اللامبالاة السياسية:

هل يمتلك الحزب الديمقراطي أجندة واضحة للسياسة الخارجية؟
اللامبالاة السياسية:
8 نوفمبر، 2021

تصاعد الخلاف بين الديمقراطيين في الكونجرس حول حجم الإنفاق الاجتماعي المحلي، حيث طالب بعض المعتدلين، مثل السيناتور “جو مانشين” من وست فرجينيا، والسيناتور “كيرستن سينيما” من ولاية أريزونا، بخفض فاتورة الإنفاق المقترحة من الرئيس “جو بايدن” والتي تبلغ قيمتها 3.5 تريليونات دولار.

وقد حظي هذا الخلاف والتصدع داخل الحزب الديمقراطي باهتمام كبير من الصحافة لثلاثة أسباب: أن هذه الانقسامات تهدد بعرقلة خطط الرئيس المستقبلية، كما أن نتائج هذا الانقسام ستؤثر على عدد لا يُحصى من الشعب الأمريكي، وأخيراً أن موقف كل من “مانشين” و”سينيما” بشأن الإنفاق الاجتماعي يُعتبر مناقضاً لجوهر فلسفة الحزب الديمقراطي، خاصة وأنه من المتوقع أن يصل الحزب الديمقراطي إلى حالة من الإجماع داخل صفوفه على القضايا السياسية الداخلية مثل: رعاية الأطفال، والتعليم، والبنية التحتية، والإجهاض، وغيرها من القضايا المحلية، وبالتالي فإن التوجهات المناقضة لبرنامج الحزب التي عبر عنها كل من “مانشين” و”سينيما” تعتبر تقويضاً لبرنامج الحزب، بل وتهديداً للوجود السياسي للحزب الديمقراطي.

وعلى النقيض من هذا، يُتوقع أن تكون هناك آراء متعارضة ومتنوعة داخل الحزب الديمقراطي فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، بل وقد يتعارض بعضها مع بعض تماماً. لقد أصبح من المعتاد في العقود الأخيرة النظر إلى الحزب الديمقراطي على أنه بؤرة الحركة الأمريكية المناهضة للحرب، حيث كانت النائبة الديمقراطية “باربرا لي” من ولاية كاليفورنيا هي العضو الوحيد بمجلس النواب الذي عارض التفويض بالحرب الأفغانية في سبتمبر 2001، وبالمثل صوّت 126 عضواً ديمقراطياً من أصل 133 ضد غزو العراق في مجلس النواب.

وعلى الرغم من أن الحزب الديمقراطي كان بالفعل هو قلب الحركة المناهضة للحرب بعد أحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة؛ إلا أن بعض أعضائه لديهم توجهات متشددة مؤيدة للحرب. فعلى سبيل المثال، وافق 81 عضواً في مجلس النواب على حرب العراق التي شنها الرئيس “جورج بوش”، كما قطعت حملة الطائرات الأمريكية المُسيّرة شوطاً كبيراً في عهد الرئيس “باراك أوباما”. وعارض ديمقراطيون رفيعو المستوى، مثل السيناتور “روبرت مينينديز” من نيوجيرسي ورئيس لجنة العلاقات الخارجية، الاتفاقَ النووي الإيراني متعدد الأطراف في عام 2015. وفي سبتمبر من العام نفسه، فشل مشروع قانون في مجلس النواب يدعو إلى سحب القوات الأمريكية من سوريا بسبب تصويت ما يقرب من 100 عضو ديمقراطي ضده. وأخيراً، دعت النائبة “إيلين لوريا” من فرجينيا هذا الشهر إلى السماح بشن حرب على الصين بتفويض مسبق.

وتؤكد كافة هذه الأمثلة على أن الحزب الديمقراطي لا يمكن وصفه -بأي حال من الأحوال- بأنه مؤسسة مناهضة للحروب وقائمة على المبادئ والمُثُل العليا.

يقول المثل الأمريكي القديم: “السياسة تتوقف عند حافة الماء”، أي إن الخلافات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة، يجب أن تبقى في الداخل، ولا تنعكس على السياسة الخارجية. وعلى الرغم من هذا فإن الحزب الديمقراطي لم يقم بصياغة رؤية سياسية واضحة ومتسقة مع السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية.

ويظل الاستثناء الوحيد لهذه القاعدة هو إسرائيل، التي لطالما دفعت بالنخبة في الحزب الديمقراطي لتتبع خطاها وتأييدها، ولا يغيب على أحد السبب في ذلك. ففي السياسة الأمريكية، المال له سطوة وكلمة، ولجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC) تُعتبر أكبر لوبي للسياسة الخارجية في البلاد. ولطالما استخدمت هذه اللجنة وأعضاء آخرون مؤيدون للوبي الإسرائيلي مواردهم بفعالية لتحويل إسرائيل إلى قضية سياسية محلية. وفي هذا السياق، قامت اللجنة بتنظيم مناقشات ومناظرات سياسية لدعم إسرائيل، وتمويل حملات السياسيين الملتزمين بالخط المُؤيد لإسرائيل، مع اتهام الذين لديهم تساؤلات أو تحفظات على دعم الولايات المتحدة لإسرائيل بمعاداة السامية، والدفع بالقوانين التي تحظر مقاطعة إسرائيل.

ويمكن تلخيص كفاءة اللوبي المؤيد لإسرائيل على أفضل وجه كما عبر عنه بشكل ساخر رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” عام 2001: “أمريكا هي الشيء الذي يمكن تحريكه بسهولة شديدة، وتحريكه في الاتجاه الصحيح”.

ومع ذلك، بدأ التوجه المؤيد لإسرائيل في الحزب الديمقراطي في التصدع، وتُظهر استطلاعات الرأي أن أعداداً كبيرة من الناخبين الديمقراطيين يريدون رؤية الولايات المتحدة تُحاسب إسرائيل على ما يتم من انتهاكات لحقوق الإنسان والقانون الدولي. وبدأت فئة متزايدة من الأعضاء الشباب في الكونجرس في التشكيك بكل جرأة في دعم الولايات المتحدة لإسرائيل. ومع ذلك، لا يزال صوت قيادة الحزب عالياً بتأييد إسرائيل، وهو ما أدى إلى بعض الخلافات المتزايدة بين أعضاء الحزب الديمقراطي.

ووسط تصويت بالموافقة على اعتماد مليار دولار لمنظومة القبة الحديدية الإسرائيلية في سبتمبر الماضي، ألقت النائبة “رشيدة طليب” من ميتشيجان (وهي فلسطينية أمريكية) خطاباً يتهم إسرائيل بـ”الفصل العنصري”، مستشهدة بمنظمات مثل منظمة “هيومان رايتس ووتش” ومنظمة “بتسيلم” الإسرائيلية لحقوق الإنسان، وتعرضت “طليب” على الفور لهجوم ليس فقط من قِبل الجمهوريين، بل أيضاً من قبل حزبها. وندد أيضاً النائب الديمقراطي “تيد دوتش” من فلوريدا، ورئيس اللجنة الفرعية لمجلس النواب حول الشرق الأوسط، بتصريحات “طليب”، متهماً إياها بمعاداة السامية. وانتهى الأمر بتصويت تسعة أفراد فقط من الحزب الديمقراطي ضد تمويل القبة الحديدية.

وتُظهر هذه الحادثة أن الدعم لإسرائيل سيبقى قوياً داخل الحزب الديمقراطي، بالإضافة إلى أن النخبة تفقد سيطرتها على قواعد الحزب فيما يتعلق بإسرائيل. ويبدو أن إسرائيل في طريقها لأن تصبح مجرد قضية أخرى في السياسة الخارجية للحزب الديمقراطي، لا يستطيع قادة الحزب -أو ربما لا يرغبون- في ضبط أعضائه بشأنها.

وأخيراً، يمتلك الحزب الديمقراطي قضايا في السياسة الخارجية أكبر بكثير من قضية إسرائيل. فقد أخفق الحزب الديمقراطي خلال عقدين من الزمن بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر في أن يصبح الحزب المناهض للحرب. في المقابل، يبدو أن الجمهوريين يسعون إلى إيقاف الحروب التي لا نهاية لها، بداية من الرئيس “دونالد ترامب” ووصولاً إلى “المعتدلين” مثل النائب المخضرم في حرب العراق “بيتر ميجر” من ميتشيجان.

وختاماً، يمكن القول إن الديمقراطيين والجمهوريين أقل اختلافاً في قضايا السياسة الخارجية أكثر من أي وقت مضى. ومن غير المحتمل في دولة كالولايات المتحدة الأمريكية التي تنشغل بالسياسة الداخلية جداً ولا تبالي كثيراً بالسياسة الخارجية، أن يتخذ الديمقراطيون أي خطوات جريئة لتمييز برنامجهم الحزبي في السياسة الخارجية. ومن المرجح أيضاً ألا يضر ذلك الحزب في صناديق الاقتراع. ولكن هل هذا يُنذر بشيء في استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية العالمية؟.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%a7%d9%85%d8%a8%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d9%8a%d8%a9/