اللحظة السوفيتية:

دوافع الرئيس الروسي للتصعيد في مواجهة أوكرانيا
اللحظة السوفيتية:
23 فبراير، 2022

عرض: أسماء الصفتي

يتزايد الاهتمام في الوقت الحالي بمدى تأثير الدائرة المقربة من الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” على قراراته الخاصة بالأزمة الأوكرانية، وحسابات هذه الدائرة لدفع الرئيس الروسي نحو تبني المزيد من القرارات التصعيدية في الأزمة. وفي هذا الإطار، نشر موقع “إيكونوميست”، في 19 فبراير 2022، تقريراً بعنوان “لماذا يرغب بوتين وحاشيته في الانخراط في حرب دموية بأوكرانيا؟” للباحث ألكسندر جابيف” رئيس وحدة الدراسات الروسية، وبرنامج آسيا والمحيط الهادئ في مركز كارنيجي. ويمكن استعراض أبرز ما جاء فيه على النحو التالي:

1– وقوف نخبة الرئيس بوتين وراء التصعيد بأزمة أوكرانيا: يتعجب الكثير من أعضاء النخبة الحاكمة في روسيا، من التوجه السائد في الغرب، الذي يعتقد خطأ أن الحرب ضد أوكرانيا هو قرار صادر عن الكرملين بإرادته الحرة والخالصة. فحتى إن كانت موسكو قادرة على خوض الحرب والخروج منها بأقل الخسائر البشرية، فإن الحرب لا تزال تحمل تكلفة عالية في طياتها للجانب الروسي. والأعجب من ذلك أن هذا المنطق قد كان قائمًا قبل ثماني سنوات من الآن؛ حين اتخذت روسيا القرارات المشؤومة الخاصة بضم شبه جزيرة القرم وإثارة الصراع في منطقة دونباس الأوكرانية.

وبالرغم من ذلك، فإنه يمكن تفهم حالة التعجُّب التي يعيش في ظلالها عدد من القائمين في موسكو والغرب؛ حيث يفترض أغلبهم أن سياسة الكرملين تسترشد باستراتيجية نزيهة مستمدة من ساعات لا تنتهي من النقاش بين الوكالات، ومن الموازنة المنطقية والواقعية للإيجابيات والسلبيات المترتبة على هذا القرار الخطير، ولكن ما يدفع الكرملين في الواقع هو الأفكار والمصالح الخاصة بمجموعة صغيرة من المسؤولين المقربين من الرئيس “فلاديمير بوتين” منذ أمد طويل، فضلاً عن مصالح الزعيم الروسي.

2– اعتقاد نخبة بوتين بإعادة أمجاد الاتحاد السوفييتي السابق: يؤمن المقربون من الزعيم الروسي بأوهام من قبيل الانهيار الوشيك للغرب، كما أن أغلبهم لا يعبؤون لإمكانية تزايد حالة التصعيد بين روسيا والغرب، والانزلاق إلى حالة من المواجهة المفتوحة مع الولايات المتحدة وأوروبا. والواقع أن الأعضاء الأساسيين في هذه المجموعة سيكونون جميعاً من بين المستفيدين الرئيسيين من التصعيد الأخير. وبنظرة سريعة، يمكن التأكد من أن مجلس وزراء الحرب الذي شكَّله “بوتين” يمتلك أعضاؤه عددًا من الصفات المشتركة؛ أهمها معاصرة انهيار الاتحاد السوفييتي، الذي وصفه الرئيس “بوتين” بأعظم كارثة جيوسياسية في القرن العشرين.

كما عمل أعضاء المجلس في صفوف الاستخبارات الروسية التي نشطت بدرجة كبيرة في الدول الأوروبية، خاصةً بريطانيا. ويتألف مجلس الوزراء من “نيكولاي باتروشوف” رئيس مجلس الأمن، و”ألكسندر بورتنيكوف” رئيس جهاز الأمن الفيدرالي، والوكالة الرئيسية المنافسة لهيئة الاستخبارات الأمريكية، بالإضافة إلى “سيرجي ناريشكين” رئيس الاستخبارات الخارجية الروسية، ووزير الدفاع “سيرجي شويجو”. وخلافاً للشائع، فإن هؤلاء الرجال هم القائمون على إدارة السياسة الخارجية للبلاد، وليس وزير الخارجية “سيرجي لافروف”.

3– اعتبار نخبة بوتين الوقتَ مناسباً للصعود العالمي الروسي: خلال السنوات الأخيرة، تزايدت شهرة أعضاء مجلس الحرب الوزاري المُقرَّب من الرئيس “بوتين”؛ فعلى سبيل المثال أجرى السيدان “باتروشوف” و”ناريشكين” مقابلات مطولة، أدليا خلالها بآرائهما فيما بتعلق بشأن التطورات العالمية والدور الدولي لروسيا. ويرى هؤلاء أن النظام الذي تقوده الولايات المتحدة يمر بأزمة عميقة، بفعل فشل الديمقراطية الغربية، والصراعات الداخلية التي تتعارض مع مبادئ تعزيز التسامح والتعددية الثقافية واحترام حقوق الأقليات. ويضاف إلى ذلك إيمانهم بتشكل نظام جديد متعدد الأقطاب، يعكس تحولاً لا يمكن إيقافه في مختلف مناطق العالم، خاصةً فيما يتعلق بالسلطة وتدعيم قيم السلطوية والاستبداد.

ويرى أعضاء المجلس الوزاري المقرب من “بوتين” أن روسيا –التي عادت إلى الظهور كقوة عالمية رائدة– تقف وراء هذا النظام الجديد، بجانب الصين. ونظراً إلى هذا الأمر، فإن الدول الغربية تسعى إلى احتواء روسيا، بالسيطرة على جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، وتعزيز حالة عدم الاستقرار في الداخل الروسي، من خلال دعم الثورة الملونة المزعومة التي تضرب موسكو. ومع تضاؤل القوة الأمريكية العالمية، فإنها أصبحت تنتهج أساليب أشد عدوانيةً. ولهذا السبب لا يمكن الوثوق بالغرب.

4– ضرورة منع المحاولات الغربية لاحتواء الصعود الروسي: وفقًا لأعضاء المجلس الوزاري الروسي، فإن أفضل وسيلة لضمان سلامة النظام السياسي القائم في روسيا وتعزيز مصالحه الوطنية، تتلخص في إبقاء الولايات المتحدة بعيدة عن المنطقة. ومن هذا المنطلق، فإن أوكرانيا تعتبر ساحة المعركة المركزية للنضال الروسي؛ فإذا سمحت موسكو باستيعاب هذا البلد بالكامل من قبل الناتو، وتحولت إلى منطقة نفوذ غربية، فإن قدرة روسيا كقوة عظمى سوف تتعرض للخطر. وتعبر مثل هذه الآراء عن الحنين إلى العهد السوفييتي، والقوة العظمى التي كانت تتمتع بها الدولة خلال هذه الفترة.

5– تقليل آثر العقوبات الأمريكية المحتملة ضد روسيا: في حقيقة الأمر، لا يهتم أعضاء المجلس الوزاري الروسي المُقرَّب من “بوتين” كثيراً بأي عقوبات اقتصادية يمكن أن تفرضها واشنطن وحلفاؤها على موسكو كرد فعل على غزو روسيا لأوكرانيا؛ فهم يؤمنون بأن العقوبات التي فرضتها واشنطن خلال أزمة ضم جزيرة القرم، ما هي إلا وسيلة يستخدمها صناع القرار في الولايات المتحدة لعرقلة الصعود الروسي. ويضاف إلى ذلك حقيقة كونهم مدرجين على القائمة السوداء للخزانة الأمريكية، وهو ما يعني أنهم لن يتمكنوا من مغادرة موسكو، وسيستمرون إلى مماتهم داخل جدران الدولة الروسية، ولن يخسروا الكثير إذا تم استهدافهم شخصيّاً بالمزيد من العقوبات.

6– تعزيز قبضة الحاشية على الاقتصاد حال التعرض لعقوبات: قد تؤدي العقوبات التي تستهدف قطاعات داخل الاقتصاد الروسي، بما في ذلك العقوبات التي تعتزم إدارة الرئيس “بايدن” فرضها في حال غزو روسيا لأوكرانيا؛ إلى تعزيز قبضة رجال الكرملين على الاقتصاد الوطني إلى حد كبير. وقد أسفرت سياسة منع وصول المنتجات الأجنبية إلى السوق الروسية، والاعتماد بدرجة كبيرة على المنتج المحلي إلى ضخ الكثير من الأموال لصالح ميزانية الدولة، التي ذهب جزء كبير منها إلى جيوب حاشية “بوتين” ووكلائه. وأبرز مثال على ذلك، تحقيق التكتل الحكومي –الذي يديره صديق “بوتين” ورفيقه في العمل الاستخباراتي “سيرجي تشيميزوف”– الكثير من الأموال بفعل العقوبات الأمريكية.

وعلى المنوال نفسه، تأثرت الأعمال التجارية الزراعية الروسية بفرض حظر على الواردات الغذائية من البلدان الغربية. ويشرف على هذا القطاع الابن الأكبر لـ”باتروشوف ديمتري”، وهو وزير الزراعة لدى الحكومة الروسية. وعلى نحو مماثل أيضاً، أدت العقوبات المالية المشددة إلى اضطلاع البنوك المملوكة للدولة بدور أكبر، وهي أيضاً، على نحو غير مستغرب، تزخر بالكثير من قدامى عملاء الاستخبارات الروسية الذين يسيطرون على أعلى المناصب بها. وبناءً على ذلك، فإن فرض المزيد من العقوبات لن يردع بأي شكل مجلس وزراء الحرب الذي شكَّله “بوتين”، بل إن من شأنه أن يضمن لأعضاء هذا المجلس تحقيق المزيد من المكاسب الاقتصادية.

وأخيراً، ووفقاً للكاتب، فإن المنطق نفسه ينطبق على السياسة الداخلية الروسية؛ فبينما تنحدر البلاد إلى حالة شبه دائمة من الحصار، فإن أجهزة الأمن سوف تشكل الدعامة الأكثر أهميةً للنظام، وهذا يزيد قبضة “بوتين” وحاشيته على البلاد؛ فبعد عامين من العزلة الذاتية التي فرضتها الجائحة على رؤساء الكرملين، بات هناك ميل واضح نحو الاستمرار في سياسة الانعزال، والإفلات من قبضة القانون، وتغليب المصالح الخاصة على المصلحة العامة.

المصدر:

Alexander Gabuev, “Alexander Gabuev writes from Moscow on why Vladimir Putin and his entourage want war”, The Economist, February 19, 2022, Accessible at: https://www.economist.com/by–invitation/2022/02/19/alexander–gabuev–writes–from–moscow–on–why–vladimir–putin–and–his–entourage–want–war


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%ad%d8%b8%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%88%d9%81%d9%8a%d8%aa%d9%8a%d8%a9/