العلامة الوطنية:

كيف يُسهم "إكسبو" في تعزيز القوة الناعمة للدول؟
العلامة الوطنية:
30 سبتمبر، 2021

تمثل معارض إكسبو الدولية، التي تُقام منذ 170 عاماً، منصة فريدة لتلاقي الشعوب والثقافات من مختلف أنحاء العالم، كما أنها تعد مساحة مهمة لتبادل الخبرات، وعرض مُنجزات الحضارة الإنسانية من جميع الدول. كما يتجاوز تأثير إكسبو فترة تنفيذه، التي تستمر لمدة ستة أشهر، حيث تكون له آثار كبيرة على الاقتصاد العالمي ككل، واقتصاد البلد المُضيف بوجه خاص. في هذا الإطار، ساهمت العديد من معارض إكسبو الدولية التي أُقيمت في السنوات السابقة في دعم صورة الدولة على مستوى العالم، فضلاً عن تعزيز قوتها الناعمة خارجياً، نتاجاً لقدرتها على تنظيم واستضافة المعارض، وبنيتها التحتية المتقدمة واقتصادها المتطور، والسلوك العام خلال التنظيم، بما يدعم سمعتها الدولية وقدرتها على التأثير العام الإقليمي والدولي.

أيقونات مستقبلية

اهتمت غالبية الدول التي استضافت معارض إكسبو في السنوات السابقة بجعل استضافتها للمعرض حدثاً لا يُنسى في تاريخ تنظيم معارض إكسبو، بما يساهم في دعم صورتها الخارجية وتعزيز مكانتها الدولية، كأحد أشكال القوى الناعمة للدولة.

1- ترسيخ نسخة إكسبو اليابانية للبعد البيئي: اهتمت اليابان في تنظيمها لنسخة إكسبو 2005 في مدينة آيتشي”، والتي جاءت تحت عنوان “حكمة الطبيعة”، بإبراز التوافق بين موضوع المعرض وطريقة تنظيمه وكيفية استضافتها للمعرض من خلال توظيف جميع الوسائل الصديقة للبيئة؛ فتم تشييد المعرض باستخدام وحدات بنائية منفصلة بحيث يمكن استخدامها في بنايات أخرى فيما بعد. كما ضم المعرض تقنيات كثيرة تستوحي “حكمة الطبيعة”، من بينها استخدام النفايات الخشبية لصنع أجهزة، ومنها ساعة يابانية مصنوعة كلها من الخشب. وعرض منسوجات جديدة بإمكانها تنظيم درجة حرارتها، فتكون باردة صيفاً ودافئة شتاءً، بتقليد تركيبة أكواز الصنوبر. كما كانت هناك روبوتات عاملة تنظف الأرضيات وتجمع القمامة وتحفظ الأمن وتوجه الزوار وتعتني بالأطفال، فضلاً عن روبوتات كراسي المقعدين.

وبالرغم من أن اليابان معروفة بقدراتها التكنولوجية المتطورة، وثقافتها الثرية، ونموها المعرفي؛ إلا أن تنظيمها لإكسبو 2005 بهذه الصورة، مثَّل نموذجاً ملهماً لجميع دول العالم في الدقة والتميز والإبداع، وساهم في تعزيز مكانتها العالمية كدولة رائدة معرفياً واقتصادياً وتكنولوجياً.

2- تدشين مفهوم “المدينة الأفضل” بنسخة شنغهاي: ساهم تنظيم شنغهاي لمعرض إكسبو عام 2010 في مدينة شانغهاي، في تحسين الصورة الخارجية للصين بشكل لافت، في ضوء قدرتها التنظيمية الهائلة على تنظيم أكبر معرض لإكسبو في التاريخ، والذي استضاف أكثر من 73 مليون زائر، وهو العدد الأكبر في تاريخ إكسبو، فضلاً عن تخصيصها موقعاً مستقلاً على مساحة تقدر بـ150 ألف متر مربع على ضفتي نهر هوانجبو داخل المعرض لتكون موقعاً تطبيقياً للمنطقة الأفضل ممارسة حضرياً، بما يعكس موضوع المؤتمر الرئيسي وهو “مدينة أفضل.. حياة أفضل”. ناهيك عن مساعدتها بعضَ الدول النامية المتعثرة في إنشاء أجنحة خاصة لها داخل المعرض.

وبالإضافة إلى ذلك، فرض تنظيم شانغهاي لمعرض إكسبو 2010 تحدياً خاصاً لها لكونه جاء بعد تنظيمها الناجح لأولمبياد بكين في 2008، لكن نجاحها في تنظيم المعرض أعطى صورة إيجابية للصين، مغايرة عن المتداولة من بعض القوى الدولية. كما أثبت -في الوقت ذاته- أنه ليست هناك دولة لا تحرص على الصين كشريك تجاري أساسي لا غنى عنه في المستقبل، خاصة بعد الأزمة المالية العالمية.

3- توظيف السياحة لتفاعل الثقافات المختلفة: يعد القطاع السياحي من أكثر القطاعات المستفيدة من معارض إكسبو، ليس من حيث العوائد الاقتصادية التي تعود على القطاع من المعرض فحسب؛ بل أيضاً لمساهمة الأخير في تعزيز الترويج السياحي للدولة المُضيفة، سواء أثناء انعقاده أو في المرحلة اللاحقة.

فعلى سبيل المثال، استطاع معرض إكسبو هانوفر الذي أُقيم في ألمانيا عام 2000، اجتذاب 18.1 مليون زائر لمدينة هادئة سياحياً على عكس المدن الألمانية السياحية الأخرى مثل بون وبرلين وفرانكفورت، وهو ما مثَّل قفزة نوعية انعكست على قطاع السياحة بالمدينة. فيما وصل عدد زوار معرض إكسبو 200 في آيتشي اليابانية إلى 22 مليون زائر، بما فاق العدد المستهدف حينها وهو 15 مليون زائر، بما أسهمت إيراداته في تطوير القطاعات السياحية.

أما معرض إكسبو شنغهاي 2010، فقد كان له تأثير كبير على القطاع السياحي في الصين ككل ومدينة شنغهاي بشكل خاص، نظراً لوصول عدد الزوار إلى 73 مليون زائر، مما أدى -في النهاية- إلى ارتفاع إيرادات شنغهاي الإجمالية من السياحة إلى 13%. وبالإضافة إلى ذلك، ساهم إكسبو في إظهار شنغهاي أمام العالم كمدينة أفضل، ووجهة سياحية مرغوبة في الصين مستقبلاً؛ خاصة أنها احتفظت ببعض بصمات المعرض حتى الآن، فلا يزال يوجد هناك الهرم الأحمر المقلوب المميز لجناح الصين بالمعرض، كمنطقة جذب سياحي للزوَّار.

من ناحية أخرى، في أعقاب تنظيمها لإكسبو 2015، والذي اجتذب نحو 20 مليون زائر، اكتسبت مدينة ميلانو الإيطالية إطلالة أفضل على العالم بما ساهم في زيادة عدد السياح الوافدين إليها من الخارج. وقد أشارت بعض التقارير إلى أن المعرض حقق إيرادات بقيمة عشرة مليارات دولار تم توجيه خمسة منها للقطاع السياحي، وحصلت مدينة ميلانو ومقاطعة لومبارديا عموماً على النصيب الأكبر من هذه الإيرادات للتطوير السياحي بها. كما تم توفير نحو 200 ألف وظيفة مرتبطة بالقطاع السياحي.

إضافة إلى ذلك، زاد عدد السيَّاح الوافدين إلى إيطاليا عموماً بمقدار 7 ملايين سائح في عام 2015، حيث وصل عدد السياح الإجمالي إلى حوالي 113.4 مليون سائح، وفقاً لمؤسسة الإحصاء الإيطالية.

4- الانضمام لمجموعة “مدن إكسبو” العالمية: لا يقتصر تأثير معارض إكسبو على الدولة المُضيفة ككل، بل إنه يترك تأثيراً وانطباعاً كبيراً على المدن نفسها التي تستضيف المعرض، بما يجعل لها شهرة عالمية ترتبط باسم المعرض وتاريخ تنظيمه. وهو ما يتضح في أسماء معارض إكسبو السابقة مثل: “إكسبو آيتشي 2005″، و”إكسبو شنغهاي 2010″، و”إكسبو ميلانو 2015″، وأخيراً “إكسبو دبي 2020”.

فاختيار إحدى المدن لتنظيم معرض إكسبو يُحدث بها تحولات جذرية داخلياً وخارجياً؛ فقد تطورت شنغهاي بشكل غير مسبوق نتيجة لاستضافتها للمعرض، حيث بلغ ازدهار البنية التحتية ذروته قبيل المعرض، كما تم تجديد العديد من المناطق والميادين وزيادة جاذبية مناطق الجذب السياحي، كما تم تأسيس أماكن جديدة للترفيه بالمدينة.

وقد ساهم نجاحها في تنظيم إكسبو في تدشين شنغهاي كإحدى العواصم الجديدة للاقتصاد العالمي والصين كقوة عظمى إقليمياً وعالمياً. كما أنها أصبحت وجهة سياحية هامة، وربما أساسية، لكل الراغبين في زيارة الصين، خاصةً أنها أقامت في جزء من موقع المعرض متحف World Expo””، والذي تم افتتاحه في عام 2017، وهو المؤسسة الوحيدة في العالم المخصصة بالكامل لتاريخ المعارض.

في السياق نفسه، أعطى إكسبو 2005 مدينة آيتشي اليابانية شهرة عالمية غير محدودة، نظراً لقدرتها الفائقة على توظيف جميع الأدوات الصديقة للبيئة في تنظيم المعرض؛ بداية من وسائل النقل الذكي متعدد الأغراض، وتكثيف استخدام أدوات التكنولوجيا الحديثة، وعرض منتجات تحافظ على البيئة، بما أفرز قوة البنية التحتية للمدينة، وقدراتها المتطورة، وساهم في تطوير سمعتها ومكانتها على مستوى العالم.

قوة “إكسبو دبي”

يأتي تنظيم مدينة دبي الإماراتية لمعرض إكسبو 2020 في ظل تحديات عالمية كبيرة؛ على رأسها جائحة فيروس (كوفيد-19) وتداعياتها الاقتصادية والسياحية على العالم، فضلاً عن أنه سيمثل اختباراً لقدرة إحدى دول منطقة الشرق الأوسط على استضافة هذا الحدث العالمي.

1- إبراز نموذج الإمارات التنموي: تشير جميع التوقعات إلى تحقيق دولة الإمارات نجاحاً غير مسبوق في تنظيم واستضافة المعرض هذا العام؛ نظراً لتأكيد حوالي 191 دولة المشاركة في المعرض، وهو الرقم الأعلى لمشاركات الدول في تاريخ معارض إكسبو، فضلاً عن أنه من المتوقع –وفقاً لتقديرات رسمية- وصول حوالي 25 مليون زائر للإمارات خلال هذه الفترة.

ومن المتوقع أيضاً أن يدعم إكسبو 2020 الناتج المحلي الإجمالي للدولة بنحو 5%. وسيكون القطاع السياحي من أكثر القطاعات استفادة من هذا الحدث؛ إذ يتوقع توفير قرابة 270 ألف وظيفة معظمها لها علاقة بالقطاع السياحي.

كما سيساهم إكسبو 2020 في نقل صورة نجاح الاقتصاد الإماراتي إلى العالم؛ خاصة أن المعرض يدعم التنويع الاقتصادي لمرحلة ما بعد إكسبو، بما سيسهم في توفير إرث اقتصادي مستدام يساعد على ضمان مكانة دولة الإمارات كوجهة رائدة للعمل والترفيه والاستثمار والثقافة وغيرها.

2- استعراض قدرات تنظيم الفعاليات الكبرى: من هذا المنطلق، تمثل استضافة دبي لمعرض إكسبو 2020 فرصة لتعزيز القوة الناعمة لدولة الإمارات، ودعم صورتها العالمية في تنظيم الفعاليات المليونية الضخمة، في سياق ما يطلق عليه مصطلح دبلوماسية الأحداث الضخمة mega events diplomacy التي تشير إلى مساعي الدول لتعزيز حضورها على الساحة العالمية عبر استضافة الأحداث الضخمة التي تعبر عن مناسبات متنقلة ذات مدة محددة تجذب عدداً كبيراً من الزوار، ولها نطاق وصول كبير، وتأتي بتكاليف كبيرة، ولها تأثيرات كبيرة على الدولة المستضيفة ومواطنيها.

كما يأتي ذلك أيضاً من خلال حرص الدولة على تجنب انحراف تنظيم المعرض عن موضوعه وأهدافه؛ بحيث يعكس المفاهيم الثلاثة الأساسية التي يطرحها (وهي: الاستدامة، والتنقل، والفرص)، وهو ما يُنتظر أن ينعكس على وسائل النقل للمعرض، وتمكين المعرض من توليد جزء من الطاقة التي يحتاجها في الموقع نفسه وبطريقة لا ينتج عنها أي انبعاثات كربونية في إطار دعم الدولة للاقتصاد الأخضر والنظم الصديقة للبيئة.

وفي هذا الإطار، يمكن للدولة تأسيس ما يمكن تسميته بـ “Expo Dubai 2020 Aumni” ليضم الأفراد الذين اشتركوا في زيارة المعرض بشكل مستمر، على أن يتم تعزيز التواصل بين هؤلاء الأفراد عبر منصة تفاعلية كنوع من تعزيز التواصل بين الثقافات في مرحلة ما بعد انتهاء المعرض. وسيمثل هذا الأمر إضافة جديدة لم تسبق إليها دول أخرى في النسخ السابقة من إكسبو، وهو ما سيعزز من فعالية الإمارات التنظيمية للأحداث العالمية الكبرى.

3- ترسيخ العلامة الوطنية للدولة عالمياً: ومن شأن تنظيم إكسبو دبي 2020 أيضاً أن يعزز من قدرة دولة الإمارات على صياغة علامتها الوطنية Nation Brand، من خلال إبراز قيم الدولة التي تمكنها من تقديم تجربة فريدة ومتميزة، الأمر الذي يتسق مع استراتيجية الإمارات كنموذج عالمي حداثي له جاذبيته، يجمع بين الأصالة والمعاصرة، عبر مدن الدولة العامرة الكوزموبوليتانية التي تضج بمشاهد العولمة الثقافية، والتعددية الإثنية، والتكنولوجيا، ورأس المال وحركته ومؤسساته، والأفكار المبتكرة، والإعلام العالمي، والخدمات واللوجستيات العالمية الحديثة، التي أنتجت تحولات كبيرة على المستوى الثقافي والمجتمعي والاقتصادي، وحتى العمراني، داخل الإمارات، وجعلتها نموذجاً مسجلاً على الصعيد العالمي يختلف عن كافة النماذج السائدة في المنطقة، عبر طابعها الوطني الفريد المرحب والمنفتح على كافة الثقافات والأطر المجتمعية المغايرة كعلامة مجتمعية مميزة وماركة مسجلة على المستوى العالمي.

وختاماً، فإن القوة الناعمة للدولة تعكسها العديد من المؤشرات، وستظل معارض إكسبو بنسخها المختلفة والمتميزة تمثل فرصة سانحة للدول والمدن المستضيفة لتعزيز مكانتها العالمية ودعم قوتها الناعمة، عبر تركها أثراً لا يُنسى يدفع جميع دول العالم إلى الإشارة إليها، والتطلع للعمل مثلها، وهو ما يعني في الأخير أن إكسبو دبي 2020 سيعود بالكثير من المكاسب الاستراتيجية على صورة دولة الإمارات وقوتها الناعمة، على الصعيدين الإقليمي والعالمي.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%b7%d9%86%d9%8a%d8%a9/