انقلاب ناعم:

تداعيات اتهام رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة بالخيانة العظمى
انقلاب ناعم:
20 سبتمبر، 2021

أفاد كتاب “خطر Peril” للصحفي الأمريكي البارز في صحيفة “واشنطن بوست” بوب ودورد، والصحفي روبرت كوستا، الذي سيُنشَر في 21 سبتمبر الجاري، وفقاً لأجزاء منه نُشرت بصحيفة “واشنطن بوست”؛ بأن رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة الجنرال مارك ميلي، اتخذ في الأيام الأخيرة من رئاسة الرئيس السابق دونالد ترامب، تدابير سرية لتجنب اندلاع حرب بين الولايات المتحدة والصين؛ حيث أجرى اتصالاً بنظيره الصيني لطمأنته بأن واشنطن لن تهاجم بكين، ووجه أمراً إلى كبار مسؤولي القيادة العسكرية الأمريكية بعدم تنفيذ أي أمر متطرف قد يُصدره الرئيس السابق، ولا سيما على صعيد استخدام السلاح النووي، عقب هزيمته في الانتخابات الرئاسية لعام 2020 التي أجريت في نوفمبر الماضي، وهو الأمر الذي أسفر، في مجمله، عن تساؤلات عدة حول دلالات ذلك وتداعياته على مستقبل الجنرال ميلي المهني.

مخاطر التمرد العسكري

يحمل الكتاب الذي أثار موجة غضب واسعة في الأوساط الجمهورية –لما كشفه من تصرفات الجنرال ميلي– جملة من الدلالات المهمة عن تعامل المسؤولين العسكريين والاستخباراتيين خلال الإدارة الأمريكية السابقة مع التهديدات الأمنية التي كانت تشكلها تصرفات الرئيس السابق دونالد ترامب وتصريحاته عقب هزيمته في الانتخابات الرئاسية لعام 2020. ومن أبرز تلك الدلالات ما يلي:

1– مخاوف الاستخبارات الأمريكية بشأن الحرب: يرجع السبب الأول للإجراءات الاحترازية التي اتخذها الجنرال ميلي، إلى أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية قد خلصت إلى أن الصين تتحسَّب لهجوم أمريكي وشيك، وهو ما دفعه إلى الاتصال بنظيره الصيني “لي تشو تشنغ” مرتين في 30 أكتوبر: (قبيل الاستحقاق الرئاسي) وفي 8 يناير (أي بعد يومين على اقتحام مناصري ترامب مقر الكونجرس الأمريكي في 6 يناير الماضي).

ولذا، هدف الجنرال الأمريكي إلى تأكيد استقرار الدولة الأمريكية، كما شعر وزير الدفاع آنذاك مارك إسبر بالقلق من أن الصينيين قد يخطئون في قراءة الموقف، وأن سوء فهمهم قد يؤدي إلى صراع عسكري لا يريده أحد. ولذا، وجَّه إسبر بإصدار رسالة عبر القناة الخلفية إلى الصينيين لطمأنتهم بأن الولايات المتحدة ليس لديها نية في السعي إلى مواجهة عسكرية معها.

2– هواجس أمريكية حول حرب محتملة مع الصين: تتوقع العديد من التحليلات الأمريكية التي تتنبأ بهيكل النظام الدولي، حتمية التنافس الأمريكي–الصيني، وتشير إلى صدام محتمل قد يصل إلى حد الحرب العسكرية بين الدولتين. وقد حظيت تلك التحليلات بدفعة كبيرة في ظل إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، لا سيما في إطار الحرب التجارية مع الصين والتوترات في بحرها الجنوبي؛ إذ تعكس إجراءات الجنرال ميلي الاحترازية تلك الهواجس وبشدة، وهي الهواجس التي يخيم أفقها على إدارة جو بايدن الحالية، وبخاصة بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان وإعادة تموضع البوصلة الأمريكية المرتقبة تجاه الصعود الصيني وتحدياته عالمياً وعلى الداخل الأمريكي.

3– سعي الجيش الأمريكي إلى محاصرة ترامب: عقب هزيمة الرئيس السابق ترامب في الانتخابات الرئاسية لعام 2020، وبعد رفضه الإقرار بهزيمته، وخشية فقدان السيطرة على سلوكه؛ تزايدت المخاوف من تصرفات ترامب وتصعيده المحتمل ضد الصين وإيران، بل احتمالات استخدامه الأسلحة النووية ضدهما. ولهذا طلب الجنرال ميلي من مديرة وكالة الاستخبارات المركزية جينا هاسبل، ومن قائد الاستخبارات العسكرية الجنرال بول ناكاسون، مراقبة تصرفات الرئيس ترامب لرصد أي سلوك غريب. وقد رفض ترامب استبعاد ضرب طهران ولوَّح في بعض الأحيان باحتمالية هذا الهجوم؛ الأمر الذي دفع هاسبل إلى التساؤل: هل سنقوم بالهجوم إرضاء لغروره؟

4– تحركات سرية لإدارة مخاطر الأمن القومي: يسلط الكتاب الضوء على تحركات كبار الضباط العسكريين في البلاد لإدارة مخاطر الأمن القومي التي يُتصوَّر أن الرئيس دونالد ترامب شكَّلها في الأيام الأخيرة من رئاسته؛ فقد أقدم قائد الجيش الأمريكي على هذه الخطوة غير المسبوقة في تاريخ المؤسسة العسكرية بعد اقتحام مناصري ترامب مبنى الكونجرس في 6 يناير الماضي (أي قبل أيام من مغادرة ترامب البيت الأبيض) في وقت دفعت فيه كثير من التحليلات إلى أن ترامب أصيب بتدهور عقلي عقب خسارته الانتخابات؛ ما ضاعف المخاوف على الأمن القومي الأمريكي، لا سيما مع العجز عن منع أنصار ترامب عن اقتحام الكونجرس، ليصبح أي شي بعده ممكناً.

مستقبل الجنرال “ميلي”

من غير المُرجَّح أن يتأثر مستقبل الجنرال ميلي المهني بالنظر إلى جملة من الشواهد البارزة يمكن تحديدها من خلال النقاط التالية:

1– دعم الرئيس بايدن للجنرال ميلي: أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض جين بساكي، أن الرئيس جو بايدن يعرف ميلي جيداً، ولديه ثقة بقيادته وولائه للدستور، موضحةً أن التقارير التي تحدثت عن مكالمات بين ميلي ونظيره الصيني غير مُؤكَّدة ومحدودة المحتوى. كما أكدت بساكي أن بايدن يرغب في استمرار ميلي في منصبه؛ ما ينفي العزم على إقالته المحتملة من منصبه كما دعت بعض الاتجاهات، ومنها دعوة السيناتور الجمهوري ماركو روبيو العضو البارز بلجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ –على سبيل المثال– بعد أن دفع بأن ميلي يشكل خطراً على الأمن القومي الأمريكي، ويهدد قدرة الولايات المتحدة على قيادة العالم، ويقوض العلاقات المدنية–العسكرية.

2– تأييد وزير الدفاع الأمريكي للجنرال ميلي: أكد وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن، أنه يثق تماماً بالجنرال ميلي؛ حيث قال في مؤتمر صحفي: “كل ما قيل في هذا الكتاب حدث قبل أن أصبح وزيراً للدفاع؛ لذلك لا يمكنني التعليق على ما هو مكتوب فيه. أنا أثق بالجنرال ميلي”. وبينما نفى وزير الدفاع مسؤوليته عما ورد في الكتاب، فإنه أكد –في المقابل– أن ميلي لن يتعرض للإقالة على خلفية ما بات يصفه البعض بفضيحة “ميلي” لتسريبه معلومات سرية إلى الحزب الشيوعي الصيني قبل نشوب نزاع مسلح محتمل مع الصين.

3– نفي ميلي تجاوز سلطاته: أكد مكتب ميلي أنه لم يُجرِ اتصالات سرية بالصين للالتفاف على قادة الحكومة المدنيين، كما أكد المتحدث باسم الجنرال ميلي، الكولونيل ديف بتلر، أن كل اتصالات ميلي بنظرائه، بما فيها ما ورد ذكره في الكتاب، أجريت بحضور موظفين، وبتنسيق وتواصل مع وزارة الدفاع، ومشاركة من الوكالات المعنية، وأكد أيضاً أن ميلي يواصل العمل وإسداء النصح ضمن سلطته. وأكد ميلي أن اتصالاته بمسؤولين صينيين كانت ضمن إطار عمله ومهامه، وواجبات ومسؤوليات وظيفته، كما أكد أن مثل هذه المكالمات أمر روتيني لطمأنة كل من الحلفاء والخصوم من أجل ضمان الاستقرار الاستراتيجي.

لكن الأصوات المعارضة ترى أن تلك المكالمات تعني بالضرورة أن رئيس هيئة الأركان المشتركة سيحذر الصين حال وقوع حرب فعلية؛ الأمر الذي يؤكد حرصه على المصالح الصينية أكثر من نظيرتها الأمريكية، وهو ما يقتضي مثوله أمام الكونجرس في جلسة استماع في وقت لاحق من الشهر الجاري.

ختاماً، فإن من المتوقع أن يستغل الجمهوريون وأنصار الرئيس السابق دونالد ترامب ما نُشِر للمطالبة بمحاكمة الجنرال ميلي واتهامه بالخيانة العظمى والمطالبة بإقالته؛ لذا يتوقع البعض أن تكون جلسة الاستماع المرتقبة أمام الكونجرس واحدة من أكثر الجلسات سخونةً. ونظراً إلى ارتباط الأمر بفشل ترامب في الفوز في الانتخابات الرئاسية السابقة، وتزامنه مع أحداث الكونجرس التي شوَّهت الصورة الأمريكية عالمياً، والدعم الواسع الذي يحظى به ميلي من قبل مؤسسة الرئاسة ووزارة الدفاع؛ فإن من غير المتوقع أن يتأثر مستقبله المهني أو أن تسفر جلسة الاستماع عن تداعيات كارثية بحقه.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%86%d9%82%d9%84%d8%a7%d8%a8-%d9%86%d8%a7%d8%b9%d9%85/