القضايا الصعبة:

كيف سيقود "ألبانيزِ" الحكومة الأسترالية الجديدة؟
القضايا الصعبة:
25 مايو، 2022

للقراءة بصيغة PDFPDF_icon


أجريت الانتخابات التشريعية (الاتحادية) الأسترالية، في 21 مايو الجاري، لانتخاب أعضاء البرلمان الأسترالي السابع والأربعين. وجاءت الانتخابات ضمن سياقَين داخلي وخارجي محتدمَين بالعديد من المتغيرات، وفيما سعت الحكومة الائتلافية الليبرالية – الوطنية بقيادة رئيس الوزراء “سكوت موريسون” إلى الفوز بولاية رابعة على التوالي، أسفرت نتائج الانتخابات عن هزيمة حكومة يمين الوسط لصالح معارضة يسار الوسط والقوى التي وعدت باتخاذ إجراءات أقوى بشأن عدد من الملفَّات، على غرار ملف التغير المناخي. كما تطرح القضايا الاقتصادية، وكذلك العلاقات الخارجية لأستراليا في ظل التنافس المحتدم بين الصين والولايات المتحدة، نفسها على أجندة الحكومة الأسترالية الجديدة.

دلالات النتائج

كشفت نتائج الانتخابات الأسترالية عن عدد من الدلالات الرئيسية يُمكن تناولها على النحو الآتي:

1– عودة حزب العمال إلى السلطة بعد تسع سنوات: أدَّى زعيم حزب العمال الأسترالي “”أنتوني ألبانيزِ” اليمين الدستورية، في 23 مايو الجاري، ليصبح رئيس الوزراء الحادي والثلاثين في تاريخ أستراليا. وعقب توليه السلطة، تعهَّد “ألبانيزِ” بتوحيد البلاد بعد حملة انتخابية مثيرة للانقسام، وأكد اعتزامه معالجة قضايا تغيُّر المناخ وعدم المساواة. وبذلك يعود حزب العمال إلى السلطة بعد تسع سنوات في صفوف المعارضة.

2– تشكيل جزئي للحكومة في ضوء النتائج الأولية: رغم عدم انتهاء فرز الأصوات بالكامل، وعدم إعلان النتائج النهائية، أدَّى “أنتوني ألبانيز” و4 من وزراء حكومته اليمين الدستورية لتغطية جميع الحقائب الوزارية، واللحاق باجتماع “كواد” في اليابان، على أن يستكمل تشكيل حكومته بالكامل فور اتضاح الصورة النهائية للتصويت؛ حيث أعلن “ألبانيزِ” أنه سيتم توزيع الحقائب الوزارية الأسبوع بعد المقبل. وتشير أحدث النتائج الأولية إلى حصول حزب العمال على 75 مقعداً في مجلس النواب من أصل 151 مقعداً، فيما يحتاج حزب العمال من أجل تشكيل حكومة أغلبية بمفرده دون التشاور مع كتل أخرى، إلى حصد 76 مقعداً برلمانيّاً.

3– تناغم نسبي للنتائج مع استطلاعات الرأي: لم تشهد الانتخابات الأسترالية مفاجآت كبرى؛ حيث جاءت النتائج الانتخابية متناغمة مع ما كشفت عنه استطلاعات الرأي التي أجريت خلال الفترة الماضية؛ إذ تقدم حزب العمال الأسترالي بقيادة “أنتوني ألبانيزِ” في استطلاعات الرأي التي أجريت قبيل انطلاق الانتخابات الاتحادية. وأشارت نتائج استطلاع أجرته صحيفة “ذا أستراليان” ونُشرت نتائجه في 2 مايو الجاري، إلى أن 53% من الناخبين الذين يحق لهم التصويت سيختارون حزب العمال. ويعتقد أكثر من نصف مَن شملهم الاستطلاع أن الوقت قد حان لتغيير الحكومة.

4– ارتباط رئيسي للتصويت بقضايا المناخ والصحة: أجريت هذه الانتخابات في أستراليا بعد ثلاث سنوات صعبة شهدت حرائق غابات ضخمة، وفيضانات غير مسبوقة، وفترات جفاف طويلة، فضلاً عن جائحة “كوفيد–19″، وتأخُّر حملة التلقيح. وقد جعل ذلك كله لقضايا البيئة أهمية في اتجاهات التصويت هذه المرة؛ وذلك إلى الحد الذي دفع “أماندا ماكنزي” الرئيسة التنفيذية لمجموعة أبحاث مجلس المناخ، إلى إعلان أن العمل المناخي هو الفائز في التصويت، وقالت في بيان: “وضع ملايين الأستراليين المناخ في المرتبة الأولى. والآن حان الوقت لإعادة ضبط جذرية لكيفية تعامل هذه الأمة العظيمة في بلدنا مع تحديات المناخ”.

لقد دفعت تلك السنوات الصعبة مناخياً وطبياً نحو تراجع حظوظ حكومة المحافظين لصالح العمال الذين وعدوا بخفض الانبعاثات بنسبة 43% بحلول عام 2030، والوصول إلى صافي الصفر بحلول عام 2050 جزئياً عن طريق تعزيز الآلية المستخدمة للضغط على الشركات لإجراء تخفيضات، كما أظهر العد المبكر تأرجحاً قويّاً تجاه مُرشَّحي حزب الخضر والمستقلين الذين طالبوا بخفض انبعاثات أعلى بكثير من الالتزامات التي قطعها تحالف رئيس الوزراء “سكوت موريسون”. وقد عبَّر زعيم حزب “الخُضر” آدم باندت، عن هذا الارتباط بقوله: “أظهر الناس أن أزمة المناخ مسألة يريدون معالجتها”.

توجهات متوقعة

توجد عدد من القضايا والملفَّات الهامَّة على أجندة الحكومة الأسترالية الجديدة بقيادة حزب العمال. ومن المحتمل أن تسيطر مجموعة من التوجُّهات على هذه الحكومة، وهو ما يمكن تناوله فيما يأتي:

1– توجه “ألبانيزِ” نحو تعزيز التوافقات: طوال فترات عمله السياسي في الحكومة والمعارضة، منذ عضويته في البرلمان الأسترالي عام 1996، عمل “أنتوني ألبانيزِ” سياسيّاً معتدلاً يرفض الانجراف خلف الخلافات الانقسامية، مع استعداد لقبول الحلول الوسط في القضايا المتعلقة بتوازنات القوى مع الأحزاب الأخرى داخل الحكومة، فضلاً عن قدرته على العمل خارج إطار التوجهات الأيديولوجية، وتجنُّب النزعات الاستقطابية، مع الحرص في الوقت نفسه على رفض ومكافحة الفساد. وفي تصريحاته الأولى بعد الفوز في الانتخابات قال “ألبانيزِ”: “أريد أن أُوحِّد البلاد”. مضيفاً: “أعتقد أن الناس يريدون التجمع ويبحثون عن مصلحتنا المشتركة، ويتطلعون إلى هذا الإحساس بالهدف المشترك… أعتقد أن الناس لديهم ما يكفي من الانقسام، وأن ما يريدونه هو التجمع كشعب.. وأنا أنوي قيادة ذلك”.

2– تسريع الانتقال نحو الطاقة المتجددة: من المرجح أن تعمل حكومة حزب العمال على مواجهة تغير المناخ. وفي هذا الإطار، ستعمل الحكومة الجديدة على تسريع الانتقال إلى الطاقة المتجددة؛ حيث يخطط حزب العمال إلى تحديث شبكة الطاقة الأسترالية وإطلاق البنوك الشمسية والبطاريات المجتمعية. وعلى الرغم من التزامها بصافي الانبعاثات الصفري، يقول حزب العمال إنه سيوافق على مشاريع الفحم الجديدة إذا كانت مُجدِية بيئيّاً واقتصاديّاً. ورغم وعود العمال بخفض الانبعاثات وتعزيز الآلية المستخدمة للضغط على الشركات، فإن معهد أبحاث المناخ يرى أن خطط العمال ليست طموحة بما يكفي للحفاظ على ارتفاع درجة الحرارة العالمية في حدود 1.5 درجة مئوية، على النحو المُبيَّن في اتفاقية باريس، بل يدفع المعهد بأن سياسات حزب العمال أكثر اتساقاً مع ارتفاع درجتَين مئويتَين.

3– أولوية التعامل مع التحديات الاقتصادية: ستواجه الحكومة الأسترالية الجديدة على الصعيد الاقتصادي تحديات تستوجب التعامل معها بحذر؛ فقد ورث رئيس الوزراء الأسترالي الجديد “أنتوني ألبانيزِ” اقتصاداً نشطاً يقترب من التوظيف الكامل؛ ما أسفر عن تضخم الأسعار بسرعة، وزيادة معدلات الفائدة التي ستتطلَّب إدارة حذِرة لتفادي الخروج عن السيطرة. وتواجه العائلات الأسترالية ضغوطاً تتعلق بمستوى الدخل من جرَّاء ارتفاع معدلات التضخم التي فاقت ضعف معدل نمو مستويات الأجور خلال الربع الأول من السنة الجارية، كما تتعرض ميزانيات الأُسر الأسترالية للضغوط؛ حيث تعتبر نسبة الدين إلى مستوى الدخل من بين الأعلى في الدول المتقدمة. وذلك بالإضافة إلى ارتفاع مدفوعات الرهون العقارية وأسعار السلع اليومية. وعلى حد تعبير وزير الخزانة الأسترالي الجديد “جيم تشالمرز” في تصريحات سابقة، فإن حزب العمال سيُجابِه “أصعب الظروف الاقتصادية منذ الحرب العالمية الثانية”؛ حيث من المتوقع أن تشهد الميزانية الأسترالية عجزاً إجماليّاً قدره 224.7 مليار دولار أسترالي على مدى الأعوام الأربعة القادمة؛ ما يوفر مجالاً محدوداً للإنفاق الذي وعد به حزب العمال الأسترالي.

4– إعادة بناء العلاقات مع جزر المحيط الهادئ: وفقاً لما أعلنه رئيس الوزراء الأسترالي الجديد “أنتوني ألبانيزِ”، فإن إحدى أولوياته تتمثل في إعادة بناء العلاقات مع القادة الأجانب الذين يقول إن “موريسون” أهملهم في السنوات الأخيرة، ومنهم قادة جزر المحيط الهادئ، بما في ذلك جزر سليمان التي وقَّعت حكومتها اتفاقية أمنية مع بكين؛ ما أثار مخاوف من تخطيط الصين لبناء أول قاعدة عسكرية لها في المحيط الهادئ.

5– الانخراط المتزايد في الحوار الأمني الرباعي: في أسرع تحرك دبلوماسي لرئيس وزراء أستراليا الجديد “أنتوني ألبانيزِ”، فإنه سافر إلى طوكيو مع وزيرة الخارجية “بيني وونج” لإجراء محادثات مع أعضاء الحوار الأمني الرباعي “كواد” في 24 مايو الجاري. وقد أكد القادة خلال الاجتماع التزاماتهم المشتركة نحو “كواد” والمحافظة على “منطقة المحيط الهادي الهندي حرة ومفتوحة ومرنة”، وكشفوا النقاب عن مبادرة بحرية من شأنها مساعدة الدول الأربعة على مراقبة الصيد غير القانوني والأنشطة الأخرى في مياهها.

وفيما أشاد الرئيس الأمريكي “جو بايدن”، ورئيس الوزراء الياباني “فوميو كيشيدا”، ورئيس الوزراء الهندي “ناريندرا مودي” بحضور رئيس الوزراء الأسترالي “أنتوني ألبانيزِ”، الذي وصل إلى اليابان للمُشارَكة في الاجتماع بعد ساعات قليلة من أداء اليمين الدستورية لتولي مهام منصبه؛ فإن رئيس الوزراء الأسترالي الجديد أكد لنظرائه التزام حكومته تجاه منطقة المحيطَين الهندي والهادئ والتحالف الرباعي “كواد”. وأعلن “ألبانيزِ” أن كانبرا تتطلع إلى استضافة القمة المقبلة لقادة الحوار الأمني الرباعي عام 2023.

6– استمرار تعقيدات العلاقة مع الصين: أعلنت الصين، في 23 مايو الجاري، أن رئيس وزرائها “لي كيتشيانج” بعث برقية تهنئة إلى نظيره الأسترالي الجديد “أنتوني ألبانيزِ”، في أول اتصال رفيع المستوى بين البلدَين بعد فتور في علاقاتهما استمر شهوراً. ويُنظَر إلى التهنئة الصينية على أنها محاولة لإذابة الجليد مع الحكومة الأسترالية الجديدة؛ فقد قال “كيتشيانج” إن “الجانب الصيني مستعدٌّ للعمل مع الجانب الأسترالي للنظر إلى الوراء والتطلُّع إلى المستقبل… لتعزيز النمو السليم والثابت لشراكتهما الاستراتيجية الشاملة”.

ورغم التوقعات بأن يتخذ الخطاب الأسترالي في عهد “ألبانيزِ” شكلاً أقل حدةً، توقع رئيس الوزراء الأسترالي الجديد “أنتوني ألبانيزِ” نفسه، في 23 مايو الجاري، أن تظل علاقة بلاده مع الصين “صعبة” في الفترة المقبلة، باعتبار أن “الصين هي التي تغيَّرت، وليس أستراليا”، مؤكداً أنه ينبغي لبلاده أن تدافع دائماً عن قيمها. فيما قال نائب رئيس الوزراء الأسترالي “ريتشارد مارلس” إن الصين هي أكبر شريك تجاري لبلاده، لكنها “تسعى إلى رسم العالم المحيط بها بطريقة لم نشهدها أبداً في السابق، كما يحصل في بحر الصين الجنوبي”، وأضاف أن “المنافسة الاستراتيجية تتزايد في منطقتنا، في المحيط الهادئ” مؤكداً أن الحكومة الجديدة “ستحرص على أن تكون المصلحة الوطنية لأستراليا واضحة تماماً”.

ختاماً.. تعهد رئيس الوزراء الأسترالي الجديد أنتوني ألبانيزِ، في 22 مايو الجاري، بإعادة إطلاق علاقات بلاده مع العالم، وتغيير سمعتها كدولة متقاعسة في مجال مكافحة التغيُّر المناخي؛ ما يشير إلى أولوية تلك القضية في السياسة الأسترالية خلال السنوات المقبلة داخليّاً وخارجيّاً، كما كانت مهمة في اتجاهات التصويت الانتخابي. ومع ذلك، ستظل قضايا الاقتصاد وإدارة العلاقات مع الحلفاء الدوليين، وكذلك الصين ملفات لها أولوية بالنسبة إلى الحكومة الجديدة.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b6%d8%a7%d9%8a%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%b9%d8%a8%d8%a9/