الضغوط القصوى:

لماذا تتصاعد دعوات الكونجرس الأمريكي لتصنيف طالبان منظمة إرهابية؟
الضغوط القصوى:
26 سبتمبر، 2021

تعالت دعوات المشرعين الأمريكيين الجمهوريين التي تُطالب وزارة الخارجية الأمريكية بتصنيف حركة طالبان منظمة إرهابية، وهو ما يهدف -في مجمله- إلى إحكام الرقابة التشريعية على تطورات الأوضاع في أفغانستان، وإحكام الرقابة المستقبلية من خلال تقديم تقارير دورية عن نشاط الحركة، ومنع المساعدات المالية الخارجية لها، والكشف عن حقيقة ممارساتها. وقد سبق أن صنف الرئيس الأمريكي الأسبق “جورج دبليو بوش” الحركة في أعقاب أحداث 11 سبتمبر 2001 منظمة إرهابية بسبب رعايتها لتنظيم القاعدة؛ إلا أن الإدارة الأمريكية عادت وألغت هذا التصنيف. ويصعب الوقوف على موقف وزارة الخارجية الأمريكية من مذكرتي القرار المقدمتين إلى الكونجرس الأمريكي بعد أن رفضت التعليق عليهما، ولكن تزداد الجهود التشريعية الرامية إلى تصنيف الحركة كتنظيم إرهابي زخماً.

وقد قدم السيناتور الجمهوري “ماركو روبيو” بجانب مجموعة من زملائه بمجلس الشيوخ مشروع قانون يُسمى “قانون منع الاعتراف بالدول الإرهابية”، يدعو وزير الخارجية الأمريكي “أنتوني بلينكن”، إلى “تصنيف إمارة أفغانستان الإسلامية غير الشرعية كدولة راعية للإرهاب وطالبان منظمة إرهابية”، ويدعو المشروع إلى فرض عقوبات على الجهات الأجنبية التي “تقدم عن عمد المساعدة لحركة طالبان”، كما سيتم النظر في مسألة تصنيف الحركة كمهرب مخدرات أجنبي بموجب قانون أمريكي خاص بالمخدرات. كما قدم كل من السيناتور الجمهوري “ليندسي جراهام” والنائب الجمهوري “مايك والتز” مذكرتي قرار إلى مجلسي النواب والشيوخ، تضمنتا مطالبة وزارة الخارجية الأمريكية بـتصنيف حركة طالبان منظمة إرهابية، واعتبار سيطرتها على أفغانستان انقلاباً عسكرياً. تأتي تلك الدعوات في وقت يقرر فيه المجتمع الدولي بحذر كيف يتعامل مع حركة طالبان، وهل سيعترف بحكومتها كحكومة شرعية. وقد أثار الأمر تساؤلات عدة على صعيد دوافع تلك التحركات وتداعياتها المحتملة.

أهداف متعددة

يمكن إرجاع دعوات المشرعين الجمهوريين الرامية إلى تصنيف حركة طالبان الأفغانية منظمة إرهابية إلى جملة من الأسباب التي يمكن إجمالها في النقاط التالية:

1- سحب البساط من تحت أقدام البيت الأبيض: ترمي الدعوات داخل مجلسي الكونجرس المطالِبة بالاعتراف بحركة طالبان تنظيماً إرهابياً إلى فرض الرقابة التشريعية على تطورات الأوضاع في أفغانستان. وقد ذهبت جهود المشرعين أبعد من ذلك للمطالبة بوضع أفغانستان على لائحة الدول الراعية للإرهاب. إذ تتسارع وتيرة انخراط الكونجرس في الملف الأفغاني بشكل واضح، الأمر الذي فسّره البعض برغبة السلطة التشريعية في سحب البساط من تحت أقدام البيت الأبيض بخصوص كل ما يتعلق بأفغانستان بعد انسحاب وصفه الكثير من المشرعين الأمريكيين بالكارثي.

2- فرض الرقابة المستقبلية على أنشطة الحركة: يهدف المشرعون إلى مراقبة مجريات الأمور في أفغانستان، ليس فقط في الوقت الحالي بل وفي المستقبل أيضاً، وذلك من خلال مطالبة إدارة الرئيس “جو بايدن” بتقديم تقرير سنوي ابتداء من 31 ديسمبر المقبل وحتى نهاية عام 2026 حول أمور عدة منها ما يتعلق باحتمال استخدام الأراضي الأفغانية في أنشطة إرهابية، بالإضافة إلى تقييم العمليات الاستخباراتية والأمنية الأمريكية التي تُعرف باسم “ما وراء الأفق”، بجانب الوقوف على مدى تعاون حركة طالبان مع دول مثل الصين وروسيا وإيران.

3- منع المساعدات الخارجية لحركة طالبان: ترمي الدعوات المطالبة بتصنيف حركة طالبان منظمة إرهابية إلى الحيلولة دون تقديم أي مساعدات خارجية لها أو الاعتراف بها، ناهيك عن حرمان الحركة من أي تمويل أمريكي. كما أن تلك الدعوات تبعث برسالة قوية مفادها أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تتعامل مع الجماعات الإرهابية أو المتعاطفين معها، لا سيما أنها تستخدم الإرهاب كأسلوب وتكتيك. إذ يقتضي التصنيف المحتمل تجميد الأرصدة ذات الصلة بحركة طالبان في الولايات المتحدة أو في أي مؤسسة خاضعة لنفوذ وسيطرة الأمريكيين.

4- الرد على ممارسات وانتهاكات حركة طالبان: يرى عدد من المشرعين أن إدارة بايدن ضللت الرأي العام الأمريكي بمحاولة التعامل مع حركة طالبان كحكومة انتقالية في الوقت الذي تنخرط فيه الحركة في النشاط الإرهابي وتأوي الجماعات الإرهابية الأخرى، وترتكب فظائع إنسانية، وتحرم النساء من الحريات المدنية الأساسية. ولذا، فإن الاعتراف بها كتنظيم إرهابي من شأنه أن يسلط الضوء على حقيقة ممارساتها الإرهابية.

5- محاولة الضغط على الحركة لتغيير سلوكها: بحسب الكثيرين، تُمثل النسخة الحالية من حكومة طالبان تهديداً كبيراً للولايات المتحدة منذ إعادة سيطرتها على أفغانستان، وخاصةً بعد أن استأنفت العادات القمعية نفسها التي اتسمت بها خلال فترة ما قبل الحرب الأمريكية على أفغانستان في عام 2001. وقد سلّط أعضاء مجلس الشيوخ الضوء على تعيين “سراج الدين حقاني”، الناشط المطلوب من مكتب التحقيقات الفيدرالي، وزيراً للداخلية بالوكالة، وهو زعيم شبكة حقاني التي صنفتها الولايات المتحدة في عام 2012 منظمة إرهابية. ومن ثم فإن تلك الدعوات ربما تهدف لممارسة ضغوط على الحركة للتراجع عن تلك الخطوات.

تصنيف مُرجح

تتزايد فرص تصنيف حركة طالبان تنظيماً إرهابياً بالنظر للجهود التشريعية المتلاحقة في هذا الصدد، ومع هذا ينبغي الوقوف على النقاط التالية:

1- إدراج الحركة على قوائم الإرهاب في السابق: فيما مضى أقدم الرئيس الأمريكي الأسبق “جورج دبليو بوش” على تصنيف حركة طالبان منظمة إرهابية بسبب رعايتها لتنظيم القاعدة وزعيمها السابق “أسامة بن لادن”؛ إلا أن الإدارة الأمريكية عادت وألغت هذا التصنيف في عام 2002 بسبب التغيرات التي طرأت على الساحة الأفغانية، ونجاح الحملة العسكرية الأمريكية على تنظيم القاعدة في أفغانستان، مما يعني أن تصنيف طالبان المحتمل كحركة إرهابية قد يكون أمراً مؤقتاً بطبيعة الحال.

2- تعهُّد واشنطن بمحاربة الإرهاب في أفغانستان: يصعُب الوقوف على موقف وزارة الخارجية الأمريكية من مذكرتي القرار المقدمتين إلى الكونجرس بعد أن رفضت التعليق عليهما. ولكن تجدر الإشارة إلى أن إدارة “جو بايدن” صرحت في أكثر من مناسبة بأنها سوف تستمر في مراقبة تحكم حركة طالبان بالمشهد الأفغاني، ولن تسمح بأن تصبح أفغانستان أرضاً خصبة مرة أخرى للنشاطات الإرهابية.

كما أن وزارة الخارجية الأمريكية صنفت حركة طالبان الباكستانية منظمة إرهابية في عام 2010. كما قدم المشرعون الجمهوريون إلى الكونجرس أسماء من حركة طالبان يتولون مهام قيادية ومسؤوليات في الحكومة المشكلة من قبل الحركة، وهي أسماء مدرجة على لائحة الإرهاب الأمريكية، ومن بينها “سراج الدين حقاني”. وقد تؤكد تلك الجهود -في مجملها- تزايد فرص تصنيف طالبان تنظيماً إرهابياً.

3- خبرة واشنطن السابقة مع المنظمات الإرهابية: مع توقعات بتسمية الولايات المتحدة حركة طالبان منظمة إرهابية تحت ضغوط المشرعين الأمريكيين، وممارسات الحركة القمعية؛ فإنه يتوقع أيضاً أن يتم رفعها لاحقاً من قائمة المنظمات الإرهابية، حيث تشير الخبرة التاريخية الأمريكية إلى أن واشنطن تُدرج منظمات ودولاً على قائمة المنظمات الإرهابية أو الدول الراعية لها ثم ترفعها لاحقاً.

فعلى سبيل المثال، أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب بعد أن دفعت الخرطوم 335 مليون دولار كتعويض عن هجمات تنظيم القاعدة على سفارتي واشنطن في تنزانيا وكينيا في عام 1998. وهو ما يؤكد أن تصنيف حركة طالبان المحتمل كحركة إرهابية قد يكون أمراً مؤقتاً إن استتبعته جهود أفغانية لرفع الحركة من قوائم الإرهاب.

ختاماً، بحسب الكثير من المتابعين، فقد استوفت طالبان المعايير اللازمة لتصنيفها تنظيماً إرهابياً على أرض الواقع، ولن يُكرس قرار الكونجرس -إن اتُّخذ- سوى الواقع المعاش الذي لن يضيف جديداً على طبيعة الحركة، لكنه سيحول دون الاعتراف بأي حكومة تشكلها، وسيقطع عنها الإمدادات المالية، وسيكشف ممارساتها الإرهابية؛ وهو ما يعني فرض المزيد من العقوبات الدولية على الدولة الأفغانية. وتُنذر كثافة الجهود التشريعية بإقرار محتمل لهذا الأمر من قبل الكونجرس، بيد أن الأمر قد يتغير لاحقاً ارتباطاً بالتحولات في ممارسات الحركة مستقبلاً.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d8%b6%d8%ba%d9%88%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b5%d9%88%d9%89/