بؤرة الأزمات:

الآفاق المحتملة لمنطقة الهندو–باسيفيك في 2023
بؤرة الأزمات:
24 يناير، 2023

تحتضن منطقة الهندو–باسيفيك أكثر من نصف سكان العالم، كما أنها تضم نحو ثلثي اقتصاد العالم، وسبعة من أكبر الجيوش النظامية. وعلى الرغم من أن تسمية المنطقة تحت هذا المسمى الجغرافي الذي يربط أكبر محيطات العالم بعضها ببعض لم يكن بالأمر الجديد، فإن التسمية قد انتشر استخدامها على الساحة السياسية منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، لتصل إلى أعلى مستوياتها خلال عام 2022. ويعكس هذا التحول الأهمية الجيوسياسية والاستراتيجية التي أصبحت تمثلها المنطقة خلال هذه الحقبة الزمنية، ناهيك عن صبغ صانع القرار الأمريكي المنطقة بطابع استراتيجي خاص، بدايةً من الرئيس “أوباما” وحديثه الشهير عن تحول الولايات المتحدة الأمريكية في سياستها الخارجية نحو آسيا، وصولاً إلى إعلان واشنطن الرسمي في فبراير لعام 2022 عن تدشين استراتيجية أمريكية موسعة للتعاطي مع منطقة الهندو–باسيفيك على وجه الخصوص. وتصدرت أيضاً المنطقة عناوين الأخبار خلال العام الماضي، ويتوقع أن تلعب دوراً حاسماً في رسم خريطة النظام الدولي خلال الأعوام القادمة.

اتجاهات رئيسية

من المتوقع أن تشهد منطقة الهندو–باسيفيك خلال عام 2023 عدداً من الاتجاهات الرئيسية الحاكمة للتفاعلات بين دول المنطقة بعضها وبعض، وكذلك بينها وبين القوى الدولية المنخرطة في شؤون الإقليم:

1– حدوث تحسن نسبي في العلاقات الصينية–الأمريكية: احتضنت قمة مجموعة العشرين، التي عُقدت في إندونيسيا خلال نوفمبر الماضي، أول لقاء رسمي يجمع الرئيس الصيني “شي جين بينج” والرئيس الأمريكي “جو بايدن” منذ تولي الأخير الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية. وعلى الرغم من وجود اختلافات جوهرية بين الطرفين حول كيفية إدارة الأزمات الدولية – على غرار الحرب الأوكرانية والموقف من تايوان – فإنهما قد أكدا أهمية الحفاظ على لغة للحوار والتواصل فيما بين الطرفين، كما تم التوافق على أن تقوم الجهات الدبلوماسية المُمثِّلة للطرفين باتصالات دورية لمناقشة القضايا ذات البعد الاستراتيجي بشكل دوري منتظم.

وعلى الصعيد الاقتصادي، اتفق الزعيمان على أن المجموعات المالية التابعة للدولتَين ستُواصِل الانخراط في حوار بنَّاء، لتنسيق سياسات الاقتصاد الكلي والعلاقات الاقتصادية والتجارية، التي شهدت حالة من الشد والجذب طَوال عام 2022، كما أكد الطرفان ضرورة التعاون في مجالات الصحة العامة والزراعة والأمن الغذائي، بالإضافة إلى العديد من المجالات الأخرى. وكخطوة مبدئية، سيقوم وزير الخارجية الأمريكي “أنتوني بلينكن” بزيارة بكين خلال شهر فبراير من عام 2023 لمتابعة الاتفاقات والتوجيهات التي توصَّل إليها الزعيمان خلال قمة العشرين؛ ما يجعله أول وزير خارجية أمريكي يزور الصين منذ ما يقرب من خمس سنوات.

وقد شهدت وزارة الخارجية الصينية تغييراً لعدد من كبار الأسماء القائمين على إدارتها، خاصةً أعضاءها الذين تبنَّوا سياسة خارجية تقوم على مهاجمة الخصوم، وعدم التواني في التعامل مع الانتقادات الموجهة لبكين بحدة وعنف، التي تعرف باسم “دبلوماسية الذئاب المحاربة”. وجاء تعيين “تشين جانج” سفير الصين السابق لدى الولايات المتحدة، وزيراً للخارجية ليؤكد سعي الصين لإعادة تقديم سياستها الخارجية في حلة جديدة، تساعد على تهدئة حدة المنافسة والحرب التجارية والتكنولوجية القائمة حالياً مع واشنطن؛ ما يفتح المجال أمام بكين للتركيز على إعادة اقتصادها إلى مستويات تشغيل ما قبل الجائحة، حتى إن كانت التهدئة لن تصمد طويلاً.

2– تحرك الاقتصاد الصيني نحو مستويات التشغيل الكلية: بعد ثلاث سنوات من الإغلاق والتطبيق الحازم للتدابير الاحترازية، وفقاً لاستراتيجية بكين الصارمة “صفر كوفيد”، التي أعاقت الأنشطة الاستثمارية والأعمال التجارية في جميع أرجاء الصين؛ يسعى ثاني أكبر اقتصاد في العالم إلى الانفتاح الكلي وإعادة الاندماج مع العالم؛ ما يرفع توقعات الأداء للاقتصاد الصيني خلال الفترة المقبلة. وفي هـذا الشأن، ذكر الأمين العام لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية “ماتياس كورمان”، أن عودة النشاط الاقتصادي إلى طبيعته المعتادة خلال الفترة القادمة، ستكون له نتائج إيجابية للغاية في المعركة العالمية ضد التضخم.

ويشير الخبراء إلى أن الاقتصاد الصيني سيشهد تحسناً ملحوظاً في النصف الثاني من عام 2023، وهو الأمر الذي لم يشهده منذ فترة زمنية طويلة؛ حيث حقَّق الناتج المحلي الإجمالي الصيني في عام 2022، نمواً بقدر 3% فقط، وهو ثاني أبطأ معدل نمو للصين منذ عام 1976، وأقل بكثير من هدف الحكومة البالغ نحو 5.5%. ومع ذلك، فإن من المتوقع أن يتعافى الاقتصاد الصيني بمعدل أسرع من المتوقع خلال عام 2023، خاصةً مع وقف الحكومة العمل بجميع الإجراءات الاحترازية التي حجَّمت حركة ونشاط الاقتصاد الصيني.

ستُعطِي عودة الاقتصاد الصيني إلى مستويات تشغيله السابقة، دفعة مطلوبة للاقتصاد العالمي ككل، ويحتمل أن يسهم هذا الأمر بصورة أخص في إعادة تشكيل وتقوية العلاقات بين الصين ودول جنوب شرق آسيا على المدى الطويل في المجال التجاري والاستثماري، وهو ما سيدفع بكين إلى تصفير عدد من مشاكلها الخارجية مع هذه الدول، أو على الأقل تجنب الدخول والتورط في أزمات وتوترات إقليمية ودولية.

3– تبني الصين موقفاً أكثر توازناً من الحرب الأوكرانية: وبالحديث عن تصفير خلافاتها الخارجية، تمثل الحرب الأوكرانية تحدياً كبيراً أمام صانع القرار الصيني، الذي تبنى مواقف سياسية أكثر مهادنةً للجانب الروسي، إلا أنه قد بدأ خلال الشهور الأخيرة من عام 2022، يُنحِّي نفسه عن بعض الأفعال الروسية ويتبنى موقفاً أكثر وسطيةً تجاه الأزمة ككل؛ فمن ناحية تسعى الصين إلى إعادة معدلات نموها الاقتصادي إلى مستويات ما قبل الجائحة، كما تسعى للتوسع في شق التعاون التكنولوجي من مبادرة “الحزام والطريق” مع عدد من الدول النامية، وهو الأمر الذي أصبح شبه مستحيل بفعل الحرب الأوكرانية؛ فقد أدخلت الحرب الاقتصاد العالمي في حالة من الشلل العام، وأضعفت اقتصاديات العديد من الدول النامية؛ ما جعل الكثير منها يتخلف عن تسديد ديونه الخارجية، ليتم تسليط المزيد من الضوء على ما تسمى “دبلوماسية فخ الديون الصينية”.

يتمثل التأثير السلبي الأكبر للحرب الأوكرانية في حشد الحرب حالةً من التعاطف الدولي والعداء العام لأي تحركات أحادية من قوى كبر ى ضد الدول المجاورة لحل الخلافات الحدودية فيما بينها، وإجراء مقاربة بين ما تُعانيه أوكرانيا من ويلات حالياً تحت وطأة الحرب، والوضع المستقبلي الذي يُتوقَّع أن تشهده تايوان على يد الصين، ناهيك عن دفع الحرب بعض الدول إلى التخلي عن سياسات الحياد، والانضمام إلى سباقات تسلح جديدة تهدد التفوق النوعي الصيني في هذا المضمار، خاصةً اليابان؛ ولذا يتوقع أن تعمل الصين على إنهاء الحرب بالتعاون مع الولايات المتحدة، أو على الأقل وقف منح روسيا ضوءاً أخضر للتصرُّف في أوكرانيا كما تشاء، وعدم تبني السردية التي تؤكد أن الناتو والولايات المتحدة وحدهما من يمكن لومهما على اندلاع الحرب.

4– تصاعد محتمل للتوتر بين الصين واليابان: على الرغم من عدم ترجيح أن تلجأ الصين إلى الخيار العسكري لضم تايوان إلى أراضيها خلال عام 2023، وبروز عدد من المؤشرات التي تعزز فرضية تأجيل بكين الدخول في مواجهة مباشرة ضد الولايات المتحدة الأمريكية خلال ذات العام، فإن المعطيات على الأرض لا تبدو إيجابيةً على النحو ذاته عند النظر إلى العلاقات الصينية–اليابانية.

فمع إعلان اليابان عن استراتيجيتها الجديدة تجاه منطقة الهندو–باسيفيك، وإضفاء صفة العدو، بصورة أو بأخرى، على الصين في ثنايا هذه الاستراتيجية، ناهيك عما سبق الإعلان عن تلك الاستراتيجية من تغيرات في البنيان العسكري الياباني، وبناء طوكيو شراكات عسكرية موسعة مع عدد من الدول الكبرى على غرار بريطانيا وأستراليا والهند؛ أصبحت الصين تنظر بشيء من التوجُّس إلى اليابان، كما أنها أوضحت في أكثر من مناسبة أنها لن تكتفي بتبني موقف المُشاهِد، وسارعت بالرد بصورة محدودة على التطورات في السياسة العسكرية والخارجية اليابانية الأخيرة؛ إما بإجراء تدريبات عسكرية هي الأولى من نوعها بالقرب من المجالين الجوي والبحري اليابانيين، أو عن طريق شن حملة إعلامية موسعة مناوئة لليابان وسياساتها الأخيرة.

وعلى الرغم من إقدام الصين على هذه الخطوات التحذيرية تجاه اليابان، فإن طوكيو لم تُظهِر أي تراجع عن سياساتها الجديدة، بل أظهرت حماساً كبيراً للانضمام إلى الحظر الأمريكي المفروض على بعض الصناعات التكنولوجية الصينية، وهو ما يُرجِّح الفرضية القائلة إن عام 2023 قد يشهد فصلاً جديداً من التصعيد في تاريخ العلاقات الصينية–اليابانية.

5– استمرار سياسات التصعيد من جانب كوريا الشمالية: تشير توقعات العام الجديد إلى أن كوريا الشمالية ستستمر في تهديد حالة الاستقرار العام في شبه الجزيرة الكورية؛ حيث أطلقت العديد من الصواريخ الباليستية خلال العام الفائت. وقد أكد تقرير أصدره في يناير الجاري “المعهد الكوري لتحليل الدفاع” – وهو مركز أبحاث مرتبط بوزارة الدفاع في كوريا الجنوبية – أن كوريا الشمالية لديها ما يصل إلى 80 أو 90 سلاحاً نووياً، وتريد امتلاك ما يصل إلى 300 سلاح إضافي؛ ما يجعلها رابع أكبر قوة نووية في العالم، بعد الولايات المتحدة وروسيا والصين. وبجانب ذلك قدَّر “معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام” في العام الماضي أن كوريا الشمالية لديها 20 سلاحاً نووياً، وما يكفي من المواد الانشطارية لبناء 55 وحدة نووية جديدة تُعزِّز ترسانتها النووية.

وتُساهِم الزيادة المضطردة في القدرات النووية الكورية الشمالية، في دفع دول الجوار نحو تعزيز قدراتها العسكرية، بما في ذلك النووية؛ فقد صرح رئيس كوريا الجنوبية “يون سوك يول” لأول مرة بأن بلاده قد تصنع أسلحة نووية خاصة بها، أو قد تطلب من الولايات المتحدة إعادة نشر بعض صواريخها النووية في شبه الجزيرة الكورية؛ لحماية أمنها القومي من تهديدات بيونج يانج. وعلى الرغم من نفي البيت الأبيض وجود نية لدى الولايات المتحدة لنشر أسلحة نووية أو إجراء مناورات نووية مشتركة مع جمهورية كوريا الجنوبية، فإن تصريحات سيول ترجح إمكانية تصاعد حدة التوترات بين الكوريتين، خاصةً إذا قدمت الصين دعماً غير محدود للنظام الكوري الشمالي لضمان استمرار تمثيلها مصدر إزعاج وتهديد لليابان وكوريا الجنوبية (حليفتَي الولايات المتحدة بالمنطقة) بالنيابة عنها.

6– تجنُّب كوريا الجنوبية اتخاذ موقف حاسم من الصين واليابان: بعد أقل من عام من إصدار إدارة “جو بايدن” أحدث استراتيجية للولايات المتحدة في منطقة الهندو–باسيفيك، أعلنت كوريا الجنوبية عن استراتيجيتها الخاصة في المنطقة خلال ديسمبر الماضي. وقد كشفت هذه الوثيقة عن تحوُّل حاسم في النوايا السياسية لسيول وتركها نهج الرئيس السابق مون جاي إن، الذي كان يتسم بالحذر وتجنب المبادرة، كما أظهرت الاستراتيجية تطلع كوريا لأول مرة للعب دور استراتيجي أكبر في المنطقة الأوسع للمحيطَين الهندي والهادئ، في خضم المنافسة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والصين، بما يتجاوز تركيزها التقليدي على منطقة شرق آسيا وجنوب شرق آسيا. وقد استخدمت هذه الاستراتيجية مراراً مصطلح “دولة محورية عالمية” للإشارة إلى ما تهدف كوريا الجنوبية إلى أن تكون عليه، خاصةً فيما يتعلق بتوسيع مشاركتها الخارجية على العديد من المستويات والملفات الإقليمية.

أكدت الاستراتيجية الكورية الجنوبية بدورها أيضاً عدم استهدافها أو استبعادها التعاون مع دولة بعينها – في إشارةٍ إلى الصين – وانفتاحها على جميع الأنماط من الشراكات. ووصفت الاستراتيجية أيضاً الصين بالشريك الرئيسي لتحقيق الازدهار والسلام في المنطقة، كما أظهرت قدراً من الإيجابية في تطلع سيول إلى اليابان، وتأكيد أهمية تعميق العلاقات الثلاثية التي تجمعها بكل من طوكيو وواشنطن. وعلى الرغم من تمثيل هذه الاستراتيجية خطوةً هامةً في سبيل تبني سيول موقفاً رائداً في المنطقة، فإنها تمثل إعادة إنتاج لموقف كوريا الجنوبية الذي يرفض الخروج بصورة كاملة من مظلة الحماية الأمريكية، ناهيك عن استخدام تعبيرات متقاربة في وصف شراكتها بكل من الصين واليابان، وهو ما يعني أن كوريا الجنوبية ترفض بناء تعاون استراتيجي قوي مع اليابان في مواجهة الصين، وهو ما يمثل ضربة للجهود الأمريكية في هذا المضمار.

7– تأرجح العلاقات الصينية–الهندية بين التعاون والتنافس: لا تُعَد الهند بمنأى عن القلق المتزايد بشأن الاقتصاد العالمي؛ حيث إن أسعار الفائدة المرتفعة والتضخُّم، فضلاً عن عدم اليقين المستمر بشأن الحرب الأوكرانية، يدفع العالم إلى حافة الركود. وما يضاعف الأزمة الاقتصادية الهندية، وجود تراجع كبير في معدل التعاون الاقتصادي بين الهند والصين؛ وذلك بفعل النزاعات الحدودية وانعدام الثقة الاستراتيجية والمنافسة المتزايدة فيما بينهما.

وعلى الرغم من ذلك، نجحت الهند خلال عام 2022 في تبني سياسات برجماتية ساهمت في تجنبها الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع الصين، مع عدم الظهور في صورة القوى المنكسرة والمستسلمة للهيمنة الصينية على منطقة الهندو–باسيفيك؛ فعلى سبيل المثال، تشارك الهند في المجموعة الرباعية، وهي تجمع غير رسمي مع اليابان وأستراليا والولايات المتحدة، تم تحديثه من حوار أمني رفيع المستوى إلى قمة على مستوى القادة في عام 2021 تهدف إلى احتواء نفوذ الصين في منطقة “المحيطين الهندي والهادئ”، كما رفضت نيودلهي الانضمام إلى اتفاقية التجارة الإقليمية الشاملة للشراكة الاقتصادية، التي تعد الصين عضواً فيها، على الرغم من قبولها الانخراط في أعمال “الإطار الاقتصادي لمنطقة ما وراء المحيط الهندي والهادئ” الذي تقوده الولايات المتحدة، والذي تم استبعاد الصين منه.

 وخلال عام 2023، ستستضيف الهند حدثَين دوليَّين مهمَّين للغاية لأول مرة في تاريخها؛ هما: “قمة مجموعة العشرين” و”القمة السنوية لرؤساء دول منظمة شنجهاي للتعاون”. وتُعتبَر كل من الهند والصين عضوَين مؤسسَين ورئيسيَّين في هذه المجمعات الاقتصادية. ومن هنا، يمكن أن تمثل القمتان فرصة هامة لتحسين العلاقات الدبلوماسية بين بكين ونيودلهي، خاصةً مع حاجة الاقتصاديين للنمو والخروج من مأزق الجمود والانكماش. ومع ذلك، ستكون الاجتماعات السياسية الثنائية أمراً نادراً بسبب انعدام الثقة بين الجانبَين، وموقف الهند الدبلوماسي الحازم المستمر ضد الصين. وبشكل عام، لن يشهد العام المقبل أيَّ تحسن جذري في العلاقات بين الصين والهند على الرغم من أنه قد تكون هناك مبادرات سياسية عرضية لإعادة تشكيل ورسم الخطوط العريضة للعلاقات الثنائية والحفاظ على الحد الأدنى من التعاون بين الطرفَين.

8– تحقيق اقتصاديات جنوب شرق آسيا معدلات نمو مرتفعة: رفع المنتدى الاقتصادي العالمي السنوي الذي انعقد خلال العام الماضي، التوقعات الخاصة بمعدلات النمو الاقتصادي لمنطقة شرق آسيا، التي هي في طريقها لأن تصبح أكبر سوق في العالم بحلول عام 2030، خاصةً مع زيادة استقرار قيمة عملات دول المنطقة في مقابل الدولار الأمريكي. وقد توقعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي “لرابطة دول جنوب شرق آسيا (الآسيان)” نحو 5.2%، خلال عام 2023. ومع ذلك، تتباين معدلات النمو الاقتصادي بشكل كبير فيما بين دول المنطقة بعضها وبعض؛ حيث تقع ميانمار في مؤخرة التوقعات، بينما تتصدَّر الفلبين الجانب الإيجابي من المؤشر.

ويُتوقَّع أن تلعب “آسيان” (الكتلة التجارية والسياسية الإقليمية لمنطقة جنوب شرق آسيا) دوراً حاسماً في مستقبل الاقتصاد العالمي خلال السنوات القادمة. ويرجع ذلك إلى ارتفاع مساهمة اقتصاديات دول هذه المجموعة في معدلات نمو الاقتصاد العالمي، ناهيك عن الدور الكبير الذي تلعبه في مجال الطاقة؛ حيث تُمثِّل الرابطة رابع أكبر مستهلك للطاقة في العالم. وعلى الرغم من اعتماد اقتصاديات دول الرابطة على مصادر الطاقة التقليدية؛ حيث يشكل الوقود الأحفوري 83% من مصادر توليد الطاقة لدى دولها، فإنه توجد العديد من التجارب الرائدة لدول المنطقة في مجال الطاقة المتجددة، على غرار تجربة فيتنام في سوق الطاقة الشمسية. وتتمثل النقطة الأخيرة والأهم في كون المنطقة تُعَد مستقبلاً جديداً للعديد من الشركات الدولية، خاصةً التكنولوجية، التي تركت الصين واتخذت دول شرق آسيا مركزاً جديداً لأنشطتها التصنيعية المختلفة.

9– استفادة الدول الصغيرة بالمنطقة من التنافس الدولي: يُرجَّح أن تستمر الدول الصغيرة في منطقة الهندو–باسيفيك في استخدام سياسة متوازنة تُتِيح لها الاستفادة من حالة التنافس الدولي على المنطقة؛ فخلال السنوات الأخيرة، أكدت جزر الهندو–باسيفيك، في أكثر من مناسبة، رغبتها في تطوير علاقات متوازنة مع كافة الأطراف الإقليمية والدولية. ولعل هذا ما تجلَّى في تفاعل هذه الجزر مع كل من الولايات المتحدة والصين؛ ففيما واصلت هذه الجزر تدعيم علاقاتها ببكين، بما في ذلك العلاقات الأمنية، على غرار ما تضمنه الاتفاق الذي جرى توقيعه مع جزر سليمان في شهر أبريل الفائت، فإنها في الوقت ذلك حافظت على تقاربها مع واشنطن، وهو ما أظهرته القمة التي جمعت واشنطن بدول جزر المحيط الهادي، في شهر سبتمبر الماضي؛ إذ أعلن الرئيس الأمريكي “بايدن” في القمة عن تمويل بقيمة 810 ملايين دولار للدول الجزرية في المحيط الهادئ. وشددت الدول المُشارِكة على أهمية التعاون والشراكة فيما بينها.

10– احتمالية تفاقم الأزمات السياسية الداخلية في بعض دول المنطقة: يمكن أن تتعرض بعض دول جنوب شرق آسيا لأزمات سياسية داخلية تنعكس سلباً على مؤشرات الاستقرار الداخلي؛ فعلى سبيل المثال، يمكن أن تفضي الانتخابات العامة في تايلاند، خلال شهر مايو القادم، إلى نهاية حكم حزب “بالانج براتشارات” ليتدخل الجيش عسكرياً في العملية الانتخابية (إما بالتلاعب في التصويت وإما بالانقلاب)؛ ما يؤدي إلى إعادة إشعال الاضطرابات الاجتماعية. أما فوز المعارضة فقد يؤدي إلى مأزق سياسي بين الحكومة ومجلس الشيوخ المُعيَّن من قبل الجيش. وفي ماليزيا، ستكافح الحكومة غير المتجانسة أيديولوجياً لتنفيذ إصلاحات لتقوية العملة وخفض التضخم؛ ما يزيد مخاطر حدوث أزمات سياسية إضافية. وفي كمبوديا، قد يؤدي الخروج المحتمل لرئيس الوزراء “هون سين” إلى صراع على السلطة بعد انتخابات البلاد في يوليو. وفي سنغافورا، يمكن أن يستقيل رئيس الوزراء “لي هسين لونج” لصالح ابنه الأكبر ليخلفه على زعامة البلاد، بينما قد يسعى الحزب الحاكم إلى الحصول على تفويض جديد في انتخابات مبكرة، وقد يؤدي أيٌّ منهما إلى جمود في السياسة.

اهتمام دولي

أخيراً، يُتوقَّع أن تُبادِر عدد من دول المنطقة وبعض الدول الأوربية إلى إصدار استراتيجيات جديدة موجهة بصورة محددة للتعاطي مع هذه المنطقة التي ستكون في قلب الأحداث العالمية خلال الأشهر والسنوات القادمة. ويُضَاف إلى ذلك تزايد الاهتمام الأمريكي والصيني بجميع الفواعل من الدول القائمين في هذه المنطقة؛ ما يعزز إمكانية تصدر أسماء عدد من الدول غير المعروفة، عناوين الأخبار الرئيسية لتحوُّلها إلى ساحة جديدة للتنافس فيما بين بكين وواشنطن، وبقدر ما قد يدفع هذا التنافس إلى توترات في المنطقة، فإنه في الوقت ذاته، قد يحقق بعض المكاسب لدول المنطقة، وخاصةً الدول الصغيرة.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a8%d8%a4%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b2%d9%85%d8%a7%d8%aa/