المكانة الدولية:

لماذا تهتم دولة الإمارات بتطوير برنامج الفضاء الخارجي؟
المكانة الدولية:
4 أغسطس، 2022

أعلنت دولة الإمارات، في 25 يوليو 2022، عن اختيار رجل الفضاء الإماراتي “سلطان النيادي” أول رائد فضاء عربي سيقضي ستة أشهر في محطة الفضاء الدولية لأداء مهمة (SpaceX Crew-6) المقرر إطلاقها في النصف الأول من عام 2023 من مركز كينيدي للفضاء في فلوريدا بالولايات المتحدة، وهو الأمر الذي يعزز مكانة الإمارات ضمن الدول التي شاركت في المهمات الطويلة الأمد في الفضاء لتصبح في المرتبة الحادية عشرة بين الدول. وتأتي هذه الجهود منذ إعلان دولة الإمارات في أبريل الماضي عن تأمين مهمة لمدة ستة أشهر إلى محطة الفضاء الدولية لرائد فضاء إماراتي بعد حجز مقعد على صاروخ سبيس إكس من شركة أكسيوم سبيس الخاصة.

تطورات رئيسية

شهد برنامج الفضاء الإماراتي العديد من التطورات الرئيسية خلال السنوات الأخيرة ويمكن تناولها فيما يأتي:

1- التوسع في برنامج رواد الفضاء: منذ الإعلان عن برنامج الإمارات لرواد الفضاء في عام 2017 التحق كل من “سلطان النيادي” و”هزاع المنصوري” إلى مجموعة كبيرة من التدريبات، صممت خصيصاً لأداء المهمات بأنواعها، ومنها طويلة الأمد؛ حيث تلقى الاثنان تدريباتهما بمركز (يوري جاجارين) لتدريب رواد الفضاء في موسكو، كما تلقيا تدريبات في هيوستن بولاية تكساس الأمريكية، وكولن في ألمانيا، ضمن اتفاقيات شراكة مع كبرى الوكالات الفضائية، وهي: ناسا، ووكالة الفضاء الأوروبية (إيسا)، ووكالة استكشاف الفضاء اليابانية (جاكسا). علاوة على ذلك، قضى “سلطان النيادي” خمس سنوات تحضيرية لرحلات الفضاء البشرية الطويلة المدى، خاض خلالها تدريبات مكثفة حتى حصل على شارة رواد الفضاء من مركز جونسون للفضاء التابع لوكالة (ناسا).

2- تأسيس الصندوق الوطني لدعم قطاع الفضاء: أعلن صاحب السمو الشيخ “محمد بن زايد آل نهيان” رئيس دولة الإمارات، في 17 يوليو 2022، عن “تأسيس صندوق وطني لدعم قطاع الفضاء برأسمال 3 مليارات درهم، وهو الصندوق الذي سيسهم بدوره سيسهم في دعم تأسيس شركات وطنية في قطاع الفضاء، ودعم المشاريع الاستراتيجية الوطنية والبحثية الجديدة، وتطوير قدرات الكوادر الهندسية الإماراتية في تكنولوجيا الفضاء”.

كما أكد صاحب السمو الشيخ “محمد بن راشد”، يوم 17 يوليو 2022، أهمية الصندوق؛ حيث ذكر في تغريدة على تويتر: “أطلقت الإمارات اليوم صندوق الفضاء برأسمال ٣ مليارات درهم، وهدفه دعم تأسيس شركات وطنية في قطاع الفضاء، ودعم المشاريع الاستراتيجية الوطنية والبحثية الجديدة، وتطوير قدرات كوادرنا الهندسية الإماراتية في تكنولوجيا الفضاء. فقط بالعلوم المتقدمة نستطيع المساهمة في مسيرة التطور البشري”.

3- الإعلان عن خطط لإطلاق أقمار صناعية رادارية: كشفت دولة الإمارات، في 17 يوليو 2022، عن خططها لإطلاق كوكبة من الأقمار الاصطناعية الرادارية. وبحسب البيانات الرسمية الصادرة عن الحكومة الإماراتية، يضم المشروع الوطني النوعي للأقمار الاصطناعية الرادارية أول قمر اصطناعي عربي للاستشعار الراداري. وسيوفر البرنامج، الذي يمتد إلى 6 سنوات، بيانات متواصلة من الفضاء على مدار الساعة، وفي جميع الحالات الجوية، يتم فيه استخدام تكنولوجيا متطورة تصل فيها دقة التصوير إلى أقل من متر، كما سيجري من خلاله تطوير سرب من الأقمار الرادارية التجارية لدعم القطاعات الاقتصادية وعدد من القطاعات الحيوية في الدولة.

4- المراهنة على القدرة الاستكشافية لمسبار الأمل: يعتبر مسبار الأمل أول مشروع عربي إماراتي لاستكشاف الكواكب الأخرى، وأشرف على بنائه فريق المهمة الذي يضم 200 مهندس إماراتي، و200 مهندس وعالم في معاهد شريكة في الولايات المتحدة. وفي هذا الإطار، عزز نجاح مهمة مسبار الأمل إلى كوكب المريخ غير المأهول العام الماضي، التي تم إطلاقها من مركز تانيجاشيما للفضاء الياباني، مكانة دولة الإمارات لكونها أول دولة عربية وخامس دولة تزور الكوكب الأحمر بوجه عام.

5- الاهتمام الكبير بالبُعدَين الاستراتيجي والمؤسسي: ينطوي التوجه الإماراتي نحو قطاع الفضاء على اهتمام كبير بصياغة استراتيجيات متكاملة للفضاء، وتشكيل مؤسسات وطنية تستهدف تحقيق أهداف الدولة في المجال الفضائي؛ إذ تعتمد الإمارات على مجموعة من الأطر القانونية والاستراتيجية الخاصة بمجال الفضاء؛ وذلك على غرار السياسة الوطنية للفضاء الصادرة في سبتمبر 2016، التي تهدف إلى “بناء قطاع فضائي إماراتي قوي مستدام، يعمل على دعم وحماية المصالح الوطنية والقطاعات الحيوية، ويساهم في تنويع اقتصاد الدولة ونموها”.

كما أطلقت الإمارات، في مارس 2019، الاستراتيجية الوطنية للفضاء 2030، التي كانت تستهدف تطوير مشروعات الدولة في القطاع الفضائي والتنسيق فيما بينها. وفي سبتمبر 2020، أطلق مركز محمد بن راشد للفضاء الاستراتيجية الجديدة للفضاء 2021-2031 التي تضمنت عدداً من المشروعات الرائدة، وفي مقدمتها مشروع الإمارات لاستكشاف القمر، وهو المشروع الذي شمل تطوير وإطلاق أول مستكشف إماراتي للقمر تحت اسم “راشد”.

بالإضافة إلى ذلك، كان البعد المؤسسي حاضراً في سياسات الفضاء الإماراتية؛ فعلى سبيل المثال، تم إصدار مرسوم عام 2006 لتأسيس مؤسسة الإمارات للعلوم والتقنية المتقدمة، وفي عام 2014، تم إنشاء وكالة الإمارات للفضاء، هيئةً اتحاديةً عامةً تتبع مجلس الوزراء. وفي عام 2015 تم الإعلان عن تأسيس مركز محمد بن راشد للفضاء، وبموجب قرار التأسيس تم دمج مؤسسة الإمارات للعلوم والتقنية المتقدمة مع مركز محمد بن راشد للفضاء.

6- دعم الشراكات مع الدول الأخرى: سعت دولة الإمارات خلال السنوات الماضية إلى تعزيز الشراكات مع الدول الأخرى، وخاصةً تلك التي تمتلك خبرات متقدمة في مجال الفضاء. وظهر ذلك على سبيل المثال، مع توقيع مشروع الإمارات لاستكشاف المريخ “مسبار الأمل”، في أبريل 2022، اتفاقية تعاون مع مهمة “مافن” لاستكشاف المريخ التابعة لوكالة “ناسا”، وهي اتفاقية تستهدف تحليل البيانات العلمية. وقد علَّق سمو الشيخ “محمد بن راشد” على الاتفاقية بقوله إن “التعاون العلمي بين الدولتين في مجال الفضاء سيعود بالمعرفة على الجميع”.

كما عززت دولة الإمارات تعاونها مع عدد من الدول الأخرى، مثل اليابان؛ حيث تم توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم على غرار مذكرة التعاون، في عام 2016، بين “وكالة الإمارات الفضائية” ووكالة “جاكسا” لتعزيز القطاع الفضائي المشترك. كما مثلت روسيا أحد الشركاء المهمين للإمارات في هذا المجال؛ ففي عام 2018 على سبيل المثال تم توقيع اتفاقية بين الإمارات وروسيا لإرسال أول رائد فضاء إماراتي إلى محطة الفضاء الدولية على متن مركبة “سويوز إم إس” الفضائية.

دوافع الاهتمام

يعود اهتمام الإمارات بعلم الفلك وعلوم الفضاء إلى سبعينيات القرن الماضي؛ عندما التقى المغفور له الشيخ “زايد بن سلطان آل نهيان” فريق ناسا المسؤول عن هبوط أبولو على سطح القمر. وأثار هذا اللقاء اهتماماً وطنياً بالفضاء، تعاظمت ملامحه خلال السنوات الماضية مع الإعلان عن العديد من البرامج والمبادرات المتعلقة باستكشاف الفضاء الخارجي. وفي هذا الإطار، يمكن القول إن سياسات الإمارات في قطاع الفضاء الخارجي ترتبط بعدد من الدوافع الرئيسية المتمثلة فيما يأتي:

1- تطوير قطاع الاتصالات: كانت بداية اهتمام الإمارات بمجال الفضاء متصلة، بشكل أو بآخر، بطموحات تطوير قطاع الاتصالات. فقد تم إنشاء شركتي “الثريا للاتصالات” و”الياه سات” للاتصالات الفضائية، وهي شركة إماراتية رائدة في تشغيل وتوفير خدمات الاتصالات عبر الأقمار الصناعية لربط المجتمعات على مستوى العالم، وتغطي اليوم أكثر من 80% من سكان العالم؛ إذ توفر لهم خدمات اتصالات رئيسية تشمل الإنترنت، والبث الفضائي، وربط الشبكات، وحلول الاتصالات، كما توفر الشركة مجموعة واسعة من الحلول على النطاقات الترددية  CوKu وKa وL للمنصات الأرضية والبحرية والجوية. وتعتبر الشركة المزود المفضل لحلول الأقمار الصناعية للهيئات الحكومية في دولة الإمارات.

2- استغلال الموارد المتاحة في الفضاء الخارجي: فالكثير من الدراسات تشير إلى احتمالية وجود موارد قابلة للاستغلال في الأجرام السماوية والكواكب الأخرى، وهي الموارد التي قد تستفيد منها دولة الإمارات في تعزيز قدراتها؛ إذ أظهرت الدراسات، على سبيل المثال، أن الماء موجود على سطح القمر، ويمكن استخدام هذه المياه وقوداً للصواريخ، وهو الأمر الذي قد يخفض تكلفة بعض المهام التي تقوم بها في الفضاء الخارجي مستقبلاً.

3- مضاعفة مساهمة قطاع الفضاء في الاقتصاد الإماراتي: تعكس سياسات الفضاء الإماراتية مساعي أبوظبي إلى دعم اقتصادها، وتعزيز مساهمة قطاع الفضاء في الاقتصاد الإماراتي؛ فخلال السنوات الماضية بات قطاع الفضاء واحداً من القطاعات الواعدة اقتصادياً بالنسبة إلى العديد من الدول؛ فالتقديرات تشير إلى أن اقتصاد الفضاء العالمي بلغ في عام 2019 نحو 366 مليار دولار، وكانت 95% من هذه الإيرادات مرتبطة بالخدمات والسلع الفضائية المنتجة للاستخدام على الأرضthe space-for-earth economy، التي تشمل على سبيل المثال الاتصالات السلكية واللاسلكية والبنية التحتية للإنترنت، وقدرات مراقبة الأرض، والأقمار الصناعية للأمن القومي، كما تتوقع مؤسسة Morgan Stanley أن تصل إيرادات صناعة الفضاء العالمية إلى أكثر من تريليون دولار في عام 2040.

4- دعم المكانة العالمية لدولة الإمارات: يرتبط اهتمام الإمارات بالفضاء الخارجي بمساعي دعم مكانتها العالمية بوصفها إحدى الدول النشيطة في المجال، وخاصةً أن الفضاء الخارجي تحول إلى أداة لتعزيز سمعة الدول وصورتها على المستوى العالمي، أو على حد تعبير Robert C. Harding فإن الدول “تتبع سياسات فضائية نشطة لاعتقادها أن الفضاء هو، من نواح كثيرة، المقياس النهائي للقوة الوطنية والهيبة الدولية والإمكانات الوطنية الواضحة”. ومن وجهة نظره، أصبح البرنامج الفضائي الناجح ذو قدرة الإطلاق المستقلة وسيلة فعالة للدولة؛ ليس فقط لتحقيق فوائد عملية، بل أيضًا لتعزيز مكانتها الوطنية في الداخل والخارج.

5- تعزيز الكوادر البشرية الإماراتية: حددت وكالة الإمارات للفضاء 6 مبادرات رئيسية لتأهيل العنصر البشري في دولة الإمارات بهدف تعزيز قطاع الفضاء بالكوادر الوطنية المؤهلة والقادرة على قيادة المشاريع والمهام الفضائية المستقبلية، ولضمان وجود الاستدامة في الأهداف الفضائية للدولة خلال المرحلة المقبلة. ولذا تم طرح مجموعة من المبادرات لطلبة المدارس والجامعات تشجع على تقديم الأفكار والحلول التي سيجري تطبيقها في المهام الفضائية الإماراتية؛ حيث تساعد هذه المبادرات على طرح أفكار جديدة لبناء الأقمار الاصطناعية المصغرة، مثل قمر “ضوء-1” الذي سيُضاف إلى الأقمار الاصطناعية الإماراتية المصغرة قريباً، وهو نتيجة لمسابقة تحدي القمر الاصطناعي الإماراتي.

وفي هذا السياق، استُحدث برنامج الإمارات لرواد الفضاء الذي يُعَد من أكثر البرامج إلهاماً لتلبية طموحات الشباب وأصحاب القدرات المتفردة على المستوى العلمي والمهارات الشخصية، ونتج عن البرنامج أول فريق إماراتي مكون من 4 رواد فضاء، وهم: “هزاع المنصوري” و”سلطان النيادي” و”محمد الملا” و”نورا المطروشي” التي تعد أول رائدة فضاء عربية، وقد تم تجهيز المجموعة للقيام بمهمات فضائية نوعية في المستقبل.

6- الوصول إلى الاكتفاء الذاتي الفضائي: تتحرك دولة الإمارات في مجال الفضاء من رؤية مركزية مفادها زيادة القدرات الذاتية والوصول إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي الفضائي؛ فبعد المشاريع القائمة المستقبلية في قطاع الفضاء الإماراتي، ستخطو الإمارات خطوات جادَّة نحو بناء منصة إطلاق الصواريخ أو حسب ما يسميها أهل الاختصاص “موانئ فضائية”؛ فدولة الإمارات ومحيطها وموقعها الاستراتيجي كل ذلك يحقق عدداً من الشروط المثلى للميناء الفضائي الذي سيعود بالنفع على الدولة اجتماعياً واقتصادياً ويحقق عوائد مهمة، كما سيشجع على تعلم علوم جديدة وخلق وظائف جديدة.

ختاماً.. فإن المبادرات التي تبنتها دولة الإمارات خلال السنوات الماضية يمكن أن تدعم حضورها ضمن الدول الرئيسية في قطاع الفضاء، وهو ما يساعد الدولة على الترويج لسمعتها الدولية، وخاصةً مع التطوير المستمر في الاستراتيجيات والأهداف وطرح خطط طموحة على غرار مهمة الإمارات لاستكشاف حزام الزهرة والكويكبات 2028، ولاستكشاف القمر 2024، ومشروع العلوم المدنية في المريخ. والأمر المؤكد أيضاً أن هذا الاهتمام بالمجال الفضائي ينطوي على بعض المكاسب الاقتصادية للدولة، وخاصةً أن السنوات الماضية شهدت تداخلاً متزايداً بين الفضاء والعديد من القطاعات والمجالات الحيوية في الاقتصاد، مثل قطاعات الاتصالات والأرصاد الجوية والاستشعار عن بعد وغيرها، ناهيك عن الاستخدامات الدفاعية، وهي متغيرات تُضاعف من أهمية القطاع الفضائي الاقتصادية.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%83%d8%a7%d9%86%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d9%84%d9%8a%d8%a9/