الضربات الاحترازية:

لماذا يجب التحرك الاستباقي لمواجهة تنظيم "القاعدة"؟
الضربات الاحترازية:
18 أكتوبر، 2021

كشفت عملية إلقاء القبض على “سامي جاسم الجبوري”، مشرف التمويل داخل تنظيم “داعش”، عن قدرة أجهزة الأمن العراقية وبعض أجهزة الاستخبارات الأخرى على اصطياد فلول التنظيم الأكثر تطرفاً، الهاربة بعد سقوط إمارته، في 22 مارس 2019، وتحرير مدينة الموصل في يوليو 2017، ويضع تحدياً بشأن سبل مواجهة تنظيم “القاعدة” وأمرائه وقادته. فرغم أن تقارير كثيرة حذرت من تصدر “القاعدة” للمشهد الجهادي بعد سقوط “داعش”، وخروج الولايات المتحدة الأمريكية من أفغانستان؛ إلا أن مواجهة “القاعدة” تبدو متراجعة مقارنة بمواجهة “داعش” رغم أن التقارير ذاتها ترجح تصاعد خطورة “القاعدة” خلال السنوات العشر القادمة. ويمكن تفسير ذلك انطلاقاً من عدة عوامل هي: التحديد المكاني لكوادر وقيادات “داعش” في بؤرتي سوريا والعراق، ووجود مزاعم بخروج عناصر إرهابية من عباءة “القاعدة” والانضمام إلى “داعش”، ومحاولة عناصر “القاعدة” تنظيم صفوفها بعد عقدين من أحداث 11 سبتمبر، واستمرار توافق الجهود الدولية والإقليمية على مجابهة خطر “داعش”.

مواجهات متقدمة

أعلنت سلطات الأمن العراقية، في 11 أكتوبر 2021، إلقاء القبض على “سامي جاسم الجبوري”؛ نائب الزعيم السابق لتنظيم “داعش”؛ “أبو بكر البغدادي”، في عملية استخباراتية دقيقة تمت خارج حدود العراق، وشهدت على قدرة الأجهزة الأمنية العراقية على مواجهة ما تبقى من “داعش”. إذ تبدو أهمية العملية من أن “الجبوري” كان مطلوباً دولياً، حيث وضع برنامج مكافآت من أجل العدالة التابع لوزارة الخارجية الأمريكية مكافأة قدرها خمسة ملايين دولار لمن يُدلي بمعلومات تؤدي إلى إلقاء القبض عليه.

كما أن عملية إلقاء القبض على القيادي الذي تولى وزارة المالية في “دولة داعش” البائدة بدت مهمة لما يملكه “الجبوري” من معلومات ترتبط بما يعرف بـ “الأموال السائبة”، وهي تلك الأموال التي ما زالت في حوزة التنظيم بعد سقوط دولته واغتيال زعيمه “أبو بكر البغدادي”، فالمعلومات التي بحوزة “الجبوري” دفعت رئيس الوزراء العراقي “مصطفى الكاظمي” لإعلان نبأ القبض عليه بنفسه عبر تغريدة وصف فيها العملية بالإنجاز الكبير.

وتبدو أهمية “الجبوري” في أنه من المقربين من اللجنة المفوضة التي تدير التنظيم مع زعيمه الحالي؛ “عبد الله قرداش”، كما أظهرت العملية قدرة أجهزة الأمن العراقية على مواجهة التنظيم خارج حدودها، وهو ما سوف ينعكس على مواجهته داخل العراق. وتطرح هذه التطورات سؤالاً يرتبط بالمواجهة المماثلة لتنظيم “القاعدة” التي تبدو متراجعة. ويمكن القول إن هناك عدة أسباب يمكن من خلالها أن نفهم عوامل تراجع مواجهة “القاعدة” مقارنة بتنظيم “داعش”، يمكن تلخيصها في عدة عوامل على النحو التالي:

1- التحديد المكاني لكوادر وقيادات “داعش” في بؤرتي سوريا والعراق: يعود تكثيف الجهود الدولية لمواجهة “داعش” باعتباره خطراً قريباً دفع المجتمع الدولي لتشكيل تحالف ضم أكثر من 80 دولة لمواجهة التنظيم على الأراضي العراقية، خاصة وأنه شكل خطراً بمحاولات توسعه، فضلاً عن عملياته التي كان يقوم بها خارج حدود دولته في الرقة والموصل من خلال أفرع التنظيم التي بايعته في عدة أقطار.

2- خروج عناصر إرهابية من عباءة “القاعدة” والانضمام إلى “داعش”: مع ظهور “داعش” وإعلان دولته في يونيو من عام 2014 تراجع نشاط “القاعدة”، حيث أعلنت تنظيمات محلية وإقليمية في عدد من البلدان مبايعة “داعش” باعتبار أنها خلافة وجب مبايعتها من الناحية الشرعية، وخروج هذه التنظيمات من عباءة “القاعدة” إلى “داعش” لا شك أنه أضعفها وساعد في انزواء التنظيم.

3- تنظيم عناصر “القاعدة” صفوفهم بعد عقدين من أحداث سبتمبر: ذهبت أغلب التحليلات إلى أن تنظيم “القاعدة” استفاد من ظهور “داعش” في اختبائه حتى يتمكن من تنظيم صفوفه وحماية قواعده ومقاتليه من الاستهداف المباشر، بعدما عانى التنظيم من المواجهات المباشرة بعد الغزو الأمريكي لأفغانستان في عام 2001، وهدف هذا الاختباء هو الاستعداد لمواجهة أقوى وأشرس بعد إنهاك تعرّض له التنظيم منذ أحداث 11 سبتمبر عام 2001.

4- استمرار توافق الجهود الدولية والإقليمية على مجابهة خطر “داعش”: لا شك أن الجهود الدولية منذ قيام “داعش” وحتى سقوط دولته ما زالت منصبة على مواجهة التنظيم وفلوله، إذ ما يزال المجتمع الدولي يرى خطورة من وجوده، وما يزال هناك بعض البلدان التي توفر حماية لقياداته الهاربة. ولعل إلقاء القبض على “الجبوري”، حسب تصريحات قيادات أمنية وعسكرية عراقية، في تركيا، كشف عن احتضان بعض البلدان لهذه القيادات.

بعبارةٍ أخرى، لا يوجد وجه للمقارنة بين مواجهة “داعش” و”القاعدة” استناداً لقاعدة الخطر، فرغم أن خطر “القاعدة” يبدو أكبر بكثير من “داعش” على الأقل في الوقت الحالي؛ إلا أن الجهود الدولية ما زالت منصبة على مواجهة “داعش”، بينما نجدها متراجعة في مواجهة “القاعدة”، ويبدو أن المجتمع الدولي يقيس خطر كل منهما بما يتبناه من عمليات وليس بما يشكلانه من خطر حقيقي حتى ولو كان مؤجلاً.

عودة “القاعدة”

هناك عدة أسباب ربما تساعد في صعود “القاعدة” من جديد، لعل أهمها ما يلي:

1- الانسحاب الأمريكي المتسارع من أفغانستان، بما تحمله هذه الدولة من دلالات ترتبط بقيادة التنظيم، فالقيادة المركزية للتنظيم تتواجد في أفغانستان منذ إعلان النشأة على يد مؤسسها “أسامة بن لادن”، وبعد مقتله في عام 2011، وبالتالي يتم إدارة كل شؤون التنظيم من داخل هذه الدولة الآسيوية الهشة.

2- استمرار نفوذ التنظيم داخل أفغانستان، فضمن الخروج الأمريكي من أفغانستان، في أغسطس 2021، بعض الشروط مع حركة طالبان التي صعدت للحكم فور الانسحاب مباشرة، من أهمها ألا تكون أفغانستان منصة للاعتداء على دول الجوار، وألا تسمح الحركة لتنظيم “القاعدة” بالاعتداء على دول أخرى بحيث تكون أفغانستان أرضاً للتخطيط واحتضان قيادات “القاعدة” بعد تنفيذ هجماتها. وتجدر الإشارة إلى أن تنظيم “القاعدة” ما يزال موجوداً، ولعله صار أقوى مما كان عليه للأسباب السابق ذكرها، ولأنه يعتبر نفسه منتصراً في مواجهته مع الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن انسحبت من أفغانستان عقب احتلال دام عشرين عاماً.

3- عدم استهداف الزعيم الحالي لتنظيم “القاعدة”، فقد خرجت القوات الأمريكية من أفغانستان دون أن تنجح في توجيه ولو ضربة قوية لتنظيم “القاعدة” تفقده قوته أو حتى سيطرته، بأن تستهدف زعيمه؛ “أيمن الظواهري”، على غرار ما حدث مع الزعيم السابق؛ “أسامة بن لادن”، حيث ما يزال “الظواهري” ومساعدوه العسكريون بجواره في أفغانستان يتحركون بكل سهولة، ويخططون ليس لبقاء التنظيم فحسب؛ وإنما لمعاودة نشاطه في التوقيت الذي تراه هذه القيادات مناسباً.

4- صعوبة كبح “طالبان” جماح تنظيم “القاعدة”، فخمول “القاعدة” في الوقت الحالي لا يعني ضعف التنظيم، ولا يعني أن طالبان صادقة في وعدها للحكومة الأمريكية بأنها لن تسمح لقادة التنظيم بالعمل من داخل أفغانستان، ولكنه استعداد لمواجهة جديدة أراد التنظيم أن تكون مختلفة عن المواجهة السابقة فيتلاشى أخطاء الماضي بالسقوط أمام قوة أمريكا العسكرية.

سقوط “داعش” ربما أعاد “القاعدة” إلى صدارة المشهد الجهادي وتجميع جهاديي العالم حوله، خاصة وأن “داعش” دخل في حرب معها بعد قيام دولته، وقد شهدت سوريا جزءاً من هذه الحرب وبعض الدول الأفريقية مثل نيجيريا، فضلاً عن الحرب الكلامية والتلاسن الذي حدث بين “القاعدة” و”داعش”، ولعل هذا ما أثّر بصورة كبيرة على “القاعدة”، خاصة وأن “داعش” بدت أكثر تفوقاً في المعارك التي خاضتها مع “القاعدة”.

المواجهة المفتقدة

المرحلة المقبلة تتطلب تغيير استراتيجية مواجهة الإرهاب التي بدت غير مناسبة للظروف ولا لخطر التنظيمات التي تواجهها، ولاسيما بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان الذي أعطى قبلة الحياة لقيادة هذا التنظيم داخل جبال تورا بورا وقندهار.

ولاء طالبان للقاعدة وليس لـ “داعش” أعطاها قوة؛ فهذا التنظيم عاش داخل أفغانستان قرابة نصف قرن بعد الاجتياح الروسي في عام 1979، وبالتالي يدين الأفغان له بالولاء حيث قاد معهم القتال ضد الروس، ولعله ساعد الحركة في مواجهة الولايات المتحدة بعد الغزو في عام 2001، وهذا ما دلل عليه رئيس الوزراء الأفغاني الحالي؛ “الملا محمد حسن أخوند”، عندما كان وزيراً للخارجية، في عام 2001، ورفض تسليم “أسامة بن لادن” للقوات الأمريكية وقال عبارته المشهورة: “أسامة بن لادن ضيف أفغانستان، ولا يمكن تسليمه”.

هذه العلاقة لم تنفك على مدار العقود الماضية، بل زادت قوة، وهي تتسق مع طبيعة الحركة المتشددة التي وفرت حماية في السابق للتنظيم وما زالت تحتضنه في الوقت الحالي، وهو ما يدفع لمزيد من العمليات الإرهابية، ويرفع وتيرة الخطر ربما خلال الفترة القادمة.

المجتمع الدولي كان منتبهاً لخطر “داعش”، فالمواجهة عبر التحالف الدولي أثمرت عن نتائج تتعلق بتحرير الأراضي التي كان يُسيطر عليها التنظيم، فضلاً عن مقتل قياداته واستهداف الرجل الأول في التنظيم “أبو بكر البغدادي” ومساعديه العسكريين، وهذا لم يحدث مع “القاعدة” وهو ما يشكل خطراً كبيراً. إذ تركت الولايات المتحدة الأمريكية مواجهة “القاعدة” للدول التي يتواجد فيها التنظيم دون تجميع القوى الدولية في تحالف مواجهة، أو أن يكون ضمن استراتيجية التحالف الدولي لمواجهة “داعش” مواجهة “القاعدة” أيضاً، وبالتالي فانشغال المجتمع الدولي بمواجهة “داعش” أعطى قوة للقاعدة، وليس صحيحاً أنه مرتبط بخطر “داعش” فقط، خاصة وأن خطر “القاعدة” يتصاعد بصورة لافتة دون أن ينتبه المجتمع الدولي لذلك أو يبذل جهوداً في هذا السياق.

الكثير من أفرع تنظيم “القاعدة” تتواجد في دول أفريقية، وبالتالي يصعب على هذه الدول أن تواجه التنظيم بمفردها دون مساعدة دولية، مع ما تعانيه الدول الأفريقية من ضعف أجهزة الأمن بداخلها، فضلاً عن الحدود المفتوحة بينها، وهو ما يُعطي مساحة أكبر لقيادات هذه الحركة ومقاتليها بالتنقل بين العواصم الإفريقية، مع أسباب أخرى ترتبط بقدرة هذه الدول على التنمية أو تحقيق الاستقرار السياسي وهو ما ينعكس على وجود هذه التنظيمات.

ولذلك، يبدو من الخطأ الشديد أن تُترك مواجهة تنظيم “القاعدة” لمستويات المواجهة المحلية للدول التي يتواجد فيها، إذ لا بد أن يكون هناك تنسيق دولي بين وزراء الدفاع وبين السلطات التنفيذية في هذه البلدان لتشكيل تحالف تكون مهمته مواجهة التنظيمات المتطرفة التي تمثل خطراً على أمن العالم، كما تكون مهمة هذا التحالف قراءة هذا الخطر، وبالتالي أخذ التدابير التي من شأنها حفظ الأمن ومواجهة تكون أكثر جدوى.

خلاصة القول، من الضروري الانتباه لخطر تنظيم “القاعدة” وتكثيف مواجهته حتى ولو لم ينفذ أي عمليات مسلحة في الوقت القريب، فخطر التنظيم يبدو في ترتيب صفوفه والاستعداد لمواجهة قد تكون أشرس من أحداث 11 سبتمبر عام 2001، وهنا نتحدث عن خطر التنظيم على أمن العالم وليس على أمن الولايات المتحدة الأمريكية فقط، خاصة وأن تنظيم “القاعدة” كان يتصدر المشهد الجهادي قبل ظهور “داعش”، وهو يسعى لمزاولة نشاطه من جديد ولكن بعد أن يطمئن لقوته، وهو ما يستلزم مواجهة أكبر لقيادات “القاعدة” في محاولة لإضعاف التنظيم وتفكيكه، كضربة استباقية لتنظيم يقوم بإعداد قياداته وصفوفه لمواجهة قد تتطور لسنوات كما حدث مع تنظيم “داعش” وكما حدث من قبل مع تنظيم “الجهاد”.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d8%b6%d8%b1%d8%a8%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%ad%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d8%b2%d9%8a%d8%a9/