على خط أنابيب نورد ستريم 2 المثير للجدل والمُصمَّم لشحن الغاز الروسي إلى ألمانيا.

وحسب التقرير، فإن هناك طريقتَيْن يمكن من خلالهما أن تحصل أوروبا على مزيدٍ من الغاز؛ تتمثل الأولى في محاولة إرغام روسيا على تصدير المزيد. وقد أشادت “أورسولا فون دير لاين” رئيسة المفوضية الأوروبية مؤخراً بالنرويج لمساعدتها في أزمة الغاز، لكنها أشارت بأصابع الاتهام إلى الكرملين: “لا يبدو أن هذا هو الحال في روسيا”، لكن المحللين يعتقدون أن شركة جازبروم العملاقة تصدِّر بالفعل غازاً إلى أوروبا هذا العام أكثر مما كانت عليه قبل الوباء، وأكد عملاؤها القاريون الكبار مؤخراً أنها تفي بالتزاماتها التعاقدية؛ لذا يؤكد التقرير أن هناك القليل من الأدلة القوية على أن لروسيا عاملاً كبيراً في أزمة الغاز الحاليَّة في أوروبا.

كما يعتقد التقرير أن هناك طريقةً ثانيةً ممكنةً لزيادة العرض، وهي زيادة واردات الغاز الطبيعي المسال عن طريق السفن؛ فعلى مدى العقدَيْن الماضيَيْن، أدت استراتيجية أوروبا لتقليل الاعتماد على جازبروم إلى استثماراتٍ كبيرةٍ في الغاز الطبيعي المسال، الذي يشكِّل الآن نحو 20% من الغاز في القارة. وعندما تمَّ إمداد سوق الغاز العالمية بشكلٍ جيدٍ قبل بضع سنواتٍ، تمتعت أوروبا بأسعار غازٍ منخفضةٍ بفضل الوصول إلى فائض الشحنات.

لكن التقرير يشير إلى أن اقتران ركود الاستثمار في الإنتاج الجديد، والارتفاع المفاجئ في الطلب العالمي على الغاز، مرتبطان بالاقتصاد العالمي؛ إذ أدى التعافي إلى التدافع على الغاز الطبيعي المسال بشكلٍ كبيرٍ في الآونة الأخيرة.

4– اتجاه نحو تحميل الصين مسؤولية الأزمة: أشار التقرير إلى “اتجاهٍ بين المسؤولين الأوروبيين نحو إلقاء اللوم على الصين”؛ إذ ارتفعت واردات الغاز الطبيعي المسال في منطقة المحيط الهادئ؛ حيث ارتفعت الواردات بنسبة 25% مؤخراً؛ وذلك لسببَيْن: يتمثل أولهما في الأسعار الباهظة التي يقدمها المشترون الآسيويون، كما أن إحدى المزايا التي يتمتع بها هؤلاء المشترون هي دعم الدولة الواضح لهم؛ ففي الصين، دفعت المخاوف المتعلقة بأمن الطاقة، المسؤولين إلى ضمان توفير إمداداتٍ كافيةٍ لفصل الشتاء “بأي ثمنٍ”. بينما يتمثل ثانيهما في أن معظم الغاز الآسيوي لا يزال يتم شراؤه بموجب عقودٍ طويلة الأجل مرتبطةٍ بسعر النفط، وهي ممارسةٌ تخلت عنها أوروبا لأنها حرَّرت أسواق الغاز.

5– مخاوف من ثورة ضد سياسات المناخ: وفقاً للتقرير، فإن هناك تحدياتٍ كبيرةً تنتظر العالم مع تحوُّله إلى نظام الطاقة النظيفة، وهي تشمل –وفقاً للتقرير– الاستثمار غير الكافي في مصادر الطاقة المتجددة وبعض أنواع الوقود الأحفوري، وزيادة المخاطر الجيوسياسية، مع هشاشة أنظمة السلامة في أسواق الطاقة. ويؤكد التقرير أنه بدون وجود إصلاحاتٍ بشكلٍ سريعٍ سيكون هناك المزيد من أزمات الطاقة، وربما ثورةٌ شعبيةٌ ضد سياسات المناخ.

تحديات الطاقة المتجددة

نوه التقرير بأن من أهم مشكلات الطاقة المتجددة طبيعتها المُتقطِّعة، ويشمل ذلك مشاكل الصيانة الروتينية، والحوادث، وقلة الرياح في أوروبا، والجفاف الذي أدَّى إلى خفض إنتاج الطاقة الكهرومائية في أمريكا اللاتينية، والفيضانات الآسيوية التي أعاقت شحنات الفحم. ووَفقاً للتقرير، فإنه إذا نجا العالم من ركودٍ حادٍّ في الطاقة، عن طريق حل تلك الثغرات –مثلاً– وقيام روسيا والأوبك بإنتاج النفط والغاز؛ فإن التكلفة ستكون –على الأقل– نمواً أبطأ وتضخماً أعلى. ووفقاً للتقرير، فإنه يرتبط بما سبق ظهور عددٍ من المشكلات الأساسية، هي كما يلي:

1– قلة الاستثمارات في الطاقة المتجددة: تتمثل المشكلة الأولى في أن الاستثمار في الطاقة يبلغ نصف المستوى المطلوب لتلبية الطموح للوصول إلى الصافي الصفري بحلول عام 2050. ومن ثم، يجب أن يرتفع الإنفاق على مصادر الطاقة المتجددة. ويجب أن يتم تقليص الطلب على الوقود الأحفوري؛ إذ يُلبي الوقود الأحفوري 83% من الطلب على الطاقة الأولية. وهذا يجب أن ينخفض نحو الصفر. في الوقت نفسه، يجب أن يتحول المزيج من الفحم والنفط إلى الغاز الذي يحتوي على أقل من نصف انبعاثات الفحم، لكن التهديدات القانونية، وضغط المستثمرين، والخوف من اللوائح؛ أدت إلى تراجع الاستثمار في الوقود الأحفوري بنسبة 40% منذ عام 2015.

ومن جانبٍ آخر، يمثل الغاز نقطة ضغطٍ أساسيةً؛ إذ تحتاج العديد من البلدان –ولا سيما في آسيا– إلى أن تكون جسراً للوقود في عشرينيات وثلاثينيات القرن الحالي، حتى يتم التحول إلى الغاز عندما تتخلَّص من الفحم؛ وذلك قبل تكثيف مصادر الطاقة المتجددة. وبالإضافة إلى استخدام خطوط الأنابيب، يستورد معظمهم الغاز الطبيعي المسال (LNG)؛ علماً بأن هناك عدداً قليلاً جداً من المشاريع قيد التنفيذ.

2– مشاكل متعلقة بالجغرافيا السياسية: تتمثل المشكلة الثانية –وفقاً للتقرير– في الجغرافيا السياسية؛ حيث تتوقف الديمقراطيات الغنية عن إنتاج الوقود الأحفوري، ويتحول الإمداد لصالح الأنظمة الاستبدادية –بما في ذلك روسيا– مع وجود ضغوطٍ وتكاليفَ أقلَّ. لذا، قد ترتفع حصة إنتاج النفط من الأوبك وروسيا –طبقاً للتقرير– من 46% في الوقت الحالي إلى 50% أو أكثر بحلول عام 2030؛ علماً بأن روسيا هي مصدر 41% من واردات أوروبا من الغاز، وسيزداد نفوذها مع فتح خط أنابيب نورد ستريم 2 وتطوير الأسواق في قارة آسيا. لكن الخطر الدائم هو أن تحد من إمداداتها.

3– عيوب تتعلق بأسواق الطاقة نفسها: حسَب التقرير، فإن المشكلة الثالثة هي التصميم المَعِيب لأسواق الطاقة؛ حيث أشار التقرير إلى أن رفع القيود منذ تسعينيات القرن الماضي شهد تحول العديد من البلدان من صناعات الطاقة المتداعية التي تديرها الدولة إلى أنظمةٍ مفتوحةٍ تحدد فيها الأسواق أسعار الكهرباء والغاز التي يتم توفيرها من قِبَل البائعين المتنافسين. لكن هؤلاء يكافحون للتعامل مع الواقع الجديد المتمثل في انخفاض إنتاج الوقود الأحفوري، والموردين الاستبداديين، وزيادة حصة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح المتقطعة.

4– التوجه نحو تصفير الانبعاثات الكربونية: وفقاً للتقرير، فإن التوجه نحو تصفير الانبعاثات الكربونية يُعد سبباً داخلياً لا يمكن إغفاله؛ إذ يؤكد التقرير أنه لا يوجد سببٌ خارجيٌّ يقدم تفسيراً مُرضياً لأزمة الغاز في أوروبا. فيما يوجد تفسيرٌ آخرُ معقولٌ –وإن كان مثيراً للجدل– وهو الاندفاع المتهور في القارة نحو إزالة الكربون من نظام الطاقة الخاص بها.

خطوات للمواجهة

أشار التقرير إلى أن الحكومات تحتاج إلى الاستجابة لتلك المشكلات عن طريق عددٍ من الخطوات لمواجهة مشكلات الطاقة المتجددة؛ وذلك على النحو التالي:

1– ضرورة إعادة تصميم أسواق الطاقة: بحيث تستطيع أسواق الطاقة أن تمتص النقص وتتعامل مع الطبيعة المتقطعة للطاقة المتجددة، كما يجب على موردي الطاقة الاحتفاظ بمزيد من الاحتياطيات، تماماً كما تحتفظ البنوك برأس المال. ويمكن للحكومات دعوة الشركات إلى تقديم عطاءاتٍ للحصول على عقود إمدادٍ بالطاقة الاحتياطية. وبناء المزيد من المحطات النووية، وتخزين ثاني أكسيد الكربون، وهو أمرٌ حيويٌّ لتزويد حمولةٍ أساسيةٍ من الطاقة النظيفة والموثوقة.

2– تنويع العرض لإضعاف قبضة الدول النفطية: يرى التقرير أن تنوع العرض يضعف قبضة الدول البترولية الاستبدادية مثل روسيا. ويقدم التقرير عدداً من الحلول من أجل عرضٍ أكثر تنوعاً يهدف إلى إضعاف قبضة الدول البترولية غير الديمقراطية، مثل بناء مزيدٍ من محطات الغاز الطبيعي المسال، وزيادة التجارة العالمية في الكهرباء. وطبقاً للتقرير، يعد بناء شبكاتٍ تحت سطح البحر، جزءاً من الإجابة، وقد يساعد أيضاً في تحويل الطاقة النظيفة إلى هيدروجين ونقلها على متن السفن.

3– العمل على تسعير الكربون العالمي: يؤكد التقرير أن دعم مصادر الطاقة المتجددة، والعقبات التنظيمية والقانونية تجعل الاستثمار في مشاريع الوقود الأحفوري محفوفاً بالمخاطر، وأن الجواب المثالي هو تسعير الكربون العالمي الذي يعمل على خفض الانبعاثات بدرجةٍ كبيرةٍ، ويساعد الشركات على الحكم على المشاريع التي ستجني الأموال، ويزيد الإيرادات الضريبية لدعم الخاسرين في عملية تحول الطاقة. ومع ذلك، فإن مخططات التسعير لا تغطي سوى خُمس إجمالي الانبعاثات.

وختاماً، أشار التقرير إلى أنه مع اقتراب قمة “COP26” في بريطانيا، يواجه العالم –وعلى رأسه القارة الأوروبية– أزمةً كبيرةً في الطاقة، في إطار عملية التحول إلى الطاقة النظيفة. لذلك يجب على القادة في القمة تجاوز مجرد التعهدات بتحقيق الصافي الصفري للانبعاثات، والتعامل مع التفاصيل الدقيقة لكيفية إدارة عملية التحول.

المصادر:

Getting to zero: The first big energy shock of the green era, The Economist, October 16, 2021, Accessible at: https://www.economist.com/leaders/2021/10/16/the–first–big–energy–shock–of–the–green–era

It is tempting to blame foreigners for Europe’s gas crisis, The Economist, October 16, 2021, Accessible at: https://www.economist.com/europe/2021/10/16/it–is–tempting–to–blame–foreigners–for–europes–gas–crisis


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%af%d9%85%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%b6%d8%b1%d8%a7%d8%a1/