الهندسة الاجتماعية:

لماذا تحرص إيران على التوسع الاستيطاني في جنوب سوريا؟
الهندسة الاجتماعية:
24 نوفمبر، 2021

لم تنجح التفاهمات الأمنية التي توصلت إليها كل من روسيا والولايات المتحدة والنظام السوري وإسرائيل والأردن، في يوليو 2018، في وقف التمدد الإيراني في جنوب سوريا؛ فقد بدأت طهران تستخدم أدوات مختلفة لتعزيز حضورها في محافظات درعا والسويداء والقنيطرة، مستغلةً في هذا السياق، انهيار البنية التحتية، وحجم الدمار الذي تعرضت له المدن السورية المختلفة بسبب الصراع العسكري الذي يمتد منذ مارس 2011. وفي الواقع فإن إصرار إيران على توسيع نطاق حضورها في مناطق الجنوب السوري، يعود إلى محاولاتها تأمين حضورها بعيداً عن التفاهمات بين روسيا وخصومها، لا سيما إسرائيل، والاقتراب من الحدود الإسرائيلية رداً على محاولات تل أبيب تعزيز حضورها بالقرب من الحدود الإيرانية، وتأمين خطوط التواصل الممتدة من إيران التي تمر بالعراق وتصل إلى لبنان عبر سوريا، والاستعداد للانسحاب الأمريكي من سوريا، واستباق مفاوضات فيينا النووية.

ملامح التغلغل

لا يبدو أن إيران اكتفت بتعزيز حضورها العسكري داخل سوريا عبر الميليشيات الشيعية التي قامت بتكوينها وتدريبها للانخراط في الصراع العسكري بجانب النظام السوري، بل بدأت في تبني سياسة “التوسع الاجتماعي” عبر التوسع في عمليات شراء العقارات والأراضي وتأسيس مؤسسات خيرية اجتماعية لتقديم خدمات للمواطنين في مناطق مختلفة، وتفعيل سياسة “التشيع” التي تبدو ظاهرة في تلك المناطق.

وقد انطلقت تلك العمليات من العاصمة دمشق نفسها؛ حيث توسعت إيران في تطوير مرقد السيدة زينب الذي كان العنوان الرئيسي في استقدام الميليشيات الشيعية للقتال في سوريا، ثم بدأت تشتري عقارات وأراضي وأندية ومؤسسات في العاصمة وريفها. وانتقلت تلك العمليات تدريجياً إلى مناطق أخرى، لا سيما منطقتي حوران والجولان في الجنوب السوري أو تحديداً مدن درعا والسويداء والقنيطرة.

وقد تزايد عدد النقاط الأمنية التي أسستها إيران في جنوب سوريا من 40 إلى 88 نقطة في الفترة من أغسطس 2018 حتى أغسطس 2021، على نحو يُوحي بأن إيران بدأت تُولي أهمية خاصة لتعزيز نفوذها في تلك المنطقة التي سوف تتحول، في الغالب، إلى محور الصراع بين إيران وإسرائيل خلال المرحلة القادمة. فيما تصاعد النفوذ الإيراني في الفترة من 2013 و2020 تصاعداً ملحوظاً على المستويات المختلفة، في المدن الجنوبية الثلاث: درعا والقنيطرة والسويداء، بجانب دمشق وحمص وحماة. وفي الواقع، فإن ذلك في مجمله يرتبط بتطورات الصراعات الإقليمية التي تمثل فيها إيران رقماً مهماً، سواء مع إسرائيل أو مع الولايات المتحدة.

دوافع الاختراق الإيراني

يمكن تفسير اهتمام إيران بتطوير نفوذها على المستويات مختلفة في الجنوب السوري في ضوء اعتبارات عديدة يتمثل أبرزها في:

1– الاقتراب من حدود إسرائيل مع سوريا: ترى إيران أن إسرائيل اقتربت من حدودها كثيرًا، سواء عبر وجودها المستمر وربما المتصاعد في أذربيجان وبعض دول وسط آسيا، فضلاً عن علاقاتها القوية مع تركيا، وأكراد العراق، أو عبر وجودها في منطقة الخليج العربي من خلال علاقاتها الدبلوماسية ببعض دول مجلس التعاون الخليجي. ومن هنا، ترى إيران أن تعزيز حضورها في منطقة الجنوب السوري يمثل أداة مهمة من أدوات الرد على الاقتراب الإسرائيلي من حدودها. وربما من خلال ذلك يمكن تفسير “تمرد” إيران على التفاهمات الأمنية التي قامت روسيا برعايتها بين النظام السوري وبعض قوى المعارضة والفصائل المسلحة، والتي دعمتها الولايات المتحدة وإسرائيل والأردن، في بداية يوليو 2018؛ إذ كانت إيران قد انسحبت بمقتضى تلك التفاهمات لمسافة 85 كيلو متر مربع عن هضبة الجولان، إلا أنها لم تعد تلتزم بتلك التفاهمات.

2– توطين الميليشيات الشيعية التابعة لها: عقب هدوء الصراع العسكري وتغير موازين القوى لصالح النظام السوري؛ بدأت التساؤلات تتردد حول مصير الميليشيات الشيعية التي قامت إيران بتكوينها وتدريبها في سوريا، حيث كان لافتاً أنه إلى الآن لم تحسم إيران هذا الملف، بل إنها لم تتجه إلى إعادة بعض تلك الميليشيات أو قسم منها إلى أراضيها، على غرار ميليشيا “فاطميين” الأفغانية التي لم تعد إلى أفغانستان رغم التطورات الأخيرة التي طرأت على الساحة الأفغانية عقب سيطرة حركة طالبان على الحكم منذ منتصف أغسطس الماضي.

وهنا، فإن الجهود الحثيثة التي تبذلها إيران من أجل تعزيز حضورها في الجنوب السوري قد تكون مرتبطة بمحاولاتها توطين الميليشيات التابعة لها في تلك المنطقة، مع توفير خدمات معيشية وتكوين شبكات اقتصادية تستطيع من خلالها ضمان توفير عوائد وموارد مالية لتلك الميليشيات، وهو ما دفع اتجاهات عديدة إلى وصف السياسة الإيرانية في هذا الصدد بـ”الاستيطان” الإيراني؛ حيث تستغل إيران هجرة عدد كبير من السوريين من مدنهم ومناطقهم بعد اندلاع الأزمة التي كانت درعا (إحدى المناطق الرئيسية في الجنوب) هي نقطة بدايتها.

3– تأمين خطوط التواصل مع الحلفاء الإقليميين: تكتسب مناطق الجنوب أهمية متزايدة في ضوء اقترابها من خطوط التواصل التي أسستها إيران لمواصلة تقديم الدعم لحلفائها الإقليميين في سوريا ولبنان. وفي رؤية طهران، فإن هذه الخطوط مهددة باستمرار نتيجة تطلع خصومها إلى عرقلة جهودها لمواصلة تقديم الدعم إلى حلفائها في المنطقة. ومن هنا، لم تَكتَفِ إيران بتعزيز حضورها في المدن التي تمر بها خطوط التواصل مع الحلفاء، لا سيما بغداد والأنبار ودير الزور واللاذقية، وغيرها، بل بدأت تعزز العمق الاستراتيجي لهذا الممر عبر توسيع نطاق حضورها في مدن الجنوب تحديداً.

4– الاستعداد للانسحاب الأمريكي من سوريا: ترى إيران أن الولايات المتحدة سوف تنسحب من سوريا إن آجلاً أو عاجلاً. ومن هنا فإنها تسعى إلى الاستعداد مسبقاً لضمان استثمار هذا الانسحاب لتعزيز حضورها في المناطق التي يستقر فيها الوجود العسكري الأمريكي، على غرار قاعدة التنف في جنوب سوريا؛ إذ كان أحد الأهداف التي أسست من أجلها الولايات المتحدة تلك القاعدة هو الاقتراب من خطوط التواصل الإيرانية مع الحلفاء، بما يضفي أهمية خاصة على تلك القاعدة بالنسبة إلى إيران في المرحلة القادمة.

وقد كان لافتاً أن تلك القاعدة تحديداً تعرضت لهجوم بواسطة طائرات من دون طيار في 20 أكتوبر الفائت، على نحو يُوحي بأن إيران تسعى عبر الميليشيات الموالية لها إلى ممارسة ضغوط أقوى على واشنطن من أجل الانسحاب العسكري من سوريا، على غرار الخطوة التي اتخذتها في أفغانستان وبدأت تنفذها أيضاً في العراق. ورغم أن واشنطن لم توجه اتهامات مباشرة إلى طهران بأنها المسؤولة عن الهجوم، فإن مسؤولين أمريكيين اعتبروا أنها منحت الضوء الأخضر، على الأقل، لتنفيذه.

5– إدارة العلاقات “القلِقة” مع موسكو: لا تبدي طهران اطمئناناً كاملاً إزاء السياسة الروسية في سوريا، خاصةً لجهة حرص موسكو على الوصول إلى تفاهمات مع خصومها خلال المرحلة الماضية، لا سيما الولايات المتحدة وإسرائيل. ومن هنا، فإن إيران ترى أن تعزيز حضورها في جنوب سوريا يقلص مخاوفها إزاء المعطيات التي يمكن أن تفرضها تلك التفاهمات، وفي الوقت نفسه يوفر لها ورقة ضغط تستطيع التلويح بها في مواجهة موسكو إذا نضجت الخلافات “المكتومة” بين الطرفين، لا سيما مع تراجع حدة الصراع العسكري وتغير توازنات القوى لصالح النظام السوري.

6– استباق مفاوضات فيينا النووية: ربما لا يمكن فصل إصرار إيران على تعزيز حضورها في جنوب سوريا عن المفاوضات التي تجرى مع مجموعة “4+1” في فيينا بمشاركة أمريكية غير مباشرة؛ إذ إن إيران تريد عبر هذا الحضور إضفاء مزيد من القوة على موقفها الذي يقضي برفض فتح ملف التدخلات الإقليمية خلال المفاوضات، بجانب برنامج الصواريخ الباليستية. وبمعنى آخر، فإن إيران تسعى، عبر تعزيز هذا الحضور، إلى تأكيد أنها لن تتراجع عن تدخلاتها في المنطقة، سواء انتهت المفاوضات التي تُجرَى في فيينا باتفاق مع القوى الدولية، أو فشلت وعادت أزمة البرنامج النووي إلى مربعها الأول من جديد.

وفي المجمل، ربما يمكن القول إن التصعيد سوف يبقى عنواناً رئيسياً للتفاعلات التي تشهدها منطقة جنوب سوريا، سواء على المستوى المحلي بين النظام السوري والقوى المعارضة له، أو على المستوى الإقليمي نتيجة تصاعد قلق بعض الأطراف، لا سيما إسرائيل، إزاء توسع الوجود الإيراني على نحو يفسر إلى حد كبير أسباب التصعيد العسكري الإسرائيلي في تلك المناطق خلال المرحلة الماضية.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d9%87%d9%86%d8%af%d8%b3%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%ac%d8%aa%d9%85%d8%a7%d8%b9%d9%8a%d8%a9/