العِقد الحاسم:

مستقبل الاستراتيجية الأمريكية لإدارة الصراع مع الصين
العِقد الحاسم:
20 أكتوبر، 2021

عرض: إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية

تصاعدت في الآونة الأخيرة ملامح حرب جديدة بين الولايات المتحدة والصين، ترتكز بدرجة رئيسية على الصورة الذهنية، عبر ترويج كل طرف لأفضلية نموذج الحكم الذي يتبناه، جنباً إلى جنب مع محاولة الإضرار بصورة الطرف الآخر بقدر كبير، وهو ما تسعى واشنطن إلى مواجهته عبر صياغة استراتيجية مضادة تحجِّم التهديدات الصينية، في وقت تجد فيه بكين نفسها أمام العديد من التحديات الداخلية التي تعزز أفضلية النموذج الأمريكي، علاوة على تصاعد التحديات الخارجية في ظل تزايد القلق العالمي من تحركات بكين.

وفي ضوء هذا، نشر موقع “فورين بوليسي” تقريرين بعنوان “العقد القادم: ذروة القوة الصينية” و”في المواجهة بين الولايات المتحدة والصين: هل أمريكا حليف موثوق؟”. وقد تم التركيز فيهما على المخاطر الصينية، وطرح بعض الأفكار والتوصيات التي قد تُحسِّن فاعلية الاستراتيجية الأمريكية المضادة للصين، ومن ذلك دعوة واشنطن إلى الاستفادة من أخطاء الماضي، وتنويع التحركات الأمريكية ضد الصين في المرحلة المقبلة.

 صراعات “السُمعة العالمية”

تطرق التقرير إلى أبرز التحركات التي تؤثر من خلالها الصين سلبيّاً على السمعة العالمية للولايات المتحدة. وتتمثل أبرز تلك التحركات فيما يلي:

1– زيادة الشكوك حول الثقة بواشنطن: وفقاً للتقرير، أثار الانسحاب الأمريكي الفوضوي من أفغانستان تساؤلات حول مصداقية واشنطن كحليف. ومن أمثلة هذه التساؤلات: إلى أي مدى يمكن أن تعتمد الدول الأخرى على واشنطن؟ أم هل سيتم التخلي عن تلك الدول أيضاً؟ هل الولايات المتحدة ذات سياسة متسقة؟ وأوضح التقرير أنه في الوقت الذي تضع فيه الدول نفسها في سياق التنافس بين الولايات المتحدة والصين، فإن مثل هذه التساؤلات تظهر في حسابات الدول الاستراتيجية. وحسب التقرير، فإنه في ضوء ذلك، تحرص الصين على زيادة الشكوك حول الثقة بالولايات المتحدة.

2– الترويج لوجود أفضلية للنموذج الصيني: أشار التقرير إلى أنه في عملية صنع القرار في جميع الديمقراطيات، ومنها الولايات المتحدة، تظهر السياسات الحزبية بدرجة كبيرة. وأضاف التقرير أن هذا الأمر يجعل من الصعب على واشنطن الرد بسرعة واتخاذ سياسات ثابتة طويلة الأمد دون مناقشات وتنازلات. ونوه التقرير بأن هذا الواقع يؤدي في النهاية إلى سياسات غير متماسكة، ويجعل الدولة محيرة للمراقبين الخارجيين، ويزيد من اعتقاد الصين أن الوقت والظروف في صالحها، ويروج لمسألة أن النموذج الصيني أفضل من نظيره الأمريكي.

3– تعزيز رواية الهيمنة العالمية الصينية: أكد التقرير أن بكين تسعى بقوة إلى تقويض النظام الدولي، وتروج لروايتها عن الهيمنة الاستراتيجية الصينية الحتمية في آسيا وخارجها. وشدد التقرير على أن الصين تخلق بذلك تناقضاً خطيراً بين أهدافها وقدرتها على تحقيق تلك الأهداف على المدى المتوسط. وأوضح التقرير أن من المحتمل أن تقترب الصين من أوج قوتها النسبية. ووفقاً للتقرير، فإنه بحلول عام 2030 أو 2035، ستصل بكين إلى نقطة تحول قد لا تتعافى منها أبداً؛ وذلك نتيجة عدد من التهديدات الداخلية والمخاطر الخارجية المرتبطة بالسلوكيات الصينية.

تهديدات الأمن الداخلي

تطرق التقرير إلى عدد من التهديدات الداخلية التي من المحتمل أن تقوض قدرة الصين على تحقيق أهدافها، ومن أهم هذه التهديدات ما يلي:

1– التزايد المقلق في معدلات الديون الداخلية: حسب التقرير، تمثل معدلات الديون المرتفعة في الصين مثالاً على القيود الاقتصادية الهيكلية التي ظهرت في وقت مبكر. وطبقاً للتقرير، وجد تحليل نشره بنك التسويات الدولية في عام 2017 أنه بمجرد أن تتجاوز نسبة دين الأسرة إلى الناتج المحلي الإجمالي في عينة من 54 دولة 60%، تزيد الآثار السلبية الطويلة المدى للاستهلاك.

ونوه التقرير بأن نسبة ديون الأسر في الصين إلى الناتج المحلي الإجمالي تجاوزت عتبة الخطر في أواخر عام 2020. وأكد التقرير أن ارتفاع أعباء خدمة الديون يهدد قدرة المستهلكين الصينيين على الحفاظ على النموذج الاقتصادي “المزدوج”، الذي يركز على الاستهلاك المحلي، والذي يسعى الرئيس الصيني ومستشاروه إلى إرسائه.

2– التدهور المستمر في التركيبة الديمغرافية: شدد التقرير على أن الصين تواجه أيضاً فجوة في عدد سكانها في سن العمل. ووفقاً للتقرير، بلغ هذا الجزء الحرج ذروته في عام 2010 وانخفض منذ ذلك الحين؛ حيث اقترب المعدل منذ عام 2015 إلى عام 2020 من 0.6% سنويًّا.

3– تراجع في القدرة على تحقيق أمن الموارد: أوضح التقرير أن اعتماد الصين على استيراد الغذاء والطاقة ازداد باطراد على مدى العقدين الماضيين. وحسب التقرير، تشير التوقعات الصادرة عن جامعة تسينجهوا إلى أن واردات الصين من النفط والغاز ستبلغ ذروتها بين عامي 2030 و2035. وأشار التقرير إلى أنه على الرغم من أن عدم كفاية الموارد المحلية في حد ذاته لا يعوق النمو الاقتصادي –ويشهد على ذلك ازدهار النمور الآسيوية الأربعة على مدى عدة عقود– فإن وضع الصين مختلف.

ونوه التقرير بأن اليابان وكوريا الجنوبية لم تخشيا يوماً من إمكانية قيام البحرية الأمريكية باعتراض الناقلات أو سفن الحبوب الواردة إليها. وأكد التقرير أن الولايات المتحدة كانت على استعداد صريح لاستخدام القوة العسكرية لحماية تدفقات الطاقة من منطقة الخليج العربي إلى حلفائها. ولكن طبقاً للتقرير، فإنه على النقيض من ذلك تنظر الولايات المتحدة –التي تتحرك بعيداً عن الشرق الأوسط باتجاه المحيطين الهندي والهادئ– إلى العلم الصيني نظرة مختلفة تماماً عن نظرتها إلى الشحنات المتجهة إلى المشترين من الدول الأخرى في المنطقة.

4– تنامي القوى المعارضة للنظام الحاكم: أوضح التقرير أن الحملات التي قادها الرئيس الصيني لمكافحة الفساد وإبعاد المنافسين المحتملين وأنصارهم عن السلطة؛ من المحتمل أيضاً أن تكون قد خلقت مجموعة من المعارضين الذين قد يثبتون استعدادهم للتحرك ضده. وأشار التقرير إلى أن كل هذه التحديات تهدد بشكل وشيك هدف الصين في الوصول إلى “مجتمع مزدهر”.

مخاوف التوسعات الصينية

طبقاً للتقرير، تتمثل أبرز المخاطر الخارجية التي ترتبط بالسلوكيات التي تقوم بها الصين فيما يلي:

1– تصاعد القلق العالمي من تحركات بكين: وفقاً للتقرير، أدى سلوك بكين العدواني في بحار الصين الشرقية والجنوبية، ومضيق تايوان، وجبال الهيمالايا، بالإضافة إلى سياساتها الاقتصادية؛ إلى توسيع دائرة الدول القلقة من الصين. وحسب التقرير، فإنه لذلك دعا الرئيس الصيني مسؤوليه إلى توسيع دائرة أصدقاء بكين وجعلها محبوبة، وهو اعتراف ضمني بأن سياسته الخارجية لم تكن ناجحة.

2– ارتفاع معدلات التهديد الصيني لتايوان: نوه التقرير بأن التهديد الأكبر الذي تشكله الصين يتمثل في الصراع المسلح مع تايوان. وأكد التقرير أن هناك فرصة كبيرة لحدوث تحرك عسكري كبير إزاء تايوان بحلول أواخر العشرينيات من القرن الحالي؛ وذلك في ضوء الزيادة غير العادية المتوقعة في قدرات جيش التحرير الشعبي، والانحسار المحتمل لقبضة الرئيس الحالي على السلطة.

وشدد التقرير على أن رئيس هيئة الأركان المشتركة للجيش الأمريكي الجنرال “مارك ميلي”، شهد في يونيو الماضي، أمام مجلس النواب بأن الرئيس الصيني وجه جيش بلاده نحو تسريع تطوير برامجه وقدراته للتمكن من الاستيلاء على تايوان بحلول عام 2027 بدلاً من عام 2035.

3– تطلع بكين إلى الاستيلاء على موارد الغير: دلَّل التقرير على ذلك بحالة تايوان؛ حيث أوضح التقرير أن تايوان تعد بمثابة “أوبك+” لأشباه الموصلات؛ وذلك لاستئثارها بما يقرب من ثلثي مسابك الرقائق في العالم. ووفقاً للتقرير، تنفق الصين سنوياً على واردات أشباه الموصلات نحو 380 مليار دولار، أي أكثر مما تنفقه على النفط، لكن الكثير من المنتجات النهائية موجهة للأسواق في الخارج. وحسب التقرير، فإنه في حين تنتج تايوان رقائق مقطوعة بحجم 5 نانومترات و7 نانومترات، فإن الصين تنتج نحو 80% من بقية الرقائق في العالم.

استراتيجية احتواء بكين

قدم التقرير بعض الأفكار والتوصيات التي رأى أنها ستحسن فاعلية الاستراتيجية الأمريكية المضادة للصين. ويتضح ذلك مما يلي:

1– محورية الدور الأمريكي في استقرار آسيا: أشار التقرير إلى أنه لا غنى عن الولايات المتحدة لأي توازن للقوى في آسيا. بل إن ازدهار شرق آسيا –طبقاً للتقرير– هو من صنع الولايات المتحدة. ورغم أن الجهود الوطنية كانت ضرورية، فإنها لم تكن كافية. ونوه التقرير بأنه لم يكن بإمكان أي دولة –بما في ذلك الصين– أن تنجح بدون الاستقرار الذي أسسته الولايات المتحدة وقدرتها على فتح أسواقها. وأكد التقرير أن واشنطن فعلت كل هذا ليس خدمة لأحد، بل لمصلحتها الخاصة.

2– الاستفادة من أخطاء واشنطن السابقة: وفقاً للتقرير، أخطأت واشنطن أحياناً في التقدير، ولم تكن أفغانستان خطأها الأول؛ حيث دفعت الحرب المكلفة في فيتنام الولايات المتحدة إلى إعادة ضبط كيفية تعاملها مع آسيا. وشدد التقرير على أن عقيدة “نيكسون” بعد عام 1969 أشارت إلى نهاية التدخل الأمريكي في البر الرئيسي الآسيوي.

وحسب التقرير، فإنه بعد ذلك، كانت الولايات المتحدة بمنزلة قوة توازن خارجي في شرق آسيا، وتم ذلك بشكل متسق. وطبقاً للتقرير، فإنه على الرغم من انسحاب الولايات المتحدة بشكل مُخْزٍ من فيتنام منذ نصف قرن تقريباً، فإنها لا تزال منخرطة وحيوية في أمن آسيا. ودعا التقرير إلى الاستفادة من أخطاء الماضي وتجنب تكرارها.

3– استباق تهديدات الأمن الآسيوي: أكد التقرير ضرورة أن تستمر الولايات المتحدة في حماية أمن آسيا ومواجهة الاستفزازات الصينية عن طريق مجموعة من الاستجابات المتماثلة التي لها تكاليف حقيقية. وشدد التقرير على أن من ضمن تلك الاستجابات، القيام بتحركات استباقية لتثبيط الاعتداءات الصينية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ونشر الأصول المملوكة لمسؤولين صينيين في الخارج، والتشويش السيبراني على جهاز المراقبة الجماعية في الصين.

4– الحصار البحري للبحرية الصينية: يُضاف إلى ما سبق –حسب التقرير– التدريب العملي للبحرية الأمريكية وفرض خفر السواحل الإجراءات ضد السفن التابعة للميليشيات البحرية في بحر الصين الجنوبي، والمراقبة الجوية والبحرية المكثفة للقواعد البحرية الصينية.

 5– استضافة اللاجئين والمعارضين الصينيين: حث التقرير كذلك على التدقيق في تأشيرات الدخول، وإعادة توطين سكان هونج كونج والأويجور وغيرهم من المواطنين الصينيين المهددين، بما في ذلك مسؤولو الحزب الشيوعي الصيني وعائلاتهم، الذين يسعون إلى الانشقاق أو مغادرة الصين.

ونوه التقرير بضرورة قيام صناع القرار الأمريكيين بإرسال رسالة إلى نظرائهم الصينيين مضمونها أن سياسات “المشاركة فوق كل شيء”، التي هيمنت على معظم السنوات الخمس والعشرين الماضية، قد ولت، وأن مخاطر وتكاليف المغامرات المستمرة والمستقبلية ستقع على عاتق الصين.

وختاماً، أكد التقرير أن إدارة “بايدن” مستعدة لتوفير الأدوات اللازمة لمواجهة التحدي الذي تمثله الصين إلى حد لم يسبقه مثيل في الآونة الأخيرة. وشدد التقرير على أن أحدث الأمثلة الدالة على ذلك، قرار مشاركة تكنولوجيا الغواصات النووية مع أستراليا. ودعا التقرير كذلك إلى تكثيف الجهود، في السنوات القادمة، مهما كانت التكلفة، لتطويق التهديدات الصينية المتزايدة، مع إمكانية تبني مبدأ “إذا كنت تريد السلام، فاستعد للحرب” كمبدأ تنظيمي مركزي لمجموعة متنوعة من قرارات الولايات المتحدة والحلفاء خلال العقد المقبل مع الصين.

المصادر:

Andrew S. Erickson& Gabriel B. Collins, A Dangerous Decade of Chinese Power Is Here, Foreign Policy, October 18, 2021, Accessible at: https://foreignpolicy.com/2021/10/18/china–danger–military–missile–taiwan/

Bilahari Kausikan, In U.S.–China Standoff, Is America a Reliable Ally?, Foreign Policy, October 18, 2021, Accessible at: https://foreignpolicy.com/2021/10/18/us–china–asia–pacific–geopolitics–alliances


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%90%d9%82%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d8%b3%d9%85/