النفوذ البحري:

لماذا أصدرت روسيا العقيدة البحرية الجديدة؟
النفوذ البحري:
3 أغسطس، 2022

للقراءة بصيغة PDFHTML tutorial


أعلن الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”، خلال الكلمة التي ألقاها في سان بطرسبرج بمناسبة يوم الأسطول الحربي الروسي، في 31 يوليو 2022، عن توقيعه على مرسوم رئاسي يقر بموجبه العقيدة البحرية الروسية الجديدة، وهي العقيدة التي تُحدد استراتيجية تطوير القدرات البحرية، والمهام الأساسية الموكلة إليها، وخطط الانتشار المستقبلية، فضلاً عن تحديد أبرز التحديات والمخاطر التي تواجه القوات البحرية الروسية، وكيفية مواجهتها. ويكتسب توقيت الإعلان عن العقيدة الجديدة أهمية كبيرة نظراً إلى تزامنه مع استمرار العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، ومحاولات موسكو تحجيم تحركات حلف الناتو في الدول المجاورة التي تنظر إليها روسيا باعتبارها مجالاً حيوياً لها.

دلالات التوقيت

يأتي إعلان الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”، عن العقيدة البحرية الروسية الجديدة في توقيت يحمل عدداً من الدلالات، منها:

1- الاحتفال بيوم الأسطول البحري الحربي الروسي: جاء الإعلان عن العقيدة البحرية الروسية بمناسبة احتفال موسكو بيوم الأسطول الحربي الروسي؛ حيث يحتفل الأسطول الحربي الروسي بعيده في اليوم الأخير من شهر يوليو. وبينما أشاد الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”، بالقيصر “بطرس الأكبر” لجعله روسيا قوة بحرية عظمى، فإنه قد أعلن خلال خطابه عن خطط لتطوير التسليح البحري الروسي، وضم صواريخ تفوق سرعتها سرعة الصوت، فضلاً عن الإعلان عن التوقيع على وثيقتي العقيدة البحرية الجديدة، وميثاق الأسطول البحري الروسي؛ ما يشير إلى اهتمام موسكو باستغلال رمزية يوم البحرية الروسية للإعلان عن تعديلات جديدة في عقيدتها العسكرية في ظل اهتمامها بتنشيط وتطوير قواتها البحرية بحيث تكون “قادرة على الرد بسرعة البرق على كل من يقرر التعدي على سيادة روسيا وحريتها” على حد تعبير الرئيس الروسي.

2- الاستجابة لتطورات الصراع الروسي الغربي: يرتبط إصدار العقيدة البحرية الروسية في هذا التوقيت، على نحو خاص، بالاستجابة لتطورات الصراع الروسي الغربي، خاصة على وقع الحرب الأوكرانية وما أحدثته من مستجدات؛ ولذلك نص المرسوم الرئاسي الذي أصدر بموجبه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، العقيدة البحرية الجديدة، على أن تعديل العقيدة البحرية الروسية يستجيب للتحديات الجديدة والأوضاع الجيوسياسية الراهنة في العالم، وهو ما يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتطورات الاستراتيجية الجديدة التي عكستها الحرب الأوكرانية، واتساع واحتدام المواجهة بين موسكو والدول الغربية، واعتبار الحرب الأوكرانية بداية لمرحلة جديدة في العلاقات الروسية الغربية، والنظام الدولي عامةً، يطغى عليها الطابع الصراعي بين المعسكرين. ومن الواضح أن الصراع بين المعسكرين وإن كان يدور حالياً على الأراضي الأوكرانية، إلا أن العقيدة الجديدة تعتبره صراعاَ مستمراً سينعكس على الأوضاع الجيوسياسية في عدة مناطق أخرى في العالم تهم المصالح الروسية.

3- التفاعل مع تأثيرات جائحة كورونا الممتدة: يأتي إقرار العقيدة البحرية الجديدة محاولةً من موسكو للتفاعل مع ما أحدثته جائحة كورونا من تغيرات وتأثيرات عالمية؛ حيث اعتبرت الوثيقة الجديدة أن الأوبئة والأمراض الخطيرة تعتبر من المخاطر الجديدة التي تواجه الأنشطة البحرية للاتحاد الروسي. وقد رأت الوثيقة أن جائحة كورونا قد أسفرت عن حالة من عدم اليقين الجيوسياسي، وأدت إلى أزمة اقتصادية عالمية. وهي الأزمة التي ارتبطت برغبة بعض الدول الصاعدة الرائدة في تغيير النظام العالمي، فضلاً عن تعزيز الاتجاه نحو الحد من عمليات العولمة، وكذلك زيادة دور الاقتصادات الوطنية والحكومة في المجالات المختلفة بما فيها مجال الأنشطة البحرية.

4- مواجهة الدعاية السلبية التي تلاحق البحرية الروسية: يمكن فهم صدور العقيدة البحرية الروسية الجديدة في إطار محاولة موسكو تأكيد قدرة قواتها البحرية على مواجهة التهديدات المحتملة، في ظل ما تطرحه الحرب الأوكرانية وتطورات الصراع من مخاطر محتملة. وربما تستهدف موسكو في هذا السياق مواجهة الدعاية السلبية التي باتت تلاحق البحرية الروسية وإظهارها في موقف ضعف. ويكفي هنا الإشارة إلى أن الإعلان عن الوثيقة الجديدة جاء في اليوم الذي أفاد فيه حاكم “سيباستوبول” ميخائيل رازفوزجاييف، بوقوع هجوم بطائرة مسيرة استهدف مقر الأسطول الروسي للبحر الأسود في المدينة؛ ما أسفر عن جرح 6 أشخاص.

خرائط الانتشار

حددت العقيدة البحرية الروسية عدة مناطق مجالات عمل استراتيجية لقواتها البحرية. ويمكن استعراض خرائط انتشار القوات البحرية الروسية وفقاً للوثيقة الجديدة على النحو الآتي:

1- تطوير التعاون مع أساطيل دول بحر قزوين: من المفترض أن تشهد الفترة القادمة، وفقاً للعقيدة الجديدة للقوات البحرية الروسية، تطوير التعاون العسكري الدولي للبحرية الروسية مع أساطيل دول منطقة بحر قزوين؛ حيث اعتبرت الوثيقة أن هذا الأمر يعد من أولويات التحرك البحري لروسيا الاتحادية.

2- تكثيف الأنشطة البحرية في القطب الشمالي: أولت العقيدة الجديدة اهتماماً ملحوظاً بالقطب الشمالي بوصفه مجالاً استراتيجياً مهماً لموسكو؛ حيث نصت الوثيقة على زيادة القدرة القتالية وتطوير نظام التمركز للأسطول الشمالي وقوات جهاز الأمن الاتحادي وقوات الحرس الوطني. وكذلك تكثيف الأنشطة البحرية لروسيا في أرخبيل سفالبارد وفرانز جوزيف لاند ونوفايا زيمليا وجزيرة رانجيل. ويأتي اهتمام موسكو بتكثيف نشاطها في تلك المناطق على وجه التحديد لأهميتها الاستراتيجية؛ حيث تضمن لها على نحوٍ كبير تحقيق وتعزيز السيطرة في القطب الشمالي، خاصة في ظل تزايد المنافسة الاستراتيجية مع الدول الغربية في تلك المنطقة. واعتبرت الوثيقة أن السيطرة على الأنشطة التي تقوم بها الدول الأجنبية في مياه طريق بحر الشمال من أولوياتها البحرية.

3- تطوير مجمع لبناء السفن في الشرق الأقصى: نصت العقيدة البحرية الجديدة لروسيا على تطوير مجمع لبناء السفن في الشرق الأقصى، بما في ذلك بناء حاملات الطائرات؛ حيث ستعمل موسكو على تطوير مجمع حديث لبناء السفن عالي التقنية في الشرق الأقصى، وهو مجمع مصمم لبناء سفن ذات حمولة كبيرة وتطوير حاملات الطائرات الحديثة.

4- التهيئة لوجود بحري في آسيا والمحيط الهادئ: تكشف العقيدة الجديدة عن اهتمام موسكو بتحقيق وجود بحري في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وتهيئة الظروف والبنية التحتية والقدرات اللازمة لتحقيق ذلك الوجود؛ فقد حددت الوثيقة عدة مهام أساسية للقوات البحرية الروسية، منها العمل على إنشاء نقاط لوجستية وقواعد للقوات للبحرية الروسية في دول منطقة آسيا والمحيط الهادئ؛ وذلك من أجل تهيئة الظروف لوجود بحري في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، والانتشار والتنقل والإمدادات بين الأساطيل التابعة للقوات البحرية، وممارسة السيطرة على سلامة تشغيل اتصالات النقل البحري في المنطقة.

5- التوسع في الشرق الأوسط من البوابة السورية: لم تغفل الوثيقة الروسية الجديدة الوجود الروسي في سوريا باعتباره نقطة تمركز وانطلاق للطموحات الروسية في مناطق البحر المتوسط والشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ فوفقاً للعقيدة البحرية الروسية، فإن موسكو ستنشئ مراكز لوجستية تابعة للبحرية الروسية في عدد من دول منطقة البحر المتوسط، على غرار المركز اللوجستي الأساسي التابع للبحرية الروسية في مدينة طرطوس السورية، وهو ما يرتبط بمساعي موسكو الرامية إلى ضمان حضورها البحري على أساس دائم في البحر المتوسط.

وتطمح موسكو إلى إنشاء وتطوير مراكز دعم لوجستية أخرى للأسطول على أراضي دول أخرى في المنطقة، وتطوير العلاقات مع دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ذات البحار المجاورة والمساحات البحرية؛ حيث أشارت العقيدة الجديدة إلى خطط موسكو لإنشاء قواعد بحرية في البحر الأحمر والمحيط الهندي، باعتبار أن الحفاظ على الوجود البحري الروسي في منطقة الخليج العربي، وإقامة مراكز دعم لوجستية في البحر الأحمر والمحيط الهندي، من أولويات السياسة البحرية الروسية.

المخاطر والتهديدات

يأتي إصدار الوثيقة الجديدة في ذلك التوقيت، وما تضمنته من خطط استراتيجية وتوسعية في عدد من المناطق حول العالم، في إطار رؤية موسكو للمخاطر والتهديدات التي تواجهها بوجه عام، وتواجه انتشارها وقوتها البحرية بوجه خاص، ومنها:

1- مساعي الولايات المتحدة إلى الهيمنة على البحار: بطبيعة الحال فإن مواجهة الولايات المتحدة يأتي على رأس أولويات وأهداف روسيا، خاصةً في ظل مساعيها للحد من الهيمنة الأمريكية وتغيير نمط النظام الدولي الأحادي القطبية، وهو ما عبرت عنه الوثيقة باعتبارها أن “المسار الاستراتيجي للولايات المتحدة للهيمنة في البحار وتأثيرها العالمي على تطوير العمليات الدولية، بما في ذلك تلك المتعلقة باستخدام وسائل النقل وموارد الطاقة في المحيطات العالمية” يأتي على رأس التحديات والتهديدات الرئيسية للأمن القومي والتنمية المستدامة لروسيا المرتبطة بالمحيطات العالمية.

2- تقدُّم حلف الناتو إلى حدود الاتحاد الروسي: ترى الوثيقة الروسية الجديدة أن العامل الحاسم في العلاقات مع حلف الناتو هو عدم قبول تقدم البنية التحتية للناتو إلى حدود روسيا، وزيادة عدد مناورات قوات الحلف في مياه البحار المتاخمة لأراضي الاتحاد الروسي، فضلاً عن توجه أنشطة الناتو إلى زيادة مخاطر المواجهة المباشرة مع روسيا وحلفائها؛ الأمر الذي تعتبره روسيا من التهديدات الرئيسية لأمنها ولقوتها البحرية.

3- عدم اكتمال التعيين القانوني للقطب الشمالي: تعتبر العقيدة الجديدة للبحرية الروسية، أن أحد أوجه المخاطر الاستراتيجية التي تواجه الأنشطة البحرية الروسية يتمثل في عدم اكتمال التعيين القانوني الدولي للمساحات البحرية في القطب الشمالي، ومساعي مراجعة أحكام القانون الدولي التي تحكم الأنشطة البحرية في القطب الشمالي والبحر الأسود ومناطق أخرى، وبوجه خاص ما يتعلق باتفاقية نظام المضائق لعام 1936. وهو ما يفسر اهتمام العقيدة بمنطقة القطب الشمالي وسعيها إلى تكثيف الأنشطة البحرية هناك.

4- المشاركة غير الكافية في النقل البحري الدولي: من بين المخاطر التي لفتت التطورات الاستراتيجية الأخيرة النظر إليها، خاصة على وقع العقوبات الغربية المفروضة على روسيا عقب اندلاع الحرب الأوكرانية، مسألة المشاركة غير الكافية للأسطول التجاري الروسي في حركة النقل الدولي العالمي، في الوقت الذي تعتمد فيه التجارة الخارجية الروسية بدرجة كبيرة على النقل البحري وتشغيل أنظمة خطوط الأنابيب البحرية؛ ما يخلق، وفقاً للرؤية الروسية، تناقضاً بين تكوين وحالة أسطول الأبحاث الروسي لحل المهام اللازمة.

5- عدم وجود عدد كافِ من القواعد الخارجية: يمكن فهم التخطيط الروسي للتوسع في إقامة القواعد البحرية ومراكز الدعم اللوجستية في عدة مناطق حول العالم، بالنظر إلى تخوف روسيا من عدم وجود عدد كافٍ من القواعد خارج أراضي الاتحاد الروسي لتوفير مجالات لحركة السفن والإمدادات وتسهيل الأنشطة التي يقوم بها الأسطول في المحيطات.

6- فرض قيود على مؤسسات بناء السفن: وفقاً للوثيقة الروسية الجديدة، فإن من ضمن المخاطر التي تواجه الوجود الروسي البحري في العالم، فرض عدد من الدول قيوداً على مؤسسات بناء السفن الروسية للمجمع الصناعي العسكري وشركات النفط والغاز، بما في ذلك تلك المتعلقة بنقل التقنيات الحديثة وإمدادات المعدات وجذب التمويل الطويل الأجل.

ختاماً.. أشارت وثيقة العقيدة البحرية الروسية الجديدة إلى أن موسكو ستزيد القدرات العملياتية لقواتها البحرية وتعزيز فاعليتها من أجل ضمان الأمن القومي للبلاد وحماية مصالحها في المحيطات، ولا يمكن إغفال أن التطبيق الفعلي لما ورد في العقيدة الجديدة سيعني المزيد من التنافس الدولي للسيطرة على البحار، والمزيد من التطوير لأنظمة التسليح البحرية.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%81%d9%88%d8%b0-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%ad%d8%b1%d9%8a/