انسحاب مُحتمل:

هل تُسقط "القائمة الموحدة" الحكومة الإسرائيلية؟
انسحاب مُحتمل:
22 أبريل، 2022

كانت القائمة العربية الموحدة للحركة الإسلامية “راعم” بمنزلة “بيضة القَبَّان” في المشاورات التي تلت الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة؛ حيث اعتُبر انضمامها إلى “حكومة التغيير” بمنزلة خطوة تاريخية، بيد أن التوترات المتصاعدة في القدس والمسجد الأقصى دفعت “راعم” إلى تجميد عضويتها في الائتلاف الحكومي والكنيست الإسرائيلي يوم 18 أبريل الجاري؛ ما أثار المخاوف حول انسحاب القائمة بالكامل من الائتلاف الحكومي؛ الأمر الذي يُهدد بانهيار الائتلاف الحكومي “الهش”. وعلى الرغم من ذلك فإن ثمة “كوابح” قد تدفع “راعم” إلى التمسك بالائتلاف، ويأتي على رأسها سعي قادة الائتلاف إلى احتواء “غضب راعم”، وتوجُّه الحكومة الإسرائيلية إلى إلجام تحرُّكات اليمين المتطرف في القدس، فضلاً عن صعوبة توصُّل “راعم” إلى توافقات مع الليكود بقيادة “نتنياهو”.

مُحفِّزات الانسحاب

ثمَّة مُحفزات مختلفة لانسحاب “راعم” من الائتلاف الحاكم في إسرائيل، يتمثل أبرزها فيما يأتي:

1– استمرار الانتهاكات الإسرائيلية في القدس: أثار قرار القائمة العربية المُوحَّدة تجميدَ عضوية نوابها في الائتلاف الحكومي والكنيست الإسرائيلي، المخاوف من أن يتحوَّل هذا التجميد إلى انسحاب كامل، إذا استمرَّت السياسات الإسرائيلية في القدس والمسجد الأقصى؛ الأمر الذي من شأنه أن يفرض المزيد من الضغوط على قيادات القائمة والحركة الإسلامية، لا سيما أن بيان القائمة الموحدة الخاص بتجميد عضويتها في الائتلاف الحكومي، قد أشار إلى أن “ملف القدس والأقصى يجب أن يكون خارج نطاق المكاسب السياسية؛ حيث إنه راسخ ومنغرس في قلب انتماء كل عربي ومسلم في هذه البلاد”.

وعليه، فإن تطوُّر الأوضاع في القدس إلى مواجهات دامية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، قد يدفع مجلس شورى الحركة الإسلامية إلى الضغط على نواب الحركة للانسحاب من الائتلاف الحاكم، خاصةً أن استمرار أعضاء القائمة في الائتلاف الحكومي – إذا تفاقمت الأمور – قد يُقلِّص شعبيتها بين عرب 48، وفي المقابل يصُب في صالح خصومها في القائمة العربية المشتركة؛ ما قد يحرمها من التمثيل في الكنيست في أي انتخابات قادمة، بعد أن تجاوزت – بالكاد – العتبة الانتخابية في الانتخابات الأخيرة بحصولها على أربعة مقاعد.

2– حدوث انقسام كبير داخل “الحركة الإسلامية”: أدَّت التوتُّرات المتصاعدة، والانتهاكات الإسرائيلية في المسجد الأقصى، إلى خلافات حادة داخل “الحركة الإسلامية”؛ حيث دعا رئيس مجلس الشورى في “الحركة الإسلامية” الشيخ محمد سلامة حسن، نواب القائمة الموحدة إلى “انسحاب فوري من ائتلاف جائر يستهدف أقدس مقدساتنا في فلسطين وبلاد الشام”، كما شاركه الدعوةَ عددٌ من قيادات الحركة الإسلامية؛ أبرزهم “مسعود غنايم” الرئيس السابق لكتلة “الحركة الإسلامية” في الكنيست، وكذلك الشيخ إبراهيم صرصور الرئيس الأسبق لهذه الكتلة، الذي اعترف بـ”فشل مشروع الانضمام إلى الائتلاف”.

من ناحية أخرى، يبدو أن بعض قيادات الحركة الإسلامية تُفضِّل استمرار “القائمة الموحدة” في الائتلاف الحكومي الحالي، ويأتي على رأسهم رئيس القائمة النائب منصور عباس الذي يعتبر أن قائمته تسعى من خلال موقعها الحالي في الائتلاف الحكومي إلى وقف الصدامات والتوتُّرات وحماية المسجد الأقصى من الاعتداءات، كما يشاطره الرؤيةَ الشيخُ عبد المالك دهامشة عضو الكنيست الحالي، الذي أشار إلى أن القائمة الموحدة تُفضِّل استمرار الائتلاف الحكومي الحالي، كما انتقد دعوات الانسحاب من الائتلاف، معتبراً أن “القائمة الموحدة” استطاعت قلب السياسة الإسرائيلية رأساً على عقب، بما يحقق مصالح الأحزاب والمواطنين العرب في إسرائيل.

ومن ثم، فإن الفترة القادمة قد تشهد المزيد من التصدُّع داخل الحركة الإسلامية إذا استمرَّت الانتهاكات الإسرائيلية في القدس، وفشلت الحكومة الإسرائيلية في “إلجام” المستوطنين المتطرفين؛ ما قد يؤدي في النهاية إلى انسحاب القائمة الموحدة – أو بعض أعضائها – من الائتلاف الحالي.

3– سعي “نتنياهو” إلى استقطاب نواب “القائمة الموحدة”: مارس اليمين الإسرائيلي ورئيس الوزراء السابق “بنيامين نتنياهو”، منذ اللحظة الأولى، ضغوطاً كبيرة لاستقطاب “القائمة الموحدة”، بيد أن محاولاتهم جميعاً باءت بالفشل؛ حيث قررت القائمة في النهاية، وبعد مفاوضات شاقَّة، الانضمام إلى “كتلة التغيير” حينها، والإطاحة ببنيامين نتنياهو، كما يُحاول نتنياهو منذ الإعلان عن تشكيل الحكومة الحالية، أن يجعل طريقها مليئاً بالفخاخ والعراقيل، عن طريق إثارة المشاكل الداخلية، ومحاولة استقطاب العناصر اليمينية في الائتلاف، لا سيما أعضاء حزب “يمينا” أو استمالة أعضاء “القائمة الموحدة”.

جدير بالذكر أن “عمار إياد” القيادي في الحركة الإسلامية، قد هدَّد مؤخراً بالانسحاب الكامل من الائتلاف الحكومي الحالي والعودة إلى التفاوض مرةً أخرى مع رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو، إذا استمرت السياسات الإسرائيلية “القمعية” في القدس.

4– تطلُّع “جانتس” إلى تشكيل حكومة بديلة: بالرغم من تأكيد وزير الدفاع الإسرائيلي ورئيس حزب أزرق – أبيض “بيني جانتس”، أكثر من مرة، تمسُّكه بالحفاظ على الائتلاف الحكومي الحالي، فإن ثمة مؤشرات مختلفة على وجود طموحات لـ”بيني جانتس” إلى تشكيل حكومة برئاسته، عقب محاولته الفاشلة السابقة للدخول في صفقة تناوب مع نتنياهو، لم يلتزم بها الأخير.

ولا يُمكن – بحال من الأحوال – عزل تلك الطموحات عن الخلافات المتصاعدة بين “بيني جانتس” ووزير الخارجية الإسرائيلي رئيس الحكومة المناوب يائير لابيد، بيد أن التطوُّر اللافت في هذا الشأن، تمثَّل في لقاء وزير الدفاع الإسرائيلي، يوم 20 أبريل الجاري، البرلمانية المستقيلة من الكنيست “إيديت سليمان”؛ حيث تم بحث تشكيل حكومة بديلة في البلاد، كما أجرى “جانتس”، في وقت سابق، محادثتَيْن مع عضو الكنيست موشيه جفني رئيس حزب “يهودت هتوراه” اليميني، بهدف بحث تشكيل “جانتس” حكومةً إسرائيليةً جديدةً. وتُنذر كل تلك التحرُّكات بإمكانية تفكُّك الائتلاف الحكومي الحالي بقيادة نفتالي بينيت، وهو ما يفتح المجال مرةً أخرى أمام “القائمة العربية” لإعادة النظر في تحالفاتها السياسية.

التمسُّك بالائتلاف

بالرغم من تعدُّد مُحفزات انسحاب “القائمة الموحدة” من الائتلاف الحكومي الحالي، فإن ثمة “كوابح” مختلفة قد تدفع “القائمة الموحدة” إلى التمسُّك بالائتلاف الحكومي الحالي، والحرص على عدم انهياره؛ وذلك على النحو الآتي:

1– محاولة الائتلاف الحكومي احتواء “القائمة الموحدة”: يبدو أن هناك محاولات حثيثة من قبل قيادات الائتلاف الحكومي الحالي لاحتواء “القائمة الموحدة”، ومنع انسحابها من الائتلاف، وهو ما يتجلَّى في تأكيد رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت، ووزير الخارجية يائير لابيد، يوم 20 أبريل الجاري، أن هناك حواراً إيجابيّاً مع رئيس القائمة العربية الموحدة للحركة الإسلامية “راعم”، بقيادة النائب منصور عباس؛ لتسوية الخلافات القائمة بين الجانبين.

وفي هذا الصدد، قال “بينيت” إن “النائب عباس دخل الائتلاف الحكومي عن وعي وإدراك بأنه هو وحزبه يصنعان معنا تاريخاً، وأن هناك مكاناً محترماً للمواطنين العرب في الائتلاف الحكومي مباشرةً لأول مرة منذ 74 عاماً (منذ تأسيس إسرائيل). وكل المشكلات التي تنشأ على الطريق يمكن التفاهم حولها”، كما أكد “لابيد” أن العلاقات ستعود إلى طبيعتها بين جميع أطراف الائتلاف في الأسابيع القليلة القادمة، مؤكداً السعي إلى الحفاظ على الوضع الراهن في الحرم القدسي وعدم وجود أي نية لتغييره.

ومن ثم، فإن محاولات قادة الائتلاف احتواء “غضب القائمة الموحدة” قد ينجح في إجهاض أي انسحاب محتمل لنواب القائمة من الائتلاف الحاكم. ويُعزِّز هذه الفرضية ترجيحَ بعض التقارير بأن قرار القائمة العربية الموحدة تعليقَ عضويتها في الائتلاف والكنيست، جاء بالتنسيق الكامل مع بينيت ولابيد، وأنه لا يعدو قراراً مؤقتاً لامتصاص الغضب الفلسطيني عقب اقتحام القوات الإسرائيلية المسجد الأقصى مؤخراً.

2– سعي الحكومة الإسرائيلية إلى كبح اليمين المتطرف: منعت الشرطة الإسرائيلية، يوم 20 أبريل الجاري، قوميين متطرفين من التظاهر في المناطق القريبة من المسجد الأقصى؛ وذلك لمنع المزيد من أعمال العنف، كما منعت الحكومة الإسرائيلية النائب المتطرف “إيتمار بن غفير” من دخول البلدة القديمة. هذا وأكد نفتالي بينيت، في بيان له أنه “ليس لديَّ أي نية للسماح للسياسات التافهة بتعريض حياة البشر للخطر. لن أسمح باستفزاز سياسي من قبل بن غفير لتعريض جنود الجيش الإسرائيلي وضباط الشرطة الإسرائيلية للخطر، وجعل مهمتهم الثقيلة أصلاً أكثر صعوبةً”.

وتشير بعض التقديرات إلى أن قرارات الحكومة الإسرائيلية الأخيرة للحد من استفزازات اليمين المتطرف في القدس، قد تُهيِّئ الأجواء لتراجع “راعم” عن قرار تجميد عضويتها في الائتلاف الحاكم، لا سيما أن الكنيست يمرُّ بمرحلة الإجازة الشتوية حتى شهر مايو المقبل. ومن ثم، فإن قرار “راعم” تجميد عضويتها، لن يؤثِّر على الائتلاف الحاكم في إسرائيل.

3– صعوبة انضمام “راعم” إلى كتلة “يمينية موحدة”: بالرغم من تهديد بعض قيادات “القائمة الموحدة” بالعودة إلى التفاوض مع رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق زعيم المعارضة الحالي بنيامين نتنياهو؛ فإن الخبرة السابقة لفشل المفاوضات بين الجانبَيْن، قد تعرقل التقارب بينهما، بالإضافة إلى رفض الأحزاب اليمينية المتطرفة الداعمة لنتنياهو التحالف مع العرب في أي ائتلاف قادم، ومعارضة إعطاء أي مكتسبات لعرب 48، وكلها عوامل تُعقِّد انسحاب “راعم” من الائتلاف الحالي والانضمام إلى كتلة يمينية في الأساس.

وختاماً.. يواجه الائتلاف الحاكم في إسرائيل تحديات جمَّة تُهدِّد بتفككه، وقد ازدادت تلك التحديات بفقدانه الأغلبية في الكنيست بعد انسحاب عضوة الكنيست عن حزب “يمينا” النائبة إيديت سليمان، في 6 أبريل الجاري، وتعليق القائمة العربية الموحدة “راعم” عضويتها في الحكومة والكنيست، بيد أن انسحاب “راعم” من الائتلاف، لا يزال غير مُؤكَّد؛ حيث تدفع عوامل مختلفة نحو تمسُّك القائمة بالائتلاف الحالي، بيد أن انزلاق الأوضاع في القدس إلى مواجهات دامية بين الفلسطينيين والإسرائيليين قد يُشكِّل نقطة تحوُّل يصعُب معها بقاء “راعم” في الائتلاف؛ الأمر الذي قد يؤدِّي إلى انهيار حكومة “بينيت” في الأخير.


https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%86%d8%b3%d8%ad%d8%a7%d8%a8-%d9%85%d9%8f%d8%ad%d8%aa%d9%85%d9%84/