انعزالية واشنطن:

الحساب الختامي للسياسة الخارجية الأمريكية في عهد ترامب
انعزالية واشنطن:
24 أبريل، 2021

على الرغم من نجاح “ترامب” في بعض الملفات، مثل إعادة التفاوض على عدد من الاتفاقيات التجارية، ومنع التورط الأمريكي في حروب جديدة، وعقد عدد من اتفاقيات السلام بين العرب والإسرائيليين، فإنه في المقابل، ساهم في توتر العلاقات الأمريكية الأوروبية، وقلل مكانة وصورة واشنطن العالمية، وسمح لعدد من الدول المنافِسة –وعلى رأسها الصين وروسيا– بتعزيز نفوذها على حساب المصالح الأمريكية. وأخيرًا، أضعف “ترامب” أداء بعض المؤسسات الحكومية، وعلى رأسها وزارة الخارجية، بمهاجمة قياداتها، وعزلهم من مناصبهم، وإحلاله مكانَهم شخصيات تتمتع بخبرات وقدرات محدودة للغاية من الموالين له.

1– أسس السياسة الترامبية:  تبنى ترامب سياسة خارجية تقوم على إعادة الاعتبار الأمريكي في الخارج، بدون الحاجة إلى دفع مزيد من التكلفة، مع ضرورة إلزام الحلفاء والخصوم؛ كلٌّ على حدةٍ، بتحمل أعباء الحماية أو حتى المنافسة غير العادلة مع الولايات المتحدة. وبناءً على ذلك، انسحب “ترامب” من المعاهدات التي يعتبرها غير منصفة لواشنطن، مثل اتفاقية المناخ، والاتفاق النووي الإيراني، بالإضافة إلى التصعيد مع بكين في حرب تجارية ادَّعى أنها تسعى إلى إعادة المصانع للعمل في الداخل، ووقف الصين عن سرقة الجهود وحقوق الملكية الأمريكية.

2– إنجازات متعددة: أفاد التقرير بأن سياسة “ترامب” الخارجية حققت بعض الإنجازات؛ فمن ناحية لم ينجرف نحو التورط في حرب جديدة، ولم يخلق دولًا فاشلةً جديدةً في العالم كسابقه، كما دفع الأوروبيين إلى تحمل جزء من تكلفة الدفاع عن حدودهم، وعقد اتفاقية تجارة جديدة مع كوريا الجنوبية ودول “النافتا”، ناهيك عن منعه شركة “هواوي” الصينية من السيطرة على البنية التحتية لشبكات الاتصالات، وعقده لاتفاقيات سلام بين العرب وإسرائيل.

3– إخفاقات لافتة في المجال الداخلي: أشار التقرير إلى أنه بالرغم من إنجازات ترامب في مجال السياسة الخارجية، فإن أداءه بوجه عام كان ضعيفًا؛ حيث إن خصوم أمريكا صاروا أشد خطورةً مما كانوا عليه في عام 2016، كما أصبحت الولايات المتحدة أضعف وأكثر ارتباكًا وانقسامًا في علاقاتها بالعديد من الحلفاء، بجانب فَقْد واشنطن زعامتَها الأخلاقية في العالم.

4–إدارة العلاقات مع بكين: وحسَب التقرير، فإن أبرز إخفاقات ترامب تتمثل في كيفية إدارته العلاقة بالصين؛ فقد سعى إلى إقناع الرئيس الصيني بأن يمارس ضغوطًا على كوريا الشمالية، وهو الأمر الذي لم تَنْصَعْ إليه بكين، لينخرط في حرب تجارية معها دفع ثمنها المزارعون والمستهلكون الأمريكيون، كما أقدم على هذه الحرب بصورة منفردة، ودون التنسيق مع الحلفاء؛ ما جعلها أقل تأثيرًا.. كذلك فإن الضغوط التي مارسها على التطبيقات والشركات الصينية مثل “هواوي” و”تيك توك” و “زي تي إي”، كان لها تأثير محدود للغاية على أنشطتها، ولم يتم تكبيدها الخسائر التي كان يتوقعها “ترامب” ، بل إن هذه الضغوط دفعت بكين إلى العمل على التقليل من اعتمادها على التكنولوجيا والسوق الأمريكية، والبحث عن بدائل.

5– الإخفاق في الحد من قوة المنافسين: نوه التقرير بأن هذا الانحدار في دور الولايات المتحدة العالمية لا يعد خطأ “ترامب” وحده، بل إن جزءًا منه يعود إلى النظام الدولي، إلا أن “ترامب” قد فشل في استغلال الفرص، والحد من قوة المنافسين.

6– تخاذل في التعامل مع الصين: تعامل “ترامب” بشكل غير حاسم مع بكين لاسيما خلال اشتباكها مع الهند على طول حدود الهيمالايا، وواصلت تعدياتها الإقليمية في بحر الصين الجنوبي، وذهبت إلى معاقبة أستراليا الحليف الأمريكي القديم، بل استفادت من تخلي “ترامب” عن الشراكة عبر المحيط الهادئ للتفاوض والتوقيع على شراكة اقتصادية إقليمية شاملة جديدة مع 14 دولة آسيوية، بجانب إبرام اتفاقية استثمارية جديدة مع الاتحاد الأوروبي. وبالرغم من كونها مَنشأ الفيروس، تمكنت من السيطرة على الوباء داخل حدودها، واستعادت نموها الاقتصادي، في الوقت الذي لا تزال تعاني فيه الولايات المتحدة وبشدة.

7- توسع النفوذ الروسي: لم يبذل “ترامب”  أي جهد جاد لتحسين علاقته بموسكو، أو للعمل على خلق نوع من الانشقاق بين موسكو وبكين، رغم أن القيام بذلك قد يخدمه من الناحية الجيوسياسية. وبعيدًا عن فرض العقوبات على عدد أكبر من المسؤولين الروس، لم يفعل “ترامب” الكثير لتحدي روسيا أيضًا. بدلًا من ذلك، منع المساعدات عن أوكرانيا في محاولة لتعزيز حظوظه في الانتخابات، ولا تزال روسيا تتدخل في أوكرانيا اليوم، وتدعم نظام “بشار الأسد” في سوريا، و”خليفة حفتر” في ليبيا، ومن المرجح أيضًا أن تكون موسكو وراء الهجمات السيبرانية الضخمة التي تعرضت لها الأجهزة الحكومية الأمريكية خلال الفترة الماضية.

8–  ملف كوريا الشمالية: تعتبر طريقة إدارة “ترامب” في التعامل مع الملف النووي لكوريا الشمالية مثالًا آخر للسياسة الخارجية البعيدة عن الاحترافية؛ فقد حاول التقارب مع الزعيم الكوري، مقتنعًا بأن كاريزمته الشخصية ومهاراته في عقد الصفقات من شأنها أن تقنع الزعيم الكوري بالتخلي عن برنامج الردع النووي الذي يقوم على تطويره. وبالرغم من عقده عددًا من مؤتمرات القمة مع الزعيم الكوري الشمالي، والاهتمام الإعلامي الواسع بها، ينجح “ترامب” في تحقيق أي تقدم في المفاوضات بنهاية المطاف، بل إن القدرات الصاروخية الكورية الشمالية قد بدأت في التطور والتحسن.

9–سياسة العقوبات على طهران: يعد الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني بمنزلة خطأ كبير، ناهيك عن تبني سياسة “الضغوط القصوى” التي دفعت إلى انتهاجِها جماعاتُ الضغط اليهودية؛ فالقيادات الإيرانية لم تتأثر بقدر كبير بهذه العقوبات، ولا يزال النظام الديني مسيطرًا على الوضع، رغم انحدار الأداء الاقتصادي لإيران، ومعاناة المواطنين.

10– التعامل مع الجائحة: وفيما يتعلق بالتعامل مع أزمة كورونا، نوه التقرير بأن “ترامب” أنكر في البداية خطورة الوضع، ولم يشجع صراحةً على ارتداء الكمامات، أو اتباع ما دون ذلك من التدابير الوقائية، وأصر على أن الفيروس سوف يختفي “مثل السحر”، كما أثبت عجزه عن تنسيق نظام الفحص والتتبع الذي ربما كان ليساهم في احتواء الوباء قبل أشهر، وهو ما كبَّد الولايات المتحدة الآلاف من الأرواح، وألحق أيضًا ضررًا هائلًا بالاقتصاد الأمريكي، وصورة أمريكا في الخارج.

11– تقويض الوحدة الوطنية الأمريكية: لم يفعل “ترامب” إلا أقل القليل لتحسين البنية التحتية في الولايات المتحدة، كما أن سياسات الهجرة التي أصدرها، جعلت من الصعب على الشركات الأمريكية توظيف أفضل المواهب من الخارج؛ فبدلًا من تشجيع الوحدة الوطنية، شجَّع طوالَ سنوات حكمه الأربع، على زيادة الانقسامات بوزارة الخارجية وغيرها من مؤسسات الأمن الوطني؛ حيث عزل الكثير من العاملين في هذه المؤسسات؛ الأمر الذي ترك مناصب رئيسية إما غير مشغولة أو شاغرة بالموالين غير المؤهلين، وعزفت النخبة المؤهلة، حتى الجمهورية، عن التعامل مع الإدارة بفعل سلوك “ترامب”، وهو ما أضعف قدرة الحكومة على التعامل مع تهديدات الأمن القومي على وجه الخصوص.

وفي الختام، يمكن القول أن رفض الأمريكيين إعادة انتخاب الرئيس “ترامب” لولاية جديدة، يعود –في جزء منه– إلى رغبتهم في تبني القيادة بالبيت الأبيض سياسةً خارجيةً أفضل؛ فقد أوضح المواطنون أنهم لا يرغبون في تبني الانعزالية، لكنهم يميلون إلى سياسة خارجية أكثر تحفظًا ونجاحًا. وكان بوسع “ترامب” أن يبني على قاعدة الدعم التي تمتع بها للعمل مع حلفاء الولايات المتحدة من أجل تحقيق توازن أفضل بين التزامات البلاد، كما كان بوسعه أن يبنيَ على الاتفاق النووي مع إيران للتحرك نحو موقف أكثر توازنًا في التعامل مع القوى في الشرق الأوسط، وأن ينهي الحرب الأفغانية على وجه السرعة، وكان بوسعه أن يعمل مع اقتصادات متقدمة أخرى في مواجهة الصين، وأن يعمل على إصلاح منظمة التجارة العالمية بدلًا من محاولة إفراغها من مضمونها ودورها.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%86%d8%b9%d8%b2%d8%a7%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d8%b4%d9%86%d8%b7%d9%86/