انقسام داخلي:

هل لا يزال دونالد ترامب يتمتع بشعبية كبيرة داخل الحزب الجمهوري؟
انقسام داخلي:
11 أبريل، 2022

يسعى الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إلى تصدر المشهد السياسي الأمريكي، بعد خسارته الانتخابات الرئاسية لعام 2020، عبر الحضور في الأحداث السياسية للحزب الجمهوري. وعلى الرغم من التراجع النسبي للدعم الذي يحظى به ترامب على المستويين الشعبي والحزبي، لا يزال يحتفظ بقاعدة جماهيرية متحمسة له، فضلاً عن تمكنه من جمع مبالغ هائلة من المال، أغلبها من المتبرعين الصغار، لصالح الحزب؛ ما يعني أنه يمتلك نفوذاً يمكن تطويعه لتحقيق مصالح الجمهوريين إذا حدث توافق بين أعضاء الحزب على ذلك؛ حيث توجد انقسامات مختلفة داخل الحزب بعضها كانت بسبب ترامب؛ لذلك يحتاج الحزب إلى قيادة تعيد توحيد أعضائه المحافظين تحت مظلته، وتوضح أمام الجمهور الأمريكي أن الصراع مع الحزب الديمقراطي هو صراع حول مصلحة الوطن في المقام الأول والأخير، وليس صراعاً أيديولوجياً يعكس رغبات واهتمامات شخصية.

ملامح التراجع

أظهر استطلاع أجرته شبكة إن بي سي نيوز في يناير الماضي أن 56% من الجمهوريين يُعرِّفون أنفسهم الآن بأنهم مؤيدون للحزب أكثر من ترامب، مقارنةً بـ36% داعمين للرئيس السابق أكثر من الحزب؛ ما يعتبر تراجعاً عن نسب استطلاع أكتوبر 2020، حينما أعرب 54% عن تأييدهم لترامب أكثر من الحزب الجمهوري، وهي أرقام تدل على تراجع نسب التأييد الشعبي للرئيس الأمريكي السابق، لكنها في الوقت ذاته تدل أيضاً على أن التخلص من ترامب ليس بالأمر البسيط الذي يمكن تحقيقه في فترة وجيزة، مع استمرار تأييده على الرغم من خروجه من السلطة في 20 يناير 2021.

وبوجه عام، هناك ملامح عامة يمكن الاستدلال بها على أن الرئيس السابق قد تراجعت شعبيته داحل الحزب الجمهوري، وهي على النحو الآتي:

1– حدوث تحول ملحوظ في الولاءات الحزبية: على الرغم من استمرار وجود تأييد لترامب داخل الحزب، فإن الكثير من مؤيدي الرئيس السابق قد بدؤوا يعلنون عن تبدل اتجاهات تأييدهم. وعلى سبيل المثال، أعلنت أليسا فرح جريفين مديرة الاتصالات للرئيس دونالد ترامب سابقاً، أنها أضحت تدعم نائب الرئيس السابق مايك بنس، وزعيم الأقلية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل في آرائهما، بدلاً من دعمها للرئيس ترامب. وقد زاد التحول ضد ترامب بعدما أعلن نائبه السابق بنس أن ترامب “مخطئ” بشأن مزاعمه حول الانتخابات الرئاسية لعام 2020، وهو الأمر الذي وافق عليه ماكونيل الذي رفض تضخيم مزاعم ترامب بشأن حدوث تزوير في نتائج الانتخابات الرئاسية السابقة؛ ما أثار غضب الرئيس السابق الذي صرَّح بأن “ميتش ماكونيل لا يتحدث باسم الحزب الجمهوري ولا يمثل آراء الغالبية العظمى من ناخبيه”.

2– وجود رفض داخل الكونجرس والولايات: تتباين توجهات الجمهوريين داخل الكونجرس حول الرئيس الأمريكي السابق؛ إذ يوجد أعضاء داعمون لأفكار ترامب حتى الآن، كما يوجد أعضاء رافضون له وللمزاعم التي يروجها بشأن تزوير الانتخابات؛ وذلك على غرار السيناتور الجمهوري عن ولاية يوتا ميت رومني، ومايك راوندز من ساوث داكوتا، والنائبة ليز تشيني من وايومنج، وآدم كينزينجر من إلينوي، وليزا موركوفسكي من ألاسكا. كما أن هناك عدداً من حكام الولايات الجمهوريين الذين يرفضون علناً الرئيس السابق ترامب، مثل حاكم ولاية ماريلاند لاري هوجان. ويرفض العديد من الجمهوريين سيطرة ترامب على الحزب الجمهوري، مشيرين إلى تضرر سمعة الحزب، لكنهم نادراً ما ينددون بسياساته المختلفة أثناء حكمه، بل أحياناً ما يتم الإشادة بها على اعتبار أنها إنجازات تحققت في ظل وجود الحزب الجمهوري بالحكم.

3– انقسام حول مرشحي الانتخابات التمهيدية: لم يتفق أعضاء الحزب الجمهوري على المرشحين في الانتخابات التمهيدية لانتخابات التجديد النصفي للكونجرس؛ لذلك من المتوقع أن تشهد تلك الانتخابات سباقاً محموماً بين المرشحين المدعومين من الرئيس السابق ترامب والمرشحين الجمهوريين الآخرين. وفي ضوء النظريات التي تشير إلى خسارة الحزب الحاكم للمقاعد لصالح الحزب الآخر، من المتوقع أن ينجح الحزب الجمهوري في استعادة السيطرة على أغلبية الكونجرس الأمريكي في انتخابات التجديد النصفي المقرر لها في نوفمبر المقبل، وتحديداً داخل مجلس النواب.

وعلى الرغم من ذلك، يخشى الجمهوريون من تأثير ترامب على تلك الانتخابات سلباً، لا سيَّما أنه يستمر في ترديد المزاعم المتعلقة بتزوير نتيجة انتخابات عام 2020؛ ما يعيق تركيز الحزب على نحو أساسي على المستقبل؛ ولذلك يسعى زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ السيناتور ميتش ماكونيل، إلى تجنيد مرشحين جمهوريين لا يرددون مزاعم ترامب التي تضر بالديمقراطية الأمريكية. ويرى بعض الجمهوريين أن ترامب مخطئ في دعم بعض الشخصيات يبلغ عددهم نحو 12 مرشحاً للوصول إلى الانتخابات النهائية؛ حيث من المتوقع خسارة هؤلاء المرشحين، لا سيَّما أن بعضهم يحظى بشعبية ضعيفة داخل ولايته.

ولذلك سيكون من الصعب على الجمهوريين الدفع بهم إلى الانتخابات النهائية، ومن ثم ضياع فرص استعادة الحزب الجمهوري أغلبية الكونجرس الأمريكي؛ وذلك على غرار تشارلز هيربستر الذي أيده ترامب في نبراسكا، والذي يتعرض لانتقادات شديدة حول ممارساته التجارية من الحاكم الجمهوري الحالي، وكذلك جيف ديل في ولاية ماساتشوستس، الذي خسر العديد من السباقات في تلك الولاية المائلة للحزب الديمقراطي، حتى قال بعض الجمهوريين بأن ترشيح ديل سيكون ترشيحاً “أحمق”. ولكنْ هناك مرشحان يحظيتن بفرص قوية للفوز؛ لذلك قد يخلقان فرصة لإحداث تقارب بين ترامب وبقية الجمهوريين، وهما مرشحا ولايتي أركنساس وأيداهو.

4– رفض البعض خوض ترامب انتخابات 2024: قال بعض الجمهوريين الذين انتقدوا فترة حكم الرئيس السابق ترامب، وطريقة تعامله مع انتشار فيروس كورونا والركود الاقتصادي بسبب الوباء، إنهم لن يدعموا ترامب مرشحاً للحزب الجمهوري في خريف عام 2024، بل سيدعمون المرشح الديمقراطي إذا كان ترامب هو مرشح الحزب الجمهوري.

استمرار التأثير

بالرغم من تصدع العلاقات بين ترامب والكثير من أعضاء الحزب الجمهوري، فإن العلاقات لم تتبدد كلياً، كما أن ترامب لا يزال يمتلك قاعدة داعمة له داخل الحزب من جراء مجموعة من العوامل؛ من أهمها:

1– اختلاف ترامب عن الرؤساء السابقين: يختلف الرئيس السابق دونالد ترامب عن الرؤساء الأمريكيين السابقين، سواء كانوا من الديمقراطيين أو الجمهوريين؛ حيث فضَّل ترامب أن يكون تحت الأضواء بعد خروجه من منصبه، كما أنه يستمر في مساعيه الحثيثة للعب دور مؤثر داخل الحزب الجمهوري عبر صنع المزيد من المرشحين في الانتخابات التمهيدية للحزب لعام 2022. ولا يزال ناخبو الحزب داعمين له؛ ما يساعده على إغراء المرشحين في الانتخابات التمهيدية للحزب. ومع عدم وجود زعيم قوي داخل الحزب الجمهوري قادر على ملء فراغ ترامب، وتقاعد عدد من المشرعين الجمهوريين الوسطيين، وإعلان عدد آخر عن دعمهم لترامب؛ يظل ترامب شخصية ذات تأثير كبير أمام السيناتور ميتش ماكونيل الذي أعلن انفصاله التام عن أفكار ترامب.

2– وجود قاعدة سياسية داعمة لترامب: نجح ترامب في صنع قاعدة من السياسيين الموالين لأفكاره داخل الحزب الجمهوري الذين يرغبون في الاستفادة من قاعدته الشعبية وناخبيه في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، حتى إنهم لا يزالون قابعين تحت عباءة ترامب وأفكاره التي يروجونها أمام المواطنين؛ وذلك على غرار حاكم ولاية فلوريدا رون ديسانتيس؛ هذا فضلاً عن حاكمة فرجينيا جلين يونجكين، والسيناتور عن ولاية تكساس تيد كروز، والسيناتور جوش هاولي من ميسوري، وإن كان بعضهم يعمل على تطوير الأسلوب السياسي الخاص بهم بعيداً عن ترامب، لكنهم يتمسكون بالكثير من أفكاره.

3– احتمالية تحالف ترامب ومنافسيه: يرى البعض أن هناك احتمالية لعقد تحالف بين ماكونيل وترامب إذا كانت هناك رغبة لدعم الحزب الجمهوري في الانتخابات؛ حيث إن ماكونيل قادر على صياغة استراتيجيات الحملة الانتخابية، واختيار المرشحين الأنسب، أما ترامب فأكثر قدرةً على حشد الجماهير وجمع التبرعات لصالح الحزب؛ لذلك قد يحدث توافق بينهما في نهاية الأمر. وسيتطلب ذلك إيجاد صيغة للتوافق، في ظل استمرار الانقسامات داخل الحزب؛ لجملة من الأسباب، منها تكريس ترامب جهوده لهزيمة بعض المشرعين البارزين في الحزب الذين صوتوا لصالح عزله بسبب هجوم 6 يناير 2021، على غرار السيناتور ليزا موركوفسكي عن ولاية ألاسكا، والنائبة ليز تشيني عن ولاية وايومنج، ووجود داعمين لتحركات ترامب من داخل الحزب يرون أن الحزب بحاجة إلى تغيير قياداته الداخلية.

حالة اللايقين

وإجمالاً، يمكن القول إن هناك حالة من اللايقين بشأن مستقبل الحزب الجمهوري بعد ترامب؛ إذ إنه لا يمكن الجزم بالطبيعة التي ستؤول إليها الأمور داخل الحزب، في ظل وجود مجموعات منقسمة داخله بين التمسك بأفكار ترامب، وغياب القدرة على تشكيل هوياتهم السياسية الخاصة بهم، وبين نبذ أفكار ترامب ورفض وجوده السياسي داخل الحزب. وبين هذا وذاك، سيظل الحزب الجمهوري بحاجة إلى توحيد جهوده بدرجة أكبر، وتشكيل ائتلاف بين أفراده المنقسمين للفوز بانتخابات التجديد النصفي أمام الحزب الديمقراطي لعام 2022.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%86%d9%82%d8%b3%d8%a7%d9%85-%d8%af%d8%a7%d8%ae%d9%84%d9%8a/