الهيمنة السيبرانية:

لماذا تصاعدت ضغوط الحكومة الصينية على شركات التكنولوجيا الوطنية؟
الهيمنة السيبرانية:
21 سبتمبر، 2021

ساهمت الجائحة في تعزيز نجاح قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، وعملت العديد من الشركات على التأقلم مع متطلبات عصر ما بعد كورونا، من خلال تقديم جميع خدماتهم عبر الإنترنت. وقد كان للشركات الصينية الريادة في هذا المجال؛ حيث ظهرت العديد من التطبيقات والمواقع الإلكترونية المتخصصة في قطاعات التعليم والتحويلات المالية، وصولاً إلى خدمات التوصيل والتجارة الإلكترونية. وخلافاً لسياسة الحماية القصوى التي اتّبعتها الحكومة الصينية في الدفاع عن شركات القطاع الخاص الصينية العاملة في الخارج، وعلى رأسها “هواوي”؛ تعرض قطاع التكنولوجيا المتقدمة لعدد من الهجمات الداخلية، إلى الحد الذي دفع البعض للقول بأن الحزب الشيوعي الصيني يعمل على تسهيل مهمة شركات التكنولوجيا المتقدمة الغربية المنافسة للشركات الصينية. كما بدأ بعض المستثمرين الأجانب في التعبير عن تخوفهم من ضخ أموالهم والاستثمار في هذه الشركات، خاصة شركة “علي بابا”، تجنباً لمقصلة الحكومة الصينية.

دوافع تقييد قطاع التكنولوجيا

1- مكافحة الاحتكار وضمان المنافسة: بررت الحكومة الصينية فرض قيود على بعض شركات التعليم الإلكتروني، مثل شركة “Edtech”، بارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها، مما يضغط على ميزانيات أسر الطبقة المتوسطة. يُضاف إلى ذلك، أن ارتفاع تكاليف التعليم يُقوّض سياسة الحكومة الدافعة إلى تشجيع الأسر لإنجاب المزيد من الأطفال. وبدورها، ذكرت إدارة الفضاء الإلكتروني في الصين، وهي الهيئة المعهود لها بمراقبة الأنشطة التي تتم عبر شبكة الإنترنت، أن التحقيق مع شركة “”DiDi، للنقل والمواصلات، التي تُعد أكبر منافس عالمي محتمل لشركة “أوبر”، يعود لاعتبارات مرتبطة بأمن وخصوصية معلومات مستخدمي التطبيق. كما تم توجيه اتهامات لتطبيق “Meituan” لخدمات توصيل الطعام، باستغلال العمال وعدم دفع أجور مناسبة لهم. ناهيك عن اتهامات واسعة بالفساد، وعمل بعض أعضاء الحزب الشيوعي لصالح هذه الشركات بصورة غير مشروعة يجرمها القانون الصيني.

2- السيطرة على البيانات الضخمة: أُدخل عددٌ من التغييرات المهمة على الطريقة التي تدير بها الصين اقتصادها تحت قيادة الرئيس “شي جين بينغ”. ويدور الهدف الرئيسي للرئيس “شي” في الوقت الحالي حول اللحاق بالولايات المتحدة وتجاوزها في جميع المجالات، واستغلال الفرص الجديدة التي أتاحتها جائحة كورونا للاقتصاد الصيني. ولذا فإن الهجوم على قطاع التكنولوجيا الخاص، هو محاولة لانتزاع السيطرة على البيانات الضخمة التي يمتلكها هذا القطاع، والتي تعد رصيداً استراتيجياً مهماً في مواجهة الصين مع الولايات المتحدة.

3- تعزيز الهيمنة على الشركات السيبرانية: يسعى الحزب الشيوعي الصيني من خلال هذه الرقابة المشددة، إلى التأكيد لرجال الأعمال القائمين على إدارة هذه الشركات العملاقة بأن الكلمة الفصل -في النهاية- ما تزال في يد الحزب، وأنّ نموذج “مارك زوكربيرج” و”إيلون ماسك” وقدرتهما على فرض قيود على رأس الدولة باستخدام نفوذ شركاتهما الضخمة، أو بالضغط على المستخدمين وإيقاعهم في فخ الديون المتراكمة؛ هي حالة أمريكية خالصة لا يمكن أن تتكرر في أعماق بكين.

أنماط القيود الحكومية

فرضت الحكومة الصينية عدة قيود تشريعية واقتصادية على شركات التكنولوجيا العملاقة في الصين، وتضمنت هذه القيود ما يلي:

1- قانون حماية البيانات الشخصية: أصدرت الصين مؤخراً قانوناً لحماية المعلومات الشخصية للمستخدمين. ويُلزم القانون الذي سيدخل حيز التنفيذ في الأول من نوفمبر، جميع التطبيقات والشركات التكنولوجية بالحصول على موافقة أو رفض المستخدمين للمعلومات التي سيتم جمعها حولهم. ولا يقتصر الأمر على الموافقة من عدمها، فيجب أن تقدم الشركات شرحاً واضحاً للمجالات التي ستُستخدم فيها هذه المعلومات. على سبيل المثال، توضيح ما إذا كانت ستُستغل في الدعاية الموجهة بناءً على تفضيلات الشخص وسماته الشخصية أم لا. كما أن القانون يضع قيوداً على معالجي البيانات، حيث يُلزمهم بالحصول على موافقة الأفراد لجمع وتحليل بعض المعلومات ذات الطبيعة الخاصة والحساسة، مثل: القياسات الحيوية، والتاريخ المرضي للأفراد، والمعلومات المالية. ويَتعرّض المخالفون للقانون لقائمة طويلة من العقوبات، التي يمكن أن تصل في النهاية إلى حد إنهاء عمل الشركة بشكل كامل.

ومن الجدير بالذكر أن هذا القانون لا يُطبق على المؤسسات الشرطية والحكومية الصينية، التي تمتلك الحق الكامل في جمع مختلف المعلومات والبيانات عن المواطنين، لحفظ السلم والأمن العام.

2- إعادة الهيكلة وفرض الغرامات: خلال أواخر شهر يوليو، أمرت الصين أكثر من اثنتي عشرة شركة عاملة بالقطاع التكنولوجي بإجراء عمليات تفتيش داخلية ومعالجة مسائل مثل: أمن البيانات، والممارسات الاحتكارية. وقد أرغمت “مجموعة Ant”، على تحويل نفسها إلى شركة قابضة مالية، تخضع لمتطلبات رأس المال التي تطبق على البنوك والمؤسسات الحكومية. كما فرضت السلطات الصينية غرامة قياسية قدرها 2.8 مليار دولار على شركة “علي بابا”، بدعوى ممارستها عدداً من الأنشطة التجارية الاحتكارية.

واضطرت شركة DiDi بدورها إلى إزالة تطبيقها الرئيسي من متاجر بعض الهواتف الذكية، وهو ما عطل خططها للتوسع في عدد من الأسواق الأجنبية، وعلى رأسها المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي. وقد أُمرت شركة “”Tencent، المشغلة لتطبيق “WeChat”، بالتخلي عن حقوق تشغيل الموسيقى الحصرية، في حين شهد قطاع التعليم الإلكتروني عدداً من التغيرات الهيكلية، التي حظرت الشركات العاملة في هذه الصناعة من جني الأرباح. ناهيك عن وضع العديد من القيود والاشتراطات الصارمة للسماح لشركات التكنولوجيا الصينية بالتوسع في الخارج، وهو ما يؤكد الأقاويل التي تداولها عدد من الخبراء، والتي تؤكد عدم رغبة الصين في إطلاع المستثمرين والحكومات الأجنبية على البيانات والمعلومات الهامة التي تمتلكها هذه الشركات.

3- الاختفاء والمنع من الظهور العام: كانت مجموعة “Ant” على استعداد لإطلاق أكبر طرح في البورصة العالمية خلال الرابع والعشرين من أكتوبر لعام 2020، وتمهيداً لهذه الخطوة سعى رجل الأعمال والمدير التنفيذي لموقع “علي بابا”؛ “جاك ما”، للترويج لهذه الخطوة، عبر المشاركة في عدد من الفاعليات والمؤتمرات. وقد أثار خطاب ألقاه في هذا السياق، على مجموعة من الشخصيات البارزة الصينية، نوعاً من الجدل، بسبب انتقاده النظامَ المالي الصيني.

وقد اختفى “جاك ما” عن الظهور العلني عقب ذلك الخطاب، وهو ما دفع سيلاً من الشائعات للانتشار في كل حدب وصوب حول المصير المجهول لرجل الأعمال الصيني الأبرز، إلى حد الاعتقاد بأنه قد فارق الحياة. واستمر اختفاؤه حتى أواخر شهر يناير، وبالرغم من ظهوره على الساحة، وانتفاء شائعة وفاته؛ إلا أن “جاك ما” ما يزال بعيداً عن الأضواء، ولم يشارك في أي فعاليات اقتصادية خلافاً لعادته.

وأشارت تقارير أخرى أيضاً إلى مطالبة السلطات الصينية الرئيس التنفيذي لشركة “Meituan”؛ “وانج زينج”، بالابتعاد عن الأضواء، عقب نشره قصيدةً عبر إحدى منصات التواصل الاجتماعي الصينية، والتي تم تفسيرها بأنها انتقاد صريح للحكومة.

4- تعزيز صلاحيات المؤسسات الرقابية: حادثة “جاك ما” كانت بمثابة جرس إنذار لـ “بوني ما هواتنج”؛ الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة التكنولوجيا والترفيه “”Tencent، الذي سارع في مارس للانخراط في محادثات طوعية مع المؤسسات الحكومية المسؤولة عن مكافحة الاحتكار. كما تعهد بالالتزام بكافة الأحكام والتوجيهات التي تُصدرها السلطات المختصة، وذلك في أعقاب اتهام شركته في دعوى مدنية بأن تطبيقها للمراسلات السريعة “”WeChat ينتهك قوانين حماية القصّر. وأشارت تقارير أخرى أيضاً إلى مطالبة السلطات الصينية الرئيس التنفيذي لشركة “Meituan”؛ “وانج زينج”، بالابتعاد عن الأضواء، عقب نشره قصيدةً عبر إحدى منصات التواصل الاجتماعي الصينية، والتي تم تفسيرها بأنها انتقاد صريح للحكومة.

تداعيات سياسة الهيمنة

ترتب على سياسات التضييق على شركات التكنولوجيا الصينية عدة تداعيات يتمثل أبرزها فيما يلي:

1- تزايد الخسائر الاقتصادية: ساهمت سياسات التضييق والملاحقة القانونية التي اتّبعتها الحكومة الصينية مؤخراً في خسارة شركة “”Tencent القابضة حوالي 45% من أعلى قيمة وصلت إليها خلال يناير من هذا العام. وبدورها، فقدت مجموعة “علي بابا” ما يقرب من نصف قيمتها، مقارنة بذروتها في أكتوبر من العام الماضي. كما فقدت شركة خدمات التوصيل العملاقة “Meituan” أكثر من نصف قيمتها. وبصورة عامة، خسرت شركات التكنولوجيا المتقدمة الصينية في البورصات العالمية ما يصل مجموعه إلى حوالي 1.5 تريليون دولار، وهي خسارة غير مسبوقة، لم يشهدها هذا القطاع من قبل. وقد دفعت هذه التطورات الأخيرة عدداً من رجال الأعمال الأجانب إلى تأجيل بعض المشاريع التي كان من المقرر أن يدشنوها خلال هذا العام بالشراكة مع شركات التكنولوجيا الصينية، وفي مقدمة هؤلاء رجل الأعمال الياباني؛ “ماسايوشي سون”، المؤسس والمدير التنفيذي لمجموعة “SofBank”.

2- تصاعد اضطرابات المنافسة: على الرغم من التوقعات والتحليلات السياسية والاقتصادية التي تؤكد اعتزام الحكومة الصينية تطبيق المزيد من القواعد والقوانين الخانقة على قطاع التكنولوجيا المتقدمة مستقبلاً، فإن البعض يرى أن مثل هذه الإجراءات شديدة الأهمية لكي يستمر نموّ هذا القطاع الاقتصادي الأهم في استراتيجية الصين لتحقيق الهيمنة الاقتصادية العالمية. فاحتكار بعض كُبرى شركات التكنولوجيا للسوق، وتحقيقها أرباحاً هائلة، وضمها جميع شركات ريادة الأعمال والشركات الناشئة، وتوفير ملايين القروض للمستهلكين؛ يُضعف أي مجال للمنافسة الحرة في السوق الصينية، ويعمل على طمس الشركات الصغيرة، ويضعف موقف الحكومة الصينية في مجابهة هذه الشركات ذات رؤوس الأموال التي تُضاهي ميزانيات الدول. وتَدخّل الدولة لحماية المنافسة، وفقاً لعدد من الخبراء الاقتصاديين، هو في صميم النظام الرأسمالي، الذي لا يمكن أن يتقدم أو ينمو في ظل هيمنة الممارسات الاحتكارية.

3- تحذيرات من تباطؤ قطاع التكنولوجيا: أكد رجل الأعمال الأمريكي؛ “بيتر ثيل”، والخبير التكنولوجي؛ “بين توميسن”، خلال مقابلة أجراها موقع “فوربيس”؛ أن الصين تسعى لتجنب إعادة إنتاج نموذج قطاع التكنولوجيا الأمريكي. فقد تباطأ التقدم التكنولوجي في الولايات المتحدة، ولم يشهد أي نوع من النمو على مدى الخمسين عاماً الماضية. ويعود ذلك إلى أن معظم العقول التكنولوجية الساطعة لم تعد تأخذ على عاتقها مشاريع صعبة في مجالات الطاقة والنقل والرعاية الصحية، وبدلاً من ذلك تم تفضيل تطوير الألعاب وإطلاق مواقع على الإنترنت للتجارة الإلكترونية، لأن هذه المشاريع يمكن إنجازها في وقت قياسي، كما أنها تُحقق أرباحاً ضخمة.

ويضاف إلى ما سبق، سعي هذه الشركات للتوسع الخارجي والداخلي، دون دراسة وتدقيق مسبق، وهو الأمر الذي أوصل قيادة الولايات المتحدة الأمريكية في النهاية للهلع، والعمل على إنفاق الكثير من الأموال لإنقاذ صناعة الشرائح الإلكترونية، التي تُعد أحد أهم جوانب التنافس مع الصين. وفيما يبدو فإن الصين قد تعلمت من الدرس الأمريكي، وستعيد توجيه نمط الاستثمارات والتوسعات في هذه الصناعة، التي سمتها الخطة الخمسية الصينية الثالثة عشرة بأساس الابتكار، والتحسن في القدرة التنافسية الدولية لبكين.

وفي الختام؛ يتوقع أن تمضي الحكومة الصينية قدماً في فرض المزيد من القوانين والقواعد التي ستكون بمثابة معوقات أمام شركات التكنولوجيا المتقدمة الصينية لتحقيق المزيد من الأرباح، ولتحقيق الانتشار العالمي الذي تسعى إليه بكل قوة، وهو ما سيُعرّضها للمزيد من الخسائر، وسيُضعف من قيمتها السوقية. وبالرغم من ذلك، فإنه على المدى الطويل ستساهم هذه السياسات في الحفاظ على المنافسة والتطور والتقدم في هذه الصناعة شديدة الأهمية، وستحقق الصين أهدافها الساعية إلى اقتناص الريادة العالمية، وبالتالي على الولايات المتحدة الانتباه لمثل هذه السياسات، والعمل على إنفاذ استراتيجية مضادة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%84%d9%87%d9%8a%d9%85%d9%86%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a8%d8%b1%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9/