القوة الرابعة:

دلالات الموافقة على انضمام إيران إلى منظمة شنغهاي للتعاون
القوة الرابعة:
19 سبتمبر، 2021

احتفلت إيران بإعلان منظمة شنغهاي للتعاون عن ضمها إليها بشكل كامل، خلال القمة الحادية والعشرين التي عُقدت في دوشنبه في 17 سبتمبر الجاري، حيث سعت حكومة الرئيس “إبراهيم رئيسي” إلى الترويج لأن ذلك يُسجَّل أول “إنجاز دبلوماسي” لها منذ وصولها إلى السلطة بعد الانتخابات التي أُجريت في 18 يونيو الماضي، حيث اكتملت، وفقاً لاتجاهات عديدة في طهران، أضلاع مربع القوى الرئيسية في الشرق.

ورغم أن إيران طلبت الانضمام إلى عضوية منظمة تعاون شنغهاي منذ عام 2008؛ إلا أن توقيت الإعلان عن الموافقة على انضمامها في القمة الحادية والعشرين التي عُقدت في العاصمة الطاجيكية دوشنبه، في 17 سبتمبر الجاري، يكتسب دلالات خاصة، يتعلق أهمها بتوقيتها؛ فقد جاءت تلك الخطوة في أعقاب تولي حكومة جديدة في إيران برئاسة “إبراهيم رئيسي” مقاليد السلطة. ومع أن جهود الانضمام سبقت ذلك بأعوام، إلا أنها -في النهاية- سوف تؤثر على توجهات السياسة الخارجية للحكومة الجديدة. كما أنها تأتي وسط تصاعد حدة الخلافات مع الدول الغربية حول الملف النووي، حيث لم يُحدَّد بعد موعد الجولة السابعة لمفاوضات فيينا، ولا يمكن التكهن بما يمكن أن تنتهي إليه. إلى جانب ذلك، فإن تصاعد حدة الأزمة في أفغانستان عقب سيطرة “طالبان” على الحكم في منتصف أغسطس الفائت، يفرض مزيداً من الأهمية على تلك الخطوة التي تأخرت، في رؤية طهران، لنحو ثلاثة عشر عاماً.

دلالات متعددة للانضمام

تتضمن خطوة انضمام إيران لمنظمة شنغهاي للتعاون عدة دلالات يتمثل أبرزها فيما يلي:

1- تكريس سياسة التوجه شرقاً: ربما تدفع تلك الخطوة إيران إلى تعزيز سياسة التوجه شرقاً، والتي بدأت حكومة الرئيس “إبراهيم رئيسي” في الإعلان عن المكاسب الاستراتيجية التي سوف تعود على إيران من اتباعها خلال الأعوام الأربعة القادمة. وفي رؤية الحكومة، والمؤسسات النافذة الأخرى، فإن إيران لا تملك “ترف” العزوف عن تقوية العلاقات مع جيرانها في الشرق، لا سيما الصين ودول آسيا الوسطى والهند فضلاً عن باكستان وأفغانستان، في ظل تراجع الزخم الذي اكتسبته العلاقات مع الدول الغربية خلال عهد الرئيس السابق “حسن روحاني”، ولا سيما بعد تراجُع التعويل على الاتفاق النووي وما سوف يعود على إيران من امتيازات عبره، بعد الانسحاب الأمريكي منه، وإعادة فرض العقوبات الأمريكية، وعدم قدرة الدول الأوروبية على رفع مستوى العلاقات الثنائية مع إيران.

2- دعم موقف إيران التفاوضي: قد تضفي تلك الخطوة مزيداً من التشدد على السياسة التي سوف تتبعها إيران في المفاوضات المحتملة التي قد تُستأنف في فيينا مع مجموعة “4+1” والتي تشارك فيها الولايات المتحدة الأمريكية بشكل غير مباشر. هذا التشدد يبدو متوقعاً إلى حد كبير، خاصة في ظل إصرار إيران على مواصلة رفع مستوى الأنشطة النووية، وخاصة على صعيد عمليات التخصيب، حيث أنتجت نحو 10 كلجم من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، ونحو 84 كلجم من اليورانيوم المخصب بنسبة 20%.

وبالطبع، فإن إيران سوف تستند -في هذا السياق- إلى أن الخيارات المتاحة أمامها أصبحت أكثر اتساعاً، وهو ما سوف تحاول توجيهه إلى الدول الغربية خلال الفترة القادمة، للحصول على أعلى مستوى من المكاسب الاستراتيجية، وتقديم أقل قدر من التنازلات في أي صفقة محتملة.

3- احتمالات تخفيف العقوبات الأمريكية: سوف تحاول إيران عبر تلك الخطوة تعزيز قدرتها على تخفيف حدة الضغوط التي تفرضها العقوبات الأمريكية عليها. ورغم أنها سعت في الفترة الماضية إلى الالتفاف على تلك العقوبات عبر آليات عديدة، مثل تهريب النفط عبر أفغانستان وبيعه إلى دول مثل الصين، وإغلاق أجهزة التتبع على الشحنات التي تقوم بنقله؛ إلا أن هذه الجهود قد تتعزز -في رؤية طهران- مع انضمامها بشكل كامل إلى عضوية منظمة تعاون شنغهاي.

وقد انعكس ذلك في تصريحات المتحدث باسم رئاسة البرلمان الإيراني “نظام الدين موسوي”، في 17 سبتمبر الجاري، والتي قال فيها: “إن انضمام إيران إلى هذه المنظمة يعني التوصل إلى سوق حجمه 3 مليارات نسمة، وهذه فرصة كبيرة يجب أن نملك خارطة طريق لاستغلالها بأفضل طريقة”، مضيفاً أن “انضمام إيران إلى هذه المنظمة على الرغم من معارضة واشنطن يُثبت أن عصر السياسات الأحادية انتهى، ونشهد إقامة نظام عالمي جديد”.

4- توسيع نطاق التعاون في أفغانستان: كان للتطورات السياسية التي شهدتها أفغانستان منذ نحو شهر، انعكاس واضح على النتائج التي انتهت إليها قمة شنغهاي في دوشنبه. إذ يبدو أن الخطوة التي اتخذتها المنظمة بضم إيران إليها، توحي بأن هناك توجهاً من جانب القوى الرئيسية فيها، ولا سيما الصين وروسيا والهند، للوصول إلى تفاهمات حول ما يجري على الساحة الأفغانية منذ سيطرة حركة “طالبان” على السلطة في العاصمة كابول في 15 أغسطس الفائت.

وفي رؤية تلك الدول فإن الخطوة التي اتخذتها الولايات المتحدة الأمريكية بالانسحاب العسكري من أفغانستان بعد عشرين عاماً من الحرب ضد الإرهاب التي انتهت بإسقاط نظام “طالبان” في طبعته الأولى في عام 2001، هدفها الأساسي تصدير ضغوط وتهديدات جديدة لخصوم واشنطن الدوليين والإقليميين، لا سيما الصين وروسيا وإيران، على نحو سوف يكون متغيراً ربما يدفع تلك الدول إلى العمل على تبني توجه معاكس عبر رفع مستوى التنسيق للتعامل مع الترتيبات السياسية والأمنية التي تجري صياغتها في أفغانستان خلال المرحلة الحالية.

5- توجيه رسائل تحدٍّ جماعية لواشنطن: كان لافتاً أن الاستجابة لطلب إيران الانضمام لعضوية المنظمة جاء متأخراً، خاصة أن المنظمة اتخذت قرارات في عام 2017 بضم الهند وباكستان. ومعنى ذلك أن القوى الرئيسية في المنظمة، لا سيما الصين، كانت تضع في اعتبارها موقف الولايات المتحدة الأمريكية في عهد إدارة الرئيس السابق “دونالد ترامب” من ضم إيران إلى المنظمة.

أما الآن وقد تصاعدت حدة التوتر في العلاقات بين بكين وواشنطن، سواء بسبب الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي وفرض العقوبات الأمريكية، أو فيما يتصل بالخلاف حول ما يُسمى بـ”منشأ كورونا”، فضلاً عن تزايد القلق الصيني من التوجهات الأمريكية الجديدة في عهد الرئيس “بايدن” القائمة على ضرورة منح الأولوية لإدارة المواجهة معها في الفترة القادمة، إلى جانب الانسحاب الأمريكي من أفغانستان؛ كل ذلك دفع الصين والقوى الأخرى إلى توجيه رسالة تحدٍّ جماعية إلى واشنطن بالموافقة على ضم إيران للمنظمة.

حسابات المكاسب الإيرانية

وفي المقابل، يبدو أن التداعيات التي سوف تفرضها تلك الخطوة ستكون سياسية وأمنية في المقام الأول قبل أن تكون اقتصادية. إذ إن الهدف الأساسي من المنظمة أمني وسياسي في الأساس، وبدا لافتاً حرص القوى التي قامت بتأسيس المنظمة على تأكيد أن أهدافها تكمن في مواجهة التهديدات التي تفرضها التنظيمات الإرهابية والمتطرفة.

كما أنه إذا كانت إيران تسعى عبر تلك الخطوة إلى رفع مستوى علاقاتها الاقتصادية مع الدول الرئيسية في المنطقة، فإن ذلك يمكن أن يحدث في ظل العلاقات القوية التي تربط بين إيران وكل من الصين والهند. فالأولى وقعت مع إيران اتفاقية الشراكة الاستراتيجية في 27 مارس الماضي، والتي يتوقع أن تستثمر من خلالها الصين نحو 400 مليار دولار على مدار 25 عاماً في تطوير البنية التحتية الإيرانية في قطاعات مثل النقل والبتروكيماويات، في إطار مشروع “الحزام والطريق” الذي تسعى إلى تنفيذه في الفترة الحالية. والثانية وقعت مع إيران وأفغانستان، في 24 مايو 2016، اتفاقية لتطوير ميناء تشابهار إيران لنقل السلع الهندية إلى دول آسيا الوسطى عبر الأراضي الأفغانية.

وإلى جانب ذلك، فإن العلاقات الاقتصادية سوف تبقى، في رؤية اتجاهات عديدة، منحصرة في التبادلات الاقتصادية أو نظام المقايضة في ظل العقوبات المصرفية التي تفرضها الولايات المتحدة الأمريكية على إيران. ويعني ذلك في كل الأحوال أن انضمام إيران إلى منظمة شنغهاي للتعاون قد لا يكون له مردود اقتصادي مباشر وسريع، بقدر ما سيكون مردوده سياسياً، ويتعلق بمواجهة العقوبات والسياسة الأمريكية التي لا تحظى بقبول من جانب معظم القوى الرئيسية في المنظمة.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%88%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a7%d8%a8%d8%b9%d8%a9/