القضايا العشر:

الاتجاهات المحتملة للعلاقات الخارجية للولايات المتحدة خلال عام 2023
القضايا العشر:
20 يناير، 2023

يستهل الرئيس الأمريكي “جو بايدن” عام 2023 وهو أقوى سياسياً مما كان عليه مع بداية عام 2022، مدعوماً بالنجاح الذي حققه حزبه (الحزب الديمقراطي) في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس التي أُجريت في 8 نوفمبر 2022 بزيادة أغلبيته في مجلس الشيوخ، وتجنُّب الموجة الحمراء التي كان يُروج لها الجمهوريون قبل الانتخابات، وبمجموعة قوية من الإنجازات التشريعية، وكذلك بموقف أقوى على صعيد السياسة الخارجية، ولا سيما مع قوة التحالف الذي حشده لدعم أوكرانيا بعد التدخل العسكري الروسي فيها منذ 24 فبراير 2022، وإعادة تشكيل التحالفات والشراكات الدولية التي قوضتها إدارة “دونالد ترامب”، وتبني سياسة خارجية واقعية تتقبل العالم كما هو، لا كما تودُّ الولايات المتحدة الأمريكية أن يكون.

ومع توقع أن يركز الجمهوريون، بعد توليهم الأغلبية بمجلس النواب في 3 يناير الجاري، على تقويض أجندة الرئيس “بايدن” التشريعية، وإخضاع الإدارة لسلسلة من التحقيقات بشأن قضايا داخلية، كمقاربته لقضية الهجرة، وأمن الحدود الجنوبية الأمريكية، والوثائق السرية خلال فترة عمله نائباً للرئيس “باراك أوباما”، التي وُجدت مؤخراً في منزله، وكذلك قضايا السياسة الخارجية خلال العامين الماضيين، وخاصة عملية الانسحاب الفوضوي من أفغانستان في 31 أغسطس 2021 قبل الذكرى العشرين لأحداث الحادي عشر من سبتمبر؛ فإن الرئيس خلال العام الجاري سيركز على قضايا السياسة الخارجية؛ لتحقيق إنجازاً يُعزز شعبيته مع إعلانه الترشح لفترة رئاسية ثانية.

توجهات متوقعة

مع تعدد التحديدات الأمنية العالمية المعقدة التي يواجهها الرئيس “جو بايدن”، تتمثل أبرز اتجاهات العلاقات الخارجية الأمريكية مع بداية العام الثالث لولايته الأولى، فيما يلي:

1– تبني سياسات متشددة تجاه الجانب الصيني: ركزت استراتيجية الأمن القومي لإدارة “بايدن”، التي صدرت في أكتوبر 2022، على أن بكين بدمجها بين سياساتها التعديلية للوضع الدولي الراهن ونظام حكمها الاستبدادي؛ تُعَد التحدي الجيوسياسي الأكثر أهميةً للولايات المتحدة الأمريكية. وقد سبق أن قال وزير الخارجية الأمريكي “أنتوني بلينكن” في خطاب يُحدد استراتيجية الإدارة الأمريكية بشأن الصين، إنها “الدولة الوحيدة التي لديها نية لإعادة تشكيل النظام الدولي، وإنها على نحو متزايد تلجأ إلى القوة الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والتكنولوجية للقيام بذلك”.

ولذلك يُتوقع أن يشهد العام الجاري مزيداً من التصعيد بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين؛ للعديد من العوامل؛ يتمثل أولها في أن هناك اتفاقاً نادراً بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري حول التهديد الذي يُشكله الصعود الصيني اقتصادياً وعسكرياً وأيديولوجياً للولايات المتحدة الأمريكية؛ ولذا يدعمون اتباع إدارة الرئيس “جو بايدن” نهجاً متشدداً تجاه بكين. وينصرف ثانيها إلى استعداد الإدارة الأمريكية لتبني مجموعة من الإجراءات الاقتصادية والعسكرية الجديدة للتنافس مع الصين، وهي الإجراءات التي من شأنها تقويض العلاقات الثنائية الأمريكية–الصينية، كما حدث مؤخراً مع فرضها قيوداً على مبيعات أشباه الموصلات إلى بكين، التي من شأنها إعاقة الجهود الصينية للمنافسة في التقنيات المتطورة لعدة سنواتز. وقد اكتسبت الدعوات لحظر تطبيق “تيك توك” من المشرعين ومسؤولي الأمن القومي زخماً كبيراً، بجانب إقرار واشنطن أسلحة إضافية لتايوان. ويرتبط ثالثها بجهود واشنطن لتعميق التعاون الاقتصادي والعسكري مع شركائها في منطقة الهندوباسيفيك، بما في ذلك أستراليا والهند واليابان. ويتعلق رابعها بوجود توقعات بإلقاء بكين بثقلها الدبلوماسي خلال عام 2023، بعد تخليها عن العزلة النسبية التي فرضتها سياسة “صفر كوفيد”، وفوز الرئيس الصيني “شي جين بينج” بولاية ثالثة على رأس الحزب الشيوعي؛ ما أعطاه نفوذاً سياسياً داخلياً سيحوله إلى سياسات عدوانية في الخارج، وتحركات في مناطق النفوذ الأمريكي التقليدية.

2– استمرار الدعم العسكري الأمريكي لأوكرانيا: نظراً لأن الولايات المتحدة الأمريكية أكبر مقدم للمساعدات العسكرية إلى أوكرانيا، ستكون المهمة الرئيسية لإدارة “بايدن” خلال عام 2023 هي الحفاظ على إمدادات ثابتة من الأسلحة الأمريكية؛ لتمكين كييف من مواصلة القتال. ولكن إذا ظهرت فرص لإجراء محادثات بين روسيا وأوكرانيا خلال العام الجاري، فإنه يُتوقع أن تُمارس الولايات المتحدة دوراً مهماً فيها. كما يتعين على “بايدن” الحفاظ على وحدة التحالف الدولي الذي شكلته إدارته في أعقاب الحرب الروسية–الأوكرانية؛ لمواصلة الضغط على موسكو. ولكن سيُواجه عزم إدارة “بايدن” على مواصلة مساعدة أوكرانيا تدقيقاً أكبر من مجلس النواب ذي الأغلبية الجمهورية؛ حيث يُريد بعض المشرعين الجمهوريين الموالين للرئيس السابق “دونالد ترامب” خفض المساعدات العسكرية الأمريكية لكييف.

3– تراجع جهود واشنطن لإحياء الاتفاق النووي: كانت قضية عودة إيران للالتزام بالاتفاق النووي لعام 2015 الذي انسحب منه الرئيس الأمريكي السابق “دونالد ترامب” في مايو 2018 على أجندة السياسة الخارجية الأمريكية لإدارة “جو بايدن”. ولكن مع تغيير تركيبة الكونجرس الأمريكي، والإخفاقات المتتالية لجولات المباحثات غير المباشرة في فيينا، والتعنت الإيراني، ناهيك عن الدعم العسكري الإيراني لروسيا في عملياتها العسكرية ضد أوكرانيا، بإمدادها بطائرات من دون طيار، والتعامل الإيراني العنيف مع الاحتجاجات التي دخلت شهرها الرابع، وإعلان الرئيس بايدن، على هامش تجمع انتخابي في 4 نوفمبر 2022، أن الاتفاق النووي مع إيران “ميت”، لكنه شدد على أن الولايات المتحدة لن تُعلن ذلك رسمياً؛ فإنه يُتوقع أن تتراجع الإدارة الأمريكية عن نهجها الدبلوماسي لإعادة إحياء خطة العمل الشاملة المشتركة.

وفي ظل غياب استراتيجية بديلة للإدارة الأمريكية لاحتواء إيران بعد إخفاق الجهود الدبلوماسية للعودة إلى الاتفاق النووي، فإن الإدارة في حاجة إلى استراتيجية شاملة لاحتواء التهديد الإيراني، وتقليص دعم طهران الجماعات الإرهابية وتعزيز الاستقرار الإقليمي. ويجب أن يكون جوهر تلك الاستراتيجية هو استعادة الردع الأمريكي. ويمكن للإدارة أيضاً البناء على اتفاقيات أبراهام لإنشاء شبكة إقليمية للدفاع العسكري وتبادل المعلومات الاستخباراتية بين حلفائها الاستراتيجيين في منطقة الشرق الأوسط.

4– مواصلة تقليص الانخراط في الشرق الأوسط: شهد العامان الماضيان عدم إيلاء الإدارة الأمريكية أهمية لحل الصراعات والنزاعات التي تشهدها المنطقة في إطار الاستراتيجية الأمريكية لتقليل الانخراط في قضايا وصراعات الشرق الأوسط، بينما تُولي أهمية لمواجهة الصعود الصيني في منطقة الهندوباسيفيك. ومع تحقيق الجمهوريين الأغلبية في مجلس النواب، فإن الإدارة ستكون أكثر تحفظاً في الانخراط في مناطق الصراع حول العالم، وتحديداً في المنطقة، وفي المقابل ستكون أكثر تركيزاً على تعهدات أمريكية تقليدية تتضمن دعم الحلفاء في المنطقة؛ لتعزيز قدراتهم على مواجهة التنظيمات الإرهابية، ولردع ومواجهة الأنشطة الإيرانية التي تزعزع الاستقرار في الشرق الأوسط، وعدم السماح لقوى إقليمية أو أجنبية بتهديد الملاحة في الممرات المائية بالمنطقة، ولا سيما مضيق هرمز وباب المندب، مع تأكيد عدم التساهل مع تهديدات إيران ضد المواطنين والجنود الأمريكيين.

5– اهتمام أمريكي بمواجهة التنظيمات الإرهابية: ستستمر الولايات المتحدة الأمريكية خلال عام 2023 في استراتيجيتها لمواجهة التنظيمات الإرهابية في الشرق الأوسط، ولا سيما تنظيمَي القاعدة وداعش وحركة الشباب الصومالية، وهي الاستراتيجية التي تقوم على ثلاثة مرتكزات رئيسية؛ يتمثل أولها في عدم انخراط القوات الأمريكية في مواجهة برية ضد التنظيمات الإرهابية بالمنطقة. وينصرف ثانيها إلى تقديم الدعم الفني والاستخباراتي والتدريبي للقوات العسكرية والأمنية بالدول التي تنشط التنظيمات الإرهابية على أراضيها؛ لتكون قادرة على مواجهتها، مع تقديم المساعدات العسكرية إليها. ويرتبط ثالثها باستهداف قيادات التنظيمات الإرهابية من الجو، مع الحد من تعرض المدنيين للأذى، وكذلك بعض الضربات العسكرية الخاطفة والمركزة ضد مناطق تمركز التنظيمات الإرهابية.

6– مواجهة النفوذين الروسي والصيني بأفريقيا: ترى الإدارة الأمريكية أن القارة الأفريقية أضحت ساحة يمكن للصين فيها تحدي النظام الدولي القائم على القواعد، وتعزيز مصالحها التجارية والجيوسياسية الضيقة، وتقويض الشفافية والانفتاح، وإضعاف علاقات الولايات المتحدة الأمريكية بالشعوب والحكومات الأفريقية، كما ترى أن روسيا تنظر إلى القارة على أنها بيئة متساهلة مع الشركات شبه الحكومية والشركات العسكرية الخاصة، وأنها غالباً ما تُثير عدم الاستقرار لتحقيق منفعتها الاستراتيجية والمالية، بجانب استخدام موسكو علاقاتها الأمنية والاقتصادية، فضلاً عن المعلومات المضللة؛ لتقويض معارضة القادة الأفارقة المبدئية لمواصلة موسكو تدخلها العسكري في أوكرانيا.

ولذلك ستواصل الإدارة الأمريكية خلال العام الجاري استراتيجيتها لمواجهة النفوذ العسكري والاقتصادي الصيني في القارة، والتحركات الروسية في أعقاب الحرب الروسية–الأوكرانية لمنع الدول الأفريقية من الاصطفاف مع الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين لعزل موسكو دولياً، والبناء على الالتزامات الأمريكية تجاه الدول الأفريقية خلال القمة الثانية لقادة الولايات المتحدة وأفريقيا في الفترة من 13 إلى 15 ديسمبر 2022، التي حملت تأكيد أهمية العلاقات المشتركة، وزيادة التعاون بشأن الأولويات العالمية، وتعزيز دور الإدارة الأمريكية في مساعدة الدول الأفريقية على التخفيف من آثار جائحة كوفيد–19، والأوبئة المستقبلية، وتعزيز الأمن الغذائي، وتعزيز السلام والأمن الأفريقي، والاستجابة لأزمة تغير المناخ.

7– اتخاذ سياسات أمريكية معارضة للعولمة: بعد أكثر من سبعة عقود من دفاع الولايات المتحدة الأمريكية عن العولمة، فإن التحديات الاقتصادية التي تُواجهها راهناً، واحتدام منافسة القوى العظمى مع الصين، ستدفع إدارة “بايدن” للتخلي عن العولمة مع تمويل الشركات الأمريكية بمئات المليارات من الدولارات؛ لتسريع الانتقال إلى الطاقة النظيفة، والسيطرة على الجيل التالي من إنتاج أشباه الموصلات، ولا سيما مع تأكيد الإدارة الأمريكية – بعد رفضها حكم منظمة التجارة العالمية بأن التعريفات الجمركية على واردات الصلب والألومنيوم التي فرضتها إدارة “ترامب”، والتي لا تزال إدارة “بايدن” تطبقها، تنتهك قواعد المنظمة –أن قضايا الأمن القومي لا يُمكن مراجعتها في تسوية المنازعات في منظمة التجارية العالمية، وأنه ليس للمنظمة سلطة لانتقاد قدرة عضو بالمنظمة على الاستجابة لمجموعة واسعة من التهديدات لأمنه القومي.

8– التركيز على التحدي النووي الكوري الشمالي: تعهدت بيونج يانج مع بداية العام الجاري بزيادة ترسانتها النووية؛ حيث أشارت وسائل إعلام كورية شمالية إلى أن الزعيم الكوري الشمالي “كيم جونج أون” أكد، خلال اجتماع لحزب العمال الحاكم، وجود حاجة لزيادة القوة العسكرية لتعزيز قدرات الردع والدفاع لبلاده، من خلال زيادة إنتاج أسلحة نووية تكتيكية بكميات كبيرة، وزيادة هائلة في الترسانة النووية للبلاد، فضلاً عن ترسانتها من الصواريخ الباليستية العابرة للقارات. وهناك تخوف أمريكي وكوري جنوبي من إجراء كوريا شمالية تجربة نووية سابعة بعد ست سنوات من آخر تجربة لها. ولذلك يُتوقع مزيد من التدريبات العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة الأمريكية وكوريا الجنوبية خلال عام 2023، وقيادة الإدارة الأمريكية المجتمع الدولي لإدانة برنامج الأسلحة النووية لكوريا الشمالية في منظمة الأمم المتحدة.

9– إنهاء الغموض الاستراتيجي تجاه تايوان: في إطار الاستراتيجية الأمريكية لمواجهة النفوذ الصيني، تخلى الرئيس الأمريكي “جو بايدن” عن سياسة أمريكية تقليدية حول الغموض الاستراتيجي حول تايوان؛ حيث أعلن أربع مرات عن أن الولايات المتحدة الأمريكية ستدافع عن تايوان إذا هاجمتها بكين. وقد تضمن قانون تفويض الدفاع الوطني (NDAA) للسنة المالية 2023، الذي وقعه الرئيس الأمريكي في 23 ديسمبر 2022، مجموعة من البنود لتعزيز قوة تايوان وسط التوترات مع الصين، بزيادة التعاون الأمني مع تايبيه بإنفاق يصل إلى 10 مليارات دولار على مدى خمس سنوات، كما أنه سيعطي الرئيس سلطة منح تايوان ما يصل إلى مليار دولار من الأسلحة والذخائر الأمريكية. ويُتوقع أن يشهد العام الجاري زيارة لرئيس مجلس النواب “كيفين مكارثي” إلى الجزيرة، كزيارة رئيسة مجلس النواب السابقة “نانسي بيلوسي” في أغسطس 2022؛ حيث أعلن “مكارثي” في 26 يوليو الفائت أنه سيزور تايوان إذا أصبح رئيساً لمجلس النواب بعد انتخابات التجديد النصفي للكونجرس.

10– استضافة قمة الديمقراطية لعام 2023: نظر الكثيرون إلى عدم فوز المرشحين الجمهوريين من منكري نتائج الانتخابات الرئاسية لعام 2020، الذين دعمهم “ترامب” في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، على أنه دفعة قوية للديمقراطية الأمريكية، وأنها لا تزال قوية في الداخل بما يمكن إدارة “جو بايدن”، التي وضعت قضية الديمقراطية على أجندتها منذ اليوم الأول لها في البيت البيض، من الدفاع عنها خارجها حدودها. وفي استمرار لتوجهات الإدارة الأمريكية بعقد قمة للديمقراطية للدفاع عنها بعد القمة الأولى في ديسمبر 2021، ستشارك الولايات المتحدة الأمريكية في استضافة القمة الثانية من أجل الديمقراطية مع حكومات كوستاريكا وهولندا وجمهورية كوريا الجنوبية وجمهورية زامبيا خلال الفترة من 29 إلى 30 مارس 2023.

اختراق خارجي

خلاصة القول: ستدفع قيود الجمهوريين بعد فوزهم بالأغلبية بمجلس النواب في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في الثامن من نوفمبر الفائت؛ الرئيس “جو بايدن” للعمل على تحقيق إنجاز داخلي من شأنه تعزيز فرصه للفوز بولاية رئاسية ثانية في الانتخابات الرئاسية لعام 2024، كما ستدفع هذه القيود الرئيس الأمريكي نحو مزيد من التركيز على قضايا السياسة الخارجية الأمريكية، والتعامل مع أبرز التحديات الأمنية العالمية المعقدة التي يواجهها مع بداية منتصف ولايته الأولى خلال عام 2023؛ لتحقيق اختراق في بعضها يعزز فرص فوزه أمام منافسه الجمهوري في نوفمبر من العام القادم.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b6%d8%a7%d9%8a%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b4%d8%b1-2/