الصراع المزمن:

لماذا تجدَّدت الاشتباكات المسلحة بين أرمينيا وأذربيجان؟
الصراع المزمن:
16 سبتمبر، 2022

دخلت أذربيجان وأرمينيا في موجة من الصراعات الحدودية والحروب الطويلة منذ التسعينيات، وصولاً إلى عام 2020 التي مثَّلت نقطة تحول لباكو؛ حيث أُجبرت يريفان على التنازل عن مساحات شاسعة من الأراضي التي كانت تسيطر عليها لعقود. وقد تم وقف العمليات العسكرية في عام 2020، بعد التوصُّل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، وتوافق كل من رئيس الوزراء الأذربيجاني والأرميني على الدخول في محادثات سلام. بالإضافة إلى ذلك نشرت روسيا نحو 2000 من قوات حفظ السلام لضمان الحفاظ على الهدنة الهشة بين الطرفين. ولكن مع تغيُّر المعطيات الدولية، خاصةً انشغال روسيا في حربها بأوكرانيا، وسعي أذربيجان الدؤوب للتحول إلى مركز طاقة إقليمي يعوض الدول الأوروبية ولو بجزء محدود عن الغاز الطبيعي الروسي؛ تجددت المناوشات بين البلدين إلى الحد الذي دفع البعض إلى التحذير من شهود المنطقة حرباً جديدةً واسعة النطاق.

مؤشرات خطرة

منذ يوليو الماضي، عادت المناوشات بين أرمينيا وأذربيجان إلى قمة التفاعلات بالساحة الإقليمية والدولية، خاصةً أنها جاءت عقب زيارة “أورسولا فون در لاين” رئيسة المفوضية الأوروبية إلى أذربيجان للاتفاق على زيادة حجم الغاز الأذري المُصدَّر إلى دول الاتحاد الأوروبي، بيد أن الاشتباكات لم تتوسَّع ولم تصل إلى ما وراء منطقة ناجورنو كاراباخ إلا في شهر سبتمبر الحالي، مع بروز بعض المستجدات في الداخل والخارج أذرياً وأرمينياً، وهذه المستجدات هي على النحو التالي:

1– انشغال روسيا بالحرب في أوكرانيا: يرى العديد من المحللين أن الخسائر التي تتعرض لها روسيا في الأراضي الأوكرانية، واستعادة القوات الأوكرانية عدداً من المناطق الاستراتيجية الهامة هناك – على غرار خاركيف – مثَّلت فرصة استراتيجية هامة تسعى أذربيجان إلى استغلالها؛ فمن ناحية، نقلت روسيا بعض قواتها لحفظ السلام في منطقة ناجورنو كاراباخ إلى مناطق الاشتباك في الداخل الروسي، كما أن موسكو رفضت الاستجابة لمناشدات الحكومة الأرمينية في شهر يوليو التدخل لحمايتها، ومنع أي خرق أذربيجاني لاتفاقية وقف إطلاق النار الموقعة في 2020 بوساطة روسية.

وعلى الرغم من إعلان موسكو مؤخراً أنها ستسعى لوقف الاعتداءات من قبل الطرفين على اتفاقية وقف إطلاق النار، فإن باكو تدرك جيداً أن روسيا لن تستطيع تحمل تكلفة الانخراط في حرب جديدة، كما أن دول الاتحاد الأوروبي لم تَعُد تنظر إلى موسكو باعتبارها وسيطاً حيادياً يمكن دعم تحركاته في هذا السياق للحفاظ على الأمن والاستقرار بين أذربيجان وأرمينيا. وأخيراً امتدت الاشتباكات إلى ما وراء منطقة ناجورنو كاراباخ؛ حيث وصلت إلى الحدود الدولية الجنوبية بين أرمينيا وأذربيجان، وهو ما يعني أنها تقع خارج نطاق اتفاقية وقف إطلاق النار المنعقدة سابقاً، وبذلك يصعب على الدول الوسيطة – خاصة روسيا – التدخل تحت بند حماية اتفاق وقف إطلاق النار.

2– رغبة أذربيجان في تعزيز نصرها غير المكتمل في ناجورنو كاراباخ: ترى الحكومة في باكو أن انتصارها في عام 2020 غير مكتمل؛ فعلى الرغم من استعادتها جزءاً كبيراً من سيطرتها على الأراضي في منطقة ناجورنو كاراباخ، فإنها لا تزال بعيدةً عن إحكام سيطرتها الكاملة على الإقليم. ويُمثِّل الإقليم أهميةً خاصةً للرؤية الاقتصادية الطموحة للحكومة الأذرية الحالية بتحوُّلها إلى مركز إقليمي هام لتزويد أوروبا بالغاز الطبيعي؛ فعلى الرغم من افتقار الإقليم موارد الطاقة غير المتجددة – كالنفظ والغاز – فإن موقعه الجغرافي يمثل نقطة ربط استراتيجي هام بين مُصدِّري النفط والغاز في آسيا الوسطى ومُستقبِلي هذه الشحنات في أوروبا.

3– تباطؤ الحكومة الأرمينية في التوصل إلى اتفاق شامل مع باكو: أشارت العديد من التقارير إلى أن الوضع بات أسوأ مما كان عليه في عام 2020؛ حيث أعربت أذربيجان عن استعدادها لتوفير أعلى مستوى ممكن من الحكم الذاتي داخل إقليم ناجورنو كاراباخ، إلا أن أرمينيا وسلطات ناجورنو كاراباخ يرفضان أي طرح يجعل كاراباخ تحت السيطرة الأذربيجانية، ويعتبران أن الحل الأوحد للأزمة يتمثل في اعتراف أذربيجان باستقلال الإقليم.

ويتزامن مع هذا الأمر، رفض المعارضة الأرمينية موافقة الرئيس الأرميني “فاهاجن خاتشاتوريان” في رغبته المتمثلة في التوصل إلى اتفاق نهائي مع الحكومة الأذرية. ونتيجة لذلك، نفذ الجيش الأذربيجاني، في شهر يوليو الفائت، عملية أطلق عليها اسم “الثأر” رداً على ما سمَّاه انعدام الجدية لدى صانع القرار الأرميني، وسيطر على عدة مرتفعات استراتيجية في كاراباخ، كما اتهم الجيش المنشق في كاراباخ، بخرق اتفاق وقف إطلاق النار وقتل جنديين من أذربيجان. في المقابل اتهمت أرمينيا أذربيجان بالسعي إلى إجراء تغييرات أحادية الجانب على ممر “لاتشين” الذي يربط بين أرمينيا وكاراباخ. واستمر هذا الوضع في التصاعد ليصل إلى الحدود الأذرية الأرمينية؛ حيث ادعى كل طرف انخراط الآخَر في أعمال عدائية، وحشد جنوده ومعداته العسكرية استعداداً لشن عملية عسكرية موسعة.

محددات رئيسية

تشير التقديرات إلى أن الاشتباكات الحدودية الأخيرة التي وقعت بين أذربيجان وأرمينيا، قد ألحقت وفيات وإصابات لدى كلا الطرفين، مع ترجيح وقوع 100 قتيل بكل جانب على الأقل. وبالرغم من ذلك، فإن الخسائر البشرية لا تمثل النتائج الوحيدة المترتبة على هذا التصعيد، بل يوجد عدد من التبعات السياسة والاستراتيجية وحتى الاقتصادية. وفي هذا الإطار، يمكن القول إن مستقبل التصعيد واحتمالية تحوُّل المناوشات إلى حرب جديدة، يرتبط بعدد من المحددات الرئيسية المتمثلة فيما يلي:

1– قدرة الأطراف الدولية على لعب دور دبلوماسي لوقف التصعيد: مع انشغال روسيا في حربها الحالية بأوكرانيا، وحاجة الاتحاد الأوروبي المُلحَّة إلى واردات الغاز الطبيعي الأذري، يُتوقع أن يلعب الاتحاد الأوروبي– وعلى رأسه فرنسا – دوراً محورياً في الوساطة القادمة بين باكو ويريفان. وقد أكدت أرمينيا بدورها أنها ستطالب “منظمة معاهدة الأمن الجماعي” التي تقودها روسيا – وهي كتلة أمنية من الدول السوفييتية السابقة – وكذلك مجلس الأمن الدولي، بالتدخل لوقف التصعيد الأذري ضدها.

كما تواصل رئيس الوزراء الأرميني “نيكول باشينيان” مع الرئيس الروسي “بوتين”، والرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون”، ووزير الخارجية الأمريكي “أنتوني بلينكين”، والرئيس الإيراني “إبراهيم رئيسي”؛ لإبلاغهم “بأعمال أذربيجان العدوانية ضد الأراضي السيادية لأرمينيا” والمطالبة بـ”رد فعل مناسب من المجتمع الدولي”. وبينما أكدت روسيا أنها ستبذل كل ما في استطاعتها لوقف الأعمال العدائية، قال مكتب “ماكرون” إن فرنسا ستطرح القضية في مجلس الأمن الدولي.

2– حدود تحول المنطقة إلى جزء من حرب بالوكالة بين الغرب وروسيا: دعت الولايات المتحدة إلى إنهاء الاشتباكات قائلةً: “لا يمكن أن يكون هناك حل عسكري”، كما اتهم “بلينكين” روسيا بإشعال الأزمة بين الدولتين لإلهاء المجتمع الدولي عن الخسارة المذلة التي يتلقَّاها جيشه حالياً في أوكرانيا؛ حيث قال في تصريحات صحفية، يوم 13 سبتمبر الجاري: “تحاول روسيا دائماً، بطريقة ما، إثارة القلاقل في المنطقة، وإلهاء العالم عن التطورات القائمة في أوكرانيا، وهو الأمر المعتاد الذي تلجأ إليه دائماً موسكو للتغلب على أزماتها المتعاقبة”.

3– مدى الارتباط بين التصعيد والأزمات الاقتصادية الدولية: قد يشكل الارتباط بين الأزمات الاقتصادية الدولية والصدام بين أرمينيا وأذربيجان عاملًا آخر يُحدِّد مستقبل الصراع؛ فمن الواضح أن الكثير من الدول مقتنعة بأن ما يجري بين أرمينيا وأذربيجان سيكون له تأثيرات عكسية على الأوضاع الاقتصادية الدولية، وخاصةً من زاوية ملف الطاقة. وفي هذا الإطار، قال منسق السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي “جوزيب بوريل” معلقاً على التصعيد الأخير بين أرمينيا وأذربيجان: “من الضروري أن تتوقف الأعمال العدائية، وأن تكون هناك عودة إلى طاولة المفاوضات”، مضيفاً أنه تم تعيين مبعوث خاص للاتحاد الأوروبي إلى المنطقة. ومن المُتفهَّم الحرص الأوروبي الشديد على عدم تصعيد الموقف بين باكو ويريفان، خاصةً أن بروكسيل تخطط للتغلُّب على شُح الطاقة في الدول الأوروبية خلال الشتاء القادم، بالاعتماد على واردات الغاز الأذري إلى عدد من دولها، تفعيلاً لاتفاق الطاقة الجديد الذي توصَّلت إليه رئيسة المفوضية الأوروبية خلال زيارتها إلى باكو في الثامن عشر من يوليو الماضي.

4– رؤية تركيا للتصعيد من زاوية المكاسب الاستراتيجية: تعد تركيا من أكثر الدول استفادةً من الأزمات العالمية المتلاحقة حالياً؛ وذلك على الرغم من تضرُّر اقتصادها بصورة ملحوظة من التطورات الحالية؛ حيث تلعب أنقرة على تحقيق أكبر منفعة استراتيجية من تجدد الصراع في إقليم كاراباخ، خاصة أن أنقرة تمتلك علاقات جيدة حتى الآن مع روسيا، كما استغلت الحرب الأوكرانية لتحقيق بعض المكاسب. وعلى غرار الشعور الأذري بأن مكاسب أذربيجان من الحرب في 2020، لم تكتمل بعد، بفعل التدخل الروسي، فإن أنقرة تتطلع إلى تحقيق المزيد من المكاسب الاستراتيجية على هذه الجبهة، من خلال الدفع نحو لعب دور وسيط أكبر بين الطرفين. وكما هو متوقع، بادرت حكومة الرئيس “أردوغان” إلى اتهام أرمينيا باستفزاز الجانب الأذربيجاني، والعمل على زعزعة الوضع القائم، إلا أنها في الوقت ذاته دعت الطرفين إلى ضبط النفس، وعدم الانجراف نحو التصعيد.

شكوك المستقبل

في صباح يوم 15 سبتمبر 2022، بادرت الحكومة الأرمينية إلى إعلان التوصُّل إلى وقف إطلاق نار جديد؛ وذلك عقب خرق آخر اتفاق لوقف إطلاق النار، الذي رعته روسيا في الثالث عشر من سبتمبر. وعلى الرغم من عدم الإعلان عن هوية الوسيط، والظروف المحيطة بهذا الاتفاق الجديد، فإن مبادرة أرمينيا إلى الإعلان عن وقف إطلاق نار، يُظهر الموقف الصعب والضغط الكبير الذي تتعرَّض له الحكومة في يريفان، داخلياً وخارجياً، من أجل تهدئة التوتر الأخير. من ناحية أخرى، يظهر قبول أذربيجان باتفاق وقف إطلاق النار الجديد، رغبة باكو الحثيثة في إنفاذ اتفاق زيادة واردات الغاز الأذري إلى الداخل الأوروبي من ناحية، إلا أنه من ناحية أخرى، تؤكد الحكومة الأذرية من خلال سياسات التصعيد الأخيرة، أنها لن تقبل استمرار الحياد الأوروبي تجاه الأزمة، الذي يصل أحياناً إلى حد مناصرة أرمينيا على حساب مصالح أذربيجان. ولكن مع ذلك، يظل صمود وقف إطلاق النار أمراً مشكوكاً فيه في ظل الأزمات الدولية الراهنة، علاوةً على أن محفزات الصدام والعداء بين الدولتَين لا تزال قائمةً، ولم يتم تسويتها نهائياً.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%b1%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b2%d9%85%d9%86/