انهيار وشيك:

كيف تطوَّرت الأزمة الاقتصادية في سريلانكا؟
انهيار وشيك:
17 مايو، 2022

تتعرَّض دولة سريلانكا الواقعة في جنوب آسيا لانهيار اقتصادي وشيك؛ إذ باتت الدولة تكافح من أجل استيراد الضروريات الأساسية لسكانها البالغ عددهم 22 مليون نسمة؛ نظراً إلى تقلُّص الاحتياطيات الأجنبي وتعمق أزمة الديون الخارجية. ذلك الوضع الاقتصادي المتعثر، حوَّل حياة المواطنين اليومية إلى دورة لا نهاية لها من الانتظار في طوابير للحصول على السلع الأساسية، حتى اضطُرَّت المتاجر في الأسابيع الأخيرة إلى الإغلاق؛ لعدم قدرتها على تشغيل الثلاجات أو المكيفات أو المراوح نتيجة انقطاع التيار الكهربي.

وهو الأمر الذي أدخل الحكومة السريلانكية في أزمة سياسية عميقة؛ ما أثار غضب المواطنين ودفعهم إلى تنظيم احتجاجات مناهضة للحكومة وأعمال عنف استمرت لأسابيع، لكنها أدت في النهاية إلى استقالة رئيس الوزراء السريلانكي “ماهيندا راجاباكسا”، وتعيين رئيس وزراء جديد للبلاد يدعى “رانيل ويكريميسينغه” يوم 12 مايو الجاري؛ وذلك وسط أزمة اقتصادية خانقة وسخط شعبي وتحديات ضخمة على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

عوامل متداخلة

تعاني سريلانكا من أسوأ أزمة اقتصادية منذ استقلالها عن بريطانيا في عام 1948، وقد ساهمت جملة من العوامل في تفاقم الوضع الاقتصادي في سريلانكا؛ أغلبها يتعلق بالسياسات الاقتصادية الخاطئة للحكومة السريلانكية، علاوة على بعض العوامل الأخرى التي نلقي الضوء عليها فيما يأتي:

1– الإنفاق الضخم على مشاريع لا تحقق عائداً: أنفقت سريلانكا مبالغ كبيرة على مشاريع البنية التحتية المشكوك في جدواها والمدعومة بقروض صينية تضاف إلى ديونها؛ ففي منطقة “هامبانتوتا” الجنوبية، استنزف بناء ميناء ضخم في أعماق البحار مَبالغ هائلة منذ اللحظة التي بدأت فيها عملياته، وهو ما كلَّف الدولة نحو 300 مليون دولار في ست سنوات، علاوة على إنفاق نحو 200 مليون دولار على مطار لم يكن في فترة من الفترات قادراً على تسديد فاتورة الكهرباء به، هذا إضافة إلى العديد من المشاريع التي مثلت عبئاً ماليّاً على الدولة، دون تحقيق عائد مادي يذكر من ورائها.

2– تخفيضات ضريبية غير مدروسة: خلال السنوات الأخيرة، وضمن محاولات النظام السريلانكي لتخفيف حدة المعارضة لسياساته، جرى تبني بعض الإجراءات لامتصاص حالة الغضب الشعبي، ربما كان أبرزها التخفيضات الضريبية في نوفمبر 2019، التي تضمنت تخفيض معدلات ضريبة القيمة المضافة – التي تشبه ضرائب السلع والخدمات في بعض الدول – من 15% إلى 8%. علاوة على ذلك أُلغيت الضرائب غير المباشرة الأخرى، كما تم تخفيض معدلات الضرائب على الشركات من 28% إلى 24% وهو ما ترتَّب عليه فقدان الناتج المحلي الإجمالي نحو 2% من الإيرادات، علاوةً على تفاقم العجز المزمن في الميزانية؛ ما دفع وكالات التصنيف الائتماني إلى تخفيض التصنيف الائتماني للدولة بسبب القلق من خروج الدين العام عن نطاق السيطرة؛ الأمر الذي وضع قيوداً إضافيةً على الحكومة عند الرغبة في الحصول على قروض جديدة.

3– تداعيات سلسلة الانفجارات في كولومبو: تعرَّضت السياحة السريلانكية لضربة قوية قبل تفشي جائحة كورونا، نتيجةً لسلسلة الانفجارات في الكنائس والفنادق الفاخرة في العاصمة السريلانكية كولومبو، في أبريل 2019. فعقب هذه الهجمات، حدث انخفاض حادٌّ في عدد السياح الوافدين إلى سريلانكا. ووفق بعض التقارير، فإن ذلك الانخفاض وصل إلى ما نسبته 80%؛ ما تسبب في حرمان سريلانكا من قدر كبير من النقد الأجنبي من جراء تقلُّص عدد السياح إلى تلك الدرجة.

4– الانعكاسات الاقتصادية لجائحة كورونا: بعد بضعة أشهر فقط من سياسات التخفيضات الضريبية، اجتاح فيروس كوفيد–19 العالم؛ ما ساهم في تعميق الأزمة الاقتصادية داخل سريلانكا؛ إذ تأثر قطاع السياحة سلباً بفعل عمليات الإغلاق نتيجة انخفاض عدد السياح الدوليين الوافدين إلى الصفر، فيما تضاءلت تحويلات السريلانكيين العاملين في الخارج، وهما الركيزتان الرئيسيتان للاقتصاد السريلانكي اللتان تعتمد عليهما الحكومة اعتماداً أساسيّاً في خدمة ديونها. ومع غياب هذين المصدرَين الهامَّين للنقد الأجنبي، اضطرت إدارة “راجاباكسا” إلى استخدام مخزوناتها من النقد الأجنبي لسداد القروض.

5– التأثير العكسي لقرار حظر الأسمدة: سرعان ما استنزفت سريلانكا احتياطاتها من العملات الأجنبية بمعدل ينذر بالخطر؛ مما دفع السلطات في عام 2021 إلى حظر العديد من الواردات، بما في ذلك الأسمدة والكيمياويات الزراعية التي يحتاجها المزارعون لزراعة محاصيلهم؛ وذلك انطلاقاً من رغبة الحكومة السريلانكية في أن تصبح أول دولة تعمل بنظام الزراعة العضوية بالكامل في العالم.

غير أن تلك الخطوة كانت لها تداعياتها الكارثية؛ إذ تسببت في ترك المزارعين ما يصل إلى ثلث الحقول الزراعية في البلاد بدون زراعة، وهو ما أسفر عن انخفاض حادٍّ في الإنتاج الزراعي، وبالتحديد الغلة، وهو ما أضر – بالتبعية – بإنتاج الشاي الذي يعد مصدراً حيويّاً لصادرات الدولة؛ ما دفع الحكومة إلى التخلي عن تلك السياسة في نهاية عام 2021، بعد الاحتجاجات التي نظمها العمال الزراعيون، والارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية.

6– ارتدادات الحرب الأوكرانية على الاقتصاد السريلانكي: أدت الحرب الروسية الأوكرانية إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط عالميّاً، وهو ما ألقى بظلاله على الاقتصاد السريلانكي؛ فقد أخذت مخزونات الوقود في سريلانكا في النفاد؛ ما دفع السلطات إلى الإعلان عن زيادة عدد مرات قطع التيار الكهربائي في جميع أنحاء الدولة إلى أربع مرات في اليوم؛ لأنه ليس بمقدورها توفير وقود كافٍ لمحطات توليد الطاقة. كذلك أدى نقص الوقود إلى طوابير طويلة في محطات الوقود، وانقطاع التيار الكهربائي في معظم أنحاء البلاد، كما تسبب النقص الخطير في الديزل في إغلاق العديد من محطات الطاقة الحرارية، وهو ما ترتَّب عليه انقطاع التيار الكهربائي في جميع أنحاء البلاد.

7– دور الديون في تفاقم الأزمة: من وجهة نظر العديد من المحللين الاقتصاديين، فإن العلاقات الاقتصادية بين سريلانكا والصين هي المحرك الرئيسي وراء الأزمة الاقتصادية في سريلانكا، وهو ما أطلقت عليه الولايات المتحدة مسمى “دبلوماسية فخ الديون”؛ فبمقتضى تلك الدبلوماسية، تقدم بلد ما قروضاً لدولة أخرى، بغرض زيادة نفوذها السياسي، وإذا لم تتمكن الدولة المقترضة من تسديد ديونها، فإنها بذلك تكون تحت رحمة المُقرِض. ومع ذلك، شكَّلت القروض من الصين نحو 10% فقط من إجمالي الدين الخارجي لسريلانكا في عام 2020، فيما مثلت نسبة القروض اليابانية نحو 11%. أما الجزء الأكبر من حجم الدين الخارجي، البالغ نحو 30%، فيُعزى إلى السندات السيادية الدولية.

تداعيات مقلقة

أدت العوامل المتشابكة والمتلاحقة المشار إليها سابقاً، إلى تداعيات سلبية على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في سريلانكا. وفيما يأتي نسلط الضوء على أبرز تلك التداعيات:

1– إنتاج ظروف اجتماعية قاسية: دفعت الأزمة الاقتصادية التجار إلى الكفاح من أجل الحصول على العملات الأجنبية في سبيل شراء السلع المستوردة. وفي غضون ذلك، كانت المواد الغذائية الأساسية، كالأرز والعدس والسكر ومسحوق الحليب، قد بدأت تختفي من على أرفف المحلات؛ ما أجبر المتاجر الكبرى على تقنين المعروض من السلع. فيما أخذ البنزين والكيروسين في محطات الوقود في النفاد، ومن ثم لم يعد بإمكان المرافق شراء ما يكفيها من النفط لتلبية الطلب على الكهرباء، فيما ظل المواطن السريلانكي يكابد في طوابير طويلة والانتظار لساعات من أجل شراء إمدادات ضئيلة من الوقود. ومع انقطاع التيار الكهربائي، أضحى العديد من المواطنين يبيتون في الظلام كل ليلة.

2– تفاقم الديون والتخلُّف عن السداد: أعلن الرئيس الجديد للبنك المركزي الذي عُيِّن في أبريل الماضي لعام 2022، عن نية سريلانكا التخلف عن سداد ديونها الخارجية في سبيل توفير النقد للواردات الأساسية؛ وذلك بتعليق مدفوعات ديون خارجية بقيمة 7 مليارات دولار مستحقة هذا العام، مع استحقاق ما يقرب من 25 مليار دولار بحلول عام 2026 من إجمالي 51 مليار دولار. بيد أن تلك الخطوة فشلت في دعم الأوضاع المالية المتدهورة لسريلانكا؛ إذ لم يكن لدى سريلانكا سوى 50 مليون دولار من الاحتياطات الأجنبية، وحاليّاً تُجري مفاوضات مع صندوق النقد الدولي بشأن خطة إنقاذ للاقتصاد تشمل حزمة إصلاحات صارمة مقابل تقديم الدعم المالي لوقف نزيف الاقتصاد السريلانكي.

3– انخفاض احتياطات النقد الأجنبي: بحلول أواخر عام 2021، تقلَّصت احتياطيات سريلانكا من العملات الأجنبية إلى 2.7 مليار دولار، انخفاضاً من 7.5 مليار دولار وقت تولي “راجاباكسا” رئاسة الوزراء قبل عامين. وقد استمرت الاحتياطيات الأجنبية لسريلانكا منذ مطلع عام 2022 في الانخفاض إلى أن وصلت إلى 50 مليون دولار قابلة للاستخدام في بداية شهر مايو الجاري.

4– ارتفاع التضخم وانخفاض قيمة الروبية السريلانكية: أدى الارتفاع المفاجئ في أسعار السلع الأساسية إلى زيادة معدلات التضخم إلى مستويات قياسية، حتى بلغ في أبريل الماضي نحو 30% ارتفاعاً عن نسبته في فبراير الماضي الذي وصل التضخم فيه إلى 17.5%، وهو معدل أعلى بكثير من النطاق الذي كان يستهدفه البنك المركزي، وهو الوصول إلى معدل تضخم يتراوح بين 4 و6% على المدى المتوسط.

وفي المقابل، تشهد سريلانكا انخفاضاً في قيمة الروبية السريلانكية، مقابل الدولار الأمريكي بنسبة 33% منذ مطلع العام الجاري وحتى أول أبريل 2022. وبالنظر إلى تحركات أسعار الصرف عبر العملات، فإن قيمة الروبية السريلانكية قد انخفضت أيضاً مقابل الروبية الهندية بنسبة 31.6%، واليورو بنسبة 31.5 %. والجنيه الإسترليني بنسبة 31.1%، والين الياباني بنسبة 28.7 % خلال الفترة ذاتها.

5– زيادة معدلات البطالة والفقر: مع تفاقم الأزمة الاقتصادية في سريلانكا، فقَدت العديد من الأسر السريلانكية وظائفها، فيما انخفضت معدلات الدخل، وهو ما أدى بدوره إلى ارتفاع معدلات الفقر. وبحسب بيانات صادرة عن البنك الدولي، فإن نسبة الفقراء على أساس الدخل اليومي البالغ 3.20 دولار، قد نمت إلى 11.7% في عام 2020 –أي لأكثر من نصف مليون شخص – من 9.2% في عام 2019، وهو ما جعل الحكومة تقدم بدلاً لنحو 5 ملايين من الأسر ذات الوضع المالي الهش والدخل المنخفض، قدره 5000 روبية خلال عمليات الإغلاق من جراء تفشي جائحة كوفيد–19، لكن ذلك لم يساعد إلا لفترة وجيزة.

6– ارتفاع أسعار الوقود: أدى النقص الحاد في العملات الأجنبية إلى عدم قدرة حكومة راجاباكسا على دفع ثمن الواردات الأساسية، بما في ذلك الوقود؛ ما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي لمدة تصل إلى 13 ساعة. وقد استمرت أسعار الوقود في الارتفاع على نحو متكرر؛ حيث ارتفع البنزين بنسبة 92%، والديزل بنسبة 76% منذ بداية العام الجاري.

7– تصاعد التوترات السياسية والاحتجاجات العنيفة: دفعت الأوضاع الاقتصادية المتدهورة في سريلانكا المواطنين إلى احتجاجات واسعة في الشارع السريلانكي دامت لأسابيع، وشهدت أعمال أعنف؛ ما أسفر في النهاية عن استقالة رئيس الوزراء ماهيندا راجاباكسا، في الوقت الذي تعاني فيه الدولة من الوباء والديون الضخمة وارتفاع أسعار الغذاء والوقود.

الدعم الخارجي

ختاماً.. تسعى سريلانكا إلى الحصول على قروض عاجلة من صندوق النقد الدولي بعد تلقيها دعماً وقروضاً من الصين والهند واليابان، ومن المفترض أن تحصل الدولة على القرض السابع عشر من صندوق النقد الدولي في سبيل احتواء الأزمة الاقتصادية التي هي بصددها، غير أن ذلك القرض سيتطلب في المقابل الالتزام بشروط الصندوق واتباع سياسة مالية انكماشية، وهو ما من شأنه أن يحد احتمالات الانتعاش الاقتصادي ويزيد معاناة الشعب السريلانكي.

ويأتي تعيين رئيس الوزراء السريلانكي الجديد “رانيل ويكريميسينغه” في الثاني عشر من مايو الجاري، في توقيت شديد الحساسية في ظل أسوأ أزمة تشهدها الدولة السريلانكية في تاريخها كدولة مستقلة، ليُلقي على عاتقه مسؤولية تبني سياسات اقتصادية يكون لها وقع جيد على الاقتصاد السريلانكي المتعثر والتخفيف من وطأة الظروف الاجتماعية القاسية التي يكابدها شعبه.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a7%d9%86%d9%87%d9%8a%d8%a7%d8%b1-%d9%88%d8%b4%d9%8a%d9%83/