الممر الآسيوي:

مستقبل التفاعلات بين دول الخليج ومنطقة الهندوباسيفيك (ورشة عمل)
الممر الآسيوي:
7 يونيو، 2022

عقد إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية، في 23 مايو 2022، ورشة عمل بعنوان: “مستقبل التفاعلات بين دول الخليج العربي ومنطقة الهندوباسيفيك”، استضاف خلالها د. جان لو سمعان الباحث الأول المقيم في معهد الشرق الأوسط التابع للجامعة الوطنية بسنغافورا. وقد تناولت الحلقة النقاشية المداخل الرئيسية لفهم مستقبل التفاعلات بين دول الخليج العربي ومنطقة الهندوباسيفيك، من خلال إلقاء الضوء على محددات العلاقات الخليجية الآسيوية، كنقطة انطلاق، ثم تصاعد ظاهرة التحالفات الدولية في منطقة الهندوباسيفيك، ومحددات الرؤية الخليجية للإقليم، وأبرز التحديات المتعلقة بالمصالح الخليجية في منطقة الهندوباسيفيك.

محددات رئيسية

استهلت الورشة مناقشاتها بتأكيد أنه يمكن فهم محددات العلاقات الخليجية الآسيوية عبر عدة مداخل التي يمكن توضيحها عبر ما يأتي:

1– الروابط الدينية والثقافية الممتدة: بحسب ورشة العمل، فإن العلاقات بين منطقة الخليج وآسيا علاقات ممتدة قديمة الأزل؛ لاعتبارات دينية وثقافية، بالنظر إلى ارتباط البلاد التي تطل على المحيط الهندي، مثل الجزيرة العربية، وجنوب آسيا، برباط ديني مشترك، وهو الديانة “الإسلامية”. ويذكرنا المؤرخون دائماً أنه تاريخياً كانت هناك علاقات بين الدول أو المناطق المطلة على المحيط الهندي. وإذا كنا سوف نتحدث عن شرق إفريقيا أو الخليج أو جنوب شرق آسيا، فكل هذه المناطق لديها خلفيات سياسية وتاريخية متباينة، ولكن الإسلام هو الرابط الواضح بينها؛ لهذا كان هناك تبادل ثقافي بين الخليج العربي وبقية أجزاء المحيط الهندي.

2– التنقل البشري وحركات الهجرة المتبادلة: وفقاً للورشة فإن حركة الانتقال البشري بين الخليج العربي وجنوب شرق آسيا حركة تاريخية ممتدة، لكنها تزايدت بقدر كبير في القرن العشرين؛ وذلك بسبب الاكتشافات النفطية في الخليج العربي؛ حيث يوجد عمال من جنوب شرق آسيا في منطقة الخليج، لكن تاريخياً هناك روابط عائلية ممتدة بين منطقة الخليج ودول آسيوية مهمة مثل باكستان والهند وغيرهما. ولقد تزايدت هذه العلاقة في السبعينيات من القرن الماضي بسبب ظهور النفط في هذه المنطقة، وبسبب زيادة الطلب عليه؛ ولهذا فإن الكثير من الهنود والباكستانيين يعيشون في منطقة الخليج، هذه كلها نقاط مهمة توضح لنا أنها علاقات قديمة وليست علاقات جديدة.

3– صعود آسيا وإعادة تشكيل سوق الطاقة: مع ظهور الاقتصاديات الناشئة في آسيا، كالصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، التي تمثل أقوى الاقتصادات الناشئة في الاقتصاد العالمي الحالي، تعمقت العلاقات الخليجية الآسيوية. وبالنظر إلى خريطة الصادرات النفطية العالمية، بحسب الورشة، فإن صادرات النفط السعودية إلى آسيا تمثل نحو 77% من الصادرات النفطية السعودية، في حين أن أوروبا تمثل نحو 10% من صادرات السعودية من النفط، وهو أمر يوضح طبيعة العلاقات. والأمر نفسه بالنسبة إلى الكويت؛ حيث إن 80% من صادرات الكويت النفطية تذهب إلى منطقة آسيا والباسيفيكي. أما أوروبا فتمثل 8% فقط من صادرات النفط الكويتية؛ لذلك فهي سياسة إقليمية.

4– توجه دول الخليج استراتيجياً نحو آسيا: ذهبت الورشة إلى أن النفط ليس العامل الوحيد في العلاقات الراهنة المتطورة بين دول الخليج والقارة الآسيوية؛ إذ إن هناك دينامية استراتيجية تتمثل في التوجه الاستراتيجي الخليجي نحو القوى الآسيوية الرئيسية، في إطار توزيع الدبلوماسية الخليجية وتنويع التحالفات الاستراتيجية. وفي هذا الإطار، يمكن فهم كثافة الزيارات الدبلوماسية بين دول الخليج والدول الآسيوية؛ فهناك قادة من دول الخليج أجروا زيارات مهمة ومتعددة إلى الدول الآسيوية.

وعلى الجانب الآخر، فإن القوى الآسيوية الكبرى، وخاصة الصين باتت لا تنظر إلى إقليم الخليج العربي من الناحية الاقتصادية فقط، بل تنظر إليه أيضاً من الناحية الاستراتيجية. ومع تراجع النفوذ الاستراتيجي للولايات المتحدة والمعسكر الغربي في هذه المنطقة وتراجع أولويتها لدى الإدارة الأمريكية الحالية والسابقة، عمدت دول الخليج إلى تنويع علاقاتها الاستراتيجية بالدول الآسيوية، وهو ما ردت عليه الأخيرة بالمثل، فتزايدت وتيرة العلاقات الخليجية الآسيوية، وخاصةً الصين والهند واليابان.

تحالفات الهندوباسيفيك

أكدت الورشة أن التحول الخليجي تجاه آسيا يرتبط أيضاً بتزايد أهمية منطقة الهندوباسيفيك في الاستراتيجيات الدولية، وهو ما يمكن استعراض أبرز ملامحه على النحو الآتي:

1– محور “أوباما” في آسيا والمحيط الهادئ: وفقاً للورشة، فقد بدأ تشكيل سياسة خاصة لمنطقة الهندوباسيفيك في الولايات المتحدة في عهد إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما، وامتد إلى إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، واستمر حتى الآن؛ فقد كانت إدارة “أوباما” تركز على منطقة الهندوباسيفيك، لكن البيت الأبيض لم يكن يود استخدام هذا المصطلح أثناء إدارة أوباما. والسبب في هذا أن الولايات المتحدة تود أن تعطي الأولوية لآسيا؛ وذلك من وجهة نظر إدارة “أوباما” التي كانت تود أن تقلل علاقاتها بالشرق الأوسط، وأن تبدأ بالتركيز على شرق آسيا.

وقد ظهر ذلك في مقالة كتبتها هيلاري كلينتون في عهد إدارة “أوباما”، نهاية عام 2011، ذهبت إلى أن الخارجية الأمريكية كانت تريد تأكيد الاهتمام بمشكلة صعود تنظيم “داعش”؛ لذلك لم ترغب في تبني سياسات إقليمية كلية إزاء منطقة الهندوباسيفيك، بما يستوجب تغيير الموارد، وإعادة ترتيب الأولويات. ومن ثم فإنه بنهاية فترة إدارة “أوباما” كان الشرق الأوسط، وبالأخص إيران وسوريا، نقاط التركيز الرئيسية للولايات المتحدة.

2– تدشين استراتيجية الهادئ في عهد “ترامب: مع فترة إدارة “ترامب” منذ 2016، تم وضع مقاربة أمريكية مختلفة تجاه آسيا، لكن من المهم التذكير بأنه في نهاية رئاسة “أوباما” كانت العلاقات الأمريكية مع الصين تسوء كثيراً، وكانت هناك شكوك من الجانبين بأن كل جانب يحفزه المواجهة العسكرية مع الطرف الآخر. وخلال رئاسة “ترامب” أصبح تحجيم الصين محور الاهتمام الأمريكي؛ لذلك فإنه بدءاً من عام 2013، تمت إعادة تسمية إدارة القوات العسكرية الأمريكية في تلك المنطقة، التي كانت تسمى في السابق قيادة “الباسيفيك”، لتصبح قيادة “الهندوباسيفيك”.

3– تشكيل واشنطن تحالفَي “كواد” و”أوكوس: بعد مغادرة “ترامب” ورجوع الديمقراطيين إلى البيت الأبيض، اتجهت إدارة “بايدن” إلى بناء وإحياء ترتيبات إقليمية جديدة في منطقة الهندوباسيفيك، فجرى إحياء “الحوار الرباعي” الذي يشمل الهند وأستراليا والولايات المتحدة واليابان “الكواد”، الذي جمع الدول الأربعة منذ عام 2007، في عهد جورج بوش الابن، ثم أطلق إدارة “بايدن” تحالف “أوكوس” الذي أعلن عنه في سبتمبر 2021، ويشمل الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا؛ بهدف خلق ترتيب آخر به ثلاثة بلدان العنصر الأكبر بها هو العنصر العسكري؛ حيث توفر الولايات المتحدة الطاقة النووية للغواصات في هذه المنطقة.

رؤية الخليج

استطردت الحلقة النقاشية في الحديث عن منظور الخليج تجاه منطقة الهندوباسيفيك؛ وذلك في ظل وجود مثلث استراتيجي في المحيطين الهادئ الهندي، ثلاثي الأقطاب، بين واشنطن وبكين ونيودلهي. ويمكن توضيح ذلك عبر ما يأتي:

1– عدم وجود رؤية خليجية خاصة للهندوباسيفيك: وفقاً للورشة، فإنه في الفترة الحالية، ليس لدى دول الخليج سياسة خاصة تجاه منطقة الهندوباسيفيك، ولم يقم أي من أعضاء دول مجلس التعاون الخليجي، بأي مقاربة مع دول الهندوباسيفيك، كما أن دول الخليج لا تزال تنظر إلى هذا المصطلح بحذر، تأثراً باختلاف التعريفات الأمريكية للإقليم، التي تبدو سياسية إلى حد كبير، وليست جغرافية يمكن التعامل معها باعتبارها مفهوماً واضحاً ومحدداً.

فبتحليل استراتيجية إدارة “بايدن” حتى الوثيقة التي تم إصدارها من طرف إدارته بخصوص الهندوباسيفيك، نجد أنها مختلفة عما كان متداولاً في عهد إدارة “ترامب”؛ فالهندوباسيفيك أصبحت تُعرَّف بأنها المنطقة التي تمتد من السواحل الشرقية للمحيط الهادئ إلى السواحل الغربية للمحيط الهندي، ومن ثم فهي تمتد من القرن الإفريقي وخليج عدن باعتبارهما مدخلاً للهندوباسيفيك، وهذا يضع دول الخليج في هذه المنطقة.

أما المقاربة التي اعتمدتها إدارة “ترامب” للهندوباسيفيك، فكانت مقاربة آسيوية في الأساس؛ أي تبدأ من الهند وباكستان، ولا تضع بعين الاعتبار دول الخليج؛ ما أحاط المصطلح بدرجة من الغموض وعدم اليقين لدى دول الخليج.

2– اعتبار الهندوباسيفيك منطقة استقطاب دولي: ذهبت الورشة إلى أن هناك أبعاداً استقطابية متزايدة في منطقة الهندوباسيفيك؛ حيث أصبحت الدول الواقعة في هذه المنطقة تواجه صعوبات كبيرة في البقاء على الحياد، خاصةً مع تصاعد حدة المنافسة بين الولايات المتحدة والصين في تلك المنطقة الاستراتيجية. هذا البعد الاستقطابي يمثل تحدياً لدى الدول التي تريد تنويع مظلة علاقاتها الاستراتيجية بالقوى الدولية الكبرى، وهو ما يبدو في الحالة الخليجية التي تريد استمرار العلاقات الوثيقة مع واشنطن، والانفتاح المرن على بكين لاعتبارات اقتصادية واستراتيجية وعسكرية متعددة.

3– مركزية المثلث الاستراتيجي “واشنطن – بكين – نيوديلهي: وفقاً للورشة، فإن هناك مثلثاً استراتيجياً ثلاثي الأقطاب في منطقة الهندوباسيفيك، يتمثل في كل من واشنطن وبكين ونيودلهي. وهذا لا يعني أن هناك تحالفات واضحة بين واشنطن ونيودلهي لمواجهة بكين، لكن على الجانب الآخر، ورغم تحديات العلاقة الشائكة بين الهند والصين، فإن نيودلهي قد تنضم في المستقبل إلى اتفاقية تضم الصين لاعتبارات خاصة بها، ولكن هذا لن يحدث تلقائياً.

لهذا رأينا أن الهند لم تقم بإدانة التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا؛ لأسباب استراتيجية تخصها، ورأينا أن بعض دول الخليج ذات صلة بالدول الثلاثة اضطرت إلى الاستجابة لوجود هذا المثلث الاستراتيجي في تلك المنطقة الحيوية من العالم.

4– الوجود الأمريكي في منطقة الخليج: بحسب الورشة، ففي هذا الخصوص علينا أن نتذكر أن الولايات المتحدة لا تزال لاعباً أساسياً في منطقة الخليج، برغم أنها تقلص وجودها هناك؛ فالولايات المتحدة هي أكبر قوة لها حضور في الخليج، وهو حضور يفوق بكثير الحضور الصيني؛ حيث لا يزال الوجود الأمريكي في قطر والكويت والبحرين وغيرها قوياً للغاية. وبرغم أن هنالك حديثاً أمريكياً عن تقليص الوجود في منطقة الخليج، فإن هذا أمر من المستبعد أن يتم في السنوات القليلة القادمة، وهذا أيضاً من العناصر التي تؤثر على دول الخليج، وتسعى إلى التموضع استراتيجياً في منطقة الهندوباسيفيك.

تحديات متعددة

ناقشت الورشة كيفية تجنب المنافسات الاستقطابية في منطقة الهندوباسيفيك، وتعزيز مفاهيم الشراكة الاستراتيجية والازدهار الاقتصادي، بجانب التوازن الشامل والآليات المتعددة الأطراف، التي ترتبط بالدول الصغيرة ودورها في نظام الأمن الإقليمي. ويمكن توضيح ذلك عبر ما يأتي:

1– ضرورة تجنب الوقوع في فخ الاستقطاب: بحسب الورشة فإن العلاقة الاستراتيجية الأقوى لدول الخليج هي مع الولايات المتحدة، وليس هناك شك في أن الولايات المتحدة هي الشريك الأكبر لدول الخليج لسنوات مقبلة؛ فالمستقبل الاستراتيجي للخليج يتوقف على العلاقة مع الولايات المتحدة.

لكن في نفس الوقت، فإن مستقبل الرخاء في الخليج العربي لا يتوقف على الولايات المتحدة، بل يتوقف على آسيا وبالذات الصين. هذه هي المعضلة الأساسية التي تواجه دول الخليج. والأمر الإيجابي هنا هو أن هذه المعضلة لا توجد في الخليج فقط، بل هناك دول أخرى في آسيا تواجه المعضلة نفسها.

وشددت الورشة على أنه إذا أردت أن تحافظ على علاقات متوازنة فعليك أن تحتفظ بعلاقات قوية بجميع القوى العظمى؛ لأن هذا هو الطريق الوحيد الذي يُمكن القوى الإقليمية من أن تدافع على مصالحها من خلال لعبة التوازنات وعدم الوقوع في فخ التحالفات الاستقطابية. وأكدت الورشة أن الدول الخليجية ليست في حتمية الاختيار بين الولايات المتحدة والصين، بل عليها أن تختار أولوياتها وفقاً لأمنها القومي ومصالحها الاقتصادية.

2– تعدد التهديدات الأمنية في الهندوباسيفيك: بحسب الورشة، فإنه بالنسبة إلى التهديدات الرئيسية بمنطقة الهندوباسيفيك، فإن بعض الدول، مثل الولايات المتحدة أو الهند، سوف تعتبر أن الصين وتوسعها في المحيط الهندي تحدياً على المستوى الأمن؛ فهناك مخاوف من الأسطول الصيني في المحيط والقاعدة العسكرية للصين في جيبوتي، وتمدد الصين بموانئ في جنوب شرق آسيا، لكنه رأي لا تتشارك فيه جميع البلاد.

لكن على جانب آخر، لو نظرنا إلى منطقة الهندوباسيفيك، فسنجد هناك منطقة يتم استخدامها من جهة شبكات التوسع النووي، من القرن الإفريقي إلى كوريا الشمالية، كما أن هناك صواريخ باليستية وتكنولوجيا متعددة في هذه المنطقة.

وهناك أيضاً شبكات إرهابية تعمل في هذه المنطقة كما رأينا في العشرين سنة الماضية، وهو أن في المحيط الهندي، على نحو ما، تعاملات بين المنظمات الإرهابية في جنوب شرق آسيا، التي تتبادل الخبرات وتتعاون وتتشارك في المعلومات والتكنولوجيا مع منظمات أخرى من المنطقة العربية والشرق الأوسط.

هذا بجانب مشكلة القرصنة في المحيط الهندي، وخاصة في المنطقة القريبة من منطقة القرن الإفريقي وباب المندب. هذا جزء من المحيط الهندي، ترى فيه جوانب لضعف الدول الإفريقية في هذه المنطقة، وهناك عدم قدرة على مواجهة مشكلة القرصنة؛ فهناك في هذه المنطقة علاقات دبلوماسية تتأثر بهذا التنافس الاستراتيجي.

فالقرصنة والإرهاب يؤثران بدرجة رئيسية على أمن الخليج؛ فالحوثيون مثلاً دأبوا على إطلاق العديد من الصواريخ الباليستية على كل من السعودية والإمارات، فأصبحوا لاعباً غير شرعي يهدد أمن الخليج، وهذا لم نكن نتوقعه قبل عدة سنوات، ويرتبط بأمن الخليج في المحيط الهندي. وأغلب التكنولوجيا التي حصل عليها الحوثيون كانت من إيران عبر سفن كانت تعبر المحيط الهندي.

3– تصاعد الاهتمام الإيراني بمنطقة الهندوباسيفيك: ذهبت الورشة إلى أنه نظراً إلى أن إيران تقع تحت الكثير من العقوبات منذ نحو أربعة عقود، فإنها تنظر إلى منطقة الهندوباسيفيك تلقائياً؛ لأنه يمكنها أن تصل بعلاقاتها مع دول تلك المنطقة إلى مستوى من الفرص الاقتصادية لا يمكن أن تحصل عليه من أوروبا والولايات المتحدة. ومن ثم فإن طهران تتجه شرقاً لهذا السبب، ولديها علاقات جيدة بالهند، كما أن الصين لديها نفوذ كبير في إيران؛ فعندما نصل إلى موضوع الصواريخ العابرة للقارات، فإن إيران تستعمل التكنولوجيا الصينية منذ التسعينيات بجانب البرامج الكورية، وهذا لا يقتصر على مجال تكنولوجيا الصواريخ العابرة للقارات.

وأكدت الورشة أن الصين في الوقت الحاضر لا تعتزم التخلي عن علاقتها مع إيران، ولا رغبة لها في الاختيار بين دول الخليج وإيران، لكن مع ذلك فإن إيران لا يوجد لديها الكثير الذي يمكن أن تقدمه إلى منطقة الهندوباسيفيك؛ حيث يُنظر إلى إيران باعتبارها سوقاً صعبة؛ ليس بسبب العقوبات فحسب، بل لقدراتها وهيكلتها الاقتصادية؛ فهي بلد يقوم الحرس الثوري بالتحكم في اقتصاده بالسيطرة عليه، وهذا يؤثر على الإمكانات الاقتصادية في علاقات دول الهندوباسيفيك مع إيران.

أما بالنسبة إلى دور إيران العسكري فإن الإيرانيين نشطون في المبادرات البحرية بالمحيط الهندي، لكن ليس في منطقة المحيط الهادئ؛ فقد عقدت ورش عمل وتدريبات بحرية للترويج للأمن البحري، ولكن بالنسبة إلى القدرات البحرية، فإن إيران لديها محدودية في تلك القدرات؛ حيث تركز أكثر ما يكون على مضيق هرمز، والمنطقة التي تمتد من مضيق هرمز إلى باب المندب، ولا يوجد لديها قدرات للعب دور في تلك المنطقة أكبر من ذلك.

4– غموض مبادرة الحزام والطريق بالهندوباسيفيك: ذهبت مناقشات الورشة بخصوص مبادرة الحزام والطريق، إلى أنه منذ عام 2013 حتى عام 2019 كان الجميع يتحدث عن هذه المبادرة، وكانت الحكومة الصينية تروج لها باعتبارها برنامجاً كبيراً يتم إنشاؤه، وسيغير العلاقات الجيوسياسية بين الصين وأوروبا. وكان الانطباع أن كل هذه المشاريع التي تقوم بها الصين سوف يتم تنفيذها، ولكن منذ ظهور جائحة كورونا، اكتشف الناس أن هذه المبادرة، كانت مقتصرة على استثمارات محددة؛ فالصين كانت تقوم بالإقراض بدون أن تنظر إلى مشاريع معينة، كما حدث في إفريقيا وجنوب شرق آسيا. وبعض المشاريع توقفت، وبعضها لم يتم تنفيذها بالكامل أو على الإطلاق.

وختاماً، وفقاً للورشة فإنه بالنظر إلى خريطة استثمارات الصين عبر العالم، نجد أن بكين لا تقوم بالاستثمار أساساً في الولايات المتحدة أوروبا، وهو أمر مثير للاهتمام؛ فلو نظرنا إلى استثمارات الصين فهي في الحقيقة لا تقدم الرؤية التي نراها من فكرة الحزام والطريق؛ فالاستثمارات الصينية هي استثمارات تقليدية في أسواق المال وغيرها، وما نراه الآن، بالنسبة إلى المشروعات الصينية، من سيرها على نحو متباطئ، وربما بسبب الجائحة على مدى العامين السابقين، فإن هذه المبادرة لم تظهر على الأجندة، وتغيرت نبرة الخطاب بخصوصها، وربما قل الاهتمام بها.

وذهبت الورشة إلى أن الصين حالياً تركز على أوضاعها الداخلية ومحاولتها القضاء على جائحة كورونا داخل البلاد، ولم تعد تقدم نفسها على أنها قائد الاقتصاد الدولي مثلما كان الحال في الفترة من 2013 إلى 2019؛ فالمبادرة أوقتفها الجائحة الحالية، كما أنه ليست في حد ذاتها إطاراً للتعاون في الإقليم، أو في دول المحيطين الهادي والهندي؛ لذا علينا أن ننتظر عند انتهاء الجائحة ونرى إذا ما كانت الصين ستُعيد إحياء مبادرة الحزام والطريق بأسلوب أكثر جاذبية لدول الهندوباسيفيك.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%85%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a2%d8%b3%d9%8a%d9%88%d9%8a/