بدائل متنوعة:

هل يمكن لفنلندا تحمُّل تبعات وقف إمدادات الطاقة الروسية؟
بدائل متنوعة:
19 مايو، 2022

أثار اعتزام فنلندا التقدُّم بطلب للانضمام إلى حلف الناتو، استياء الجار الروسي الذي رأى في تلك الخطوة إضراراً بمصالحه الاستراتيجية وأمنه القومي، لذا هددت روسيا باتخاذ “خطوات انتقامية”، وأعلنت عن نيتها قطع إمدادات الكهرباء إلى فنلندا اعتباراً من الرابع عشر من مايو الجاري، وهو ما أعلنت عنه الشركة الفنلندية التابعة لشركة Inter RAO الروسية المملوكة للدولة، بحجة عدم تسديد فنلندا فواتير الكهرباء. لكن ذلك الموقف في حقيقة الأمر، يُظهِر حجم الغضب الروسي من تخلي جارتها الشمالية عن الحياد على نحو مفاجئ منذ غزو روسيا لأوكرانيا، في سبيل الانضمام إلى حلف الناتو؛ العدو الرئيسي لروسيا. وهو ما دفع لجنة الاستعداد للطوارئ التابعة للحكومة الفنلندية إلى الإعلان بعد اجتماع طارئ لها يوم 13 مايو الجاري – أي في اليوم التالي مباشرةً للقرار الروسي – عن استعداد فنلندا للتعامل إذا قطعت روسيا إمداداتها من الغاز الطبيعي؛ الأمر الذي يثير تساؤلات حول إذا ما كانت فنلندا قادرة فعليّاً على تحمُّل تبعات قرارها الانضمامَ إلى حلف الناتو بعد تقدمها بالطلب رسميّاً يوم 18 مايو الجاري، وإذا ما كانت قادرة حقّاً على تعويض ذلك النقص المفاجئ في الطاقة من جرَّاء التصعيد الروسي، وبدائل فنلندا خلال المرحلة المقبلة.

مؤشرات مطمئنة

قبل الإجابة عن السؤال الخاص بالبدائل المتاحة أمام فنلندا للتكيف مع وقف روسيا إمدادات الطاقة عنها التي بدأت بالكهرباء، ويُحتمَل أن تمتد إلى الغاز الطبيعي، فإن ثمة مؤشرات هامة في حاجة إلى الوقوف أمامها لفهم أي خطورة قد يُشكِّلها القرار الروسي بالنسبة إلى فنلندا:

1– محدودية حجم استهلاك فنلندا من الغاز الروسي: يمثل الغاز الطبيعي نحو 5% فقط من إجمالي استهلاك فنلندا من الطاقة، فيما تتنوع المصادر الرئيسية للطاقة في فنلندا بين النفط والكتلة الحيوية والطاقة النووية، لكن ما بين 60 – 70% من الغاز الطبيعي في فنلندا يأتي من روسيا، وهنا مكمن الخطورة، خاصةً مع اعتماد الصناعة الفنلندية عليه بدرجة كبيرة، وهو ما يُعرِّض الاقتصاد الفنلندي لتداعيات سلبية إذا خسرت فنلندا الغاز الطبيعي الروسي، نظراً إلى دوره المحوري في الإنتاج الصناعي؛ لذا تبحث الدولة والشركات على السواء في الوقت الراهن عن خيارات بديلة في ظل قطع إمدادات الكهرباء الروسية.

2– إمدادات الكهرباء الروسية المنخفضة: بالرغم من أن احتياجات فنلندا من الطاقة الروسية مثَّلت في العام الماضي نحو 34% من إجمالي إمداداتها من الطاقة، بما في ذلك النفط والفحم ومصادر الطاقة الأخرى، إلا أن قطع إمدادات الكهرباء الروسية عن فنلندا، لا يُتوقع منه نقص في الكهرباء؛ فوفق الإذاعة العامة الفنلندية، فإن فنلندا قد حصلت من روسيا في عام 2021، على 14% فقط من احتياجاتها من الكهرباء، بيد أن القلق الحقيقي يتمثل في أن يكون قطع إمدادات الكهرباء عن فنلندا هو تمهيداً لتصعيدٍ أكبر من قِبل روسيا خلال المرحلة المقبلة، كقطع إمدادات الطاقة الروسية بالكامل عنها.

3– ارتفاع حجم الاستهلاك من مصادر الطاقة الأخرى: على الجانب الآخر، هناك مؤشر إيجابي على قدرة فنلندا على التعامل مع مسألة قطع إمدادات الكهرباء الروسية دون تعرُّض لخسائر ضخمة، يتمثل في تجاوز الطاقةُ المتجددةُ الوقودَ الأحفوريَّ في إجمالي استهلاك فنلندا من الطاقة في عام 2020؛ ما جعل فنلندا أقل اعتماداً على مصادر الطاقة الروسية. وبحسب قاعدة بياناتStatistics Finland  فإن نسبة استهلاك فنلندا من الطاقة النووية قد بلغت خلال عام 2021، نحو 26.1% من استهلاكها الإجمالي للطاقة، فيما مثلت نسبة استهلاكها من الطاقة المائية نحو 17.9%. أما طاقة الرياح فقد بلغ نسبة استهلاكها نحو 9.4%. بينما لم يتجاوز استهلاك فنلندا من الطاقة الشمسية سوى 0.4%، فيما بلغ استهلاكها من واردات الطاقة نحو 20.5%. وأخيراً استحوذت مصادر الطاقة الحرارية على 25.8% من إجمالي استهلاك فنلندا من الطاقة. في المقابل يستأثر قطاع الصناعة على النسبة الكبرى من إجمالي الطاقة بنحو 43.5%، فيما يستهلك قطاع الإسكان والزراعة نحو 28.3%. أما قطاع الخدمات العامة فيحصل على نحو 25.2%، بينما تبلغ حجم الخسائر من الطاقة من جراء عمليات توزيع ونقل الطاقة نحو 3%.

4– السعي نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي من الطاقة: ترتبط فنلندا بشبكة الغاز الأوروبية عبر خط غاز البلطيق، وهو خط أنابيب فنلندي إستوني يربط فنلندا بدول البلطيق التي اعتمدت تاريخياً بدرجة كبيرة على الغاز الروسي، لكنها ذهبت إلى تنويع إمداداتها خلال السنوات الأخيرة، باستخدام محطات استيراد الغاز الطبيعي المسال، وتوسيع اتصالاتها مع أوروبا الغربية. ووفق “أولي سيبيلا” الرئيس التنفيذي لشركة Gasgrid Finland التي تُدير شبكة أنابيب الغاز الفنلندية، فإن السوق الفنلندية سيكون لديها ما يكفي من الغاز إذا انقطعت إمدادات الغاز الطبيعي من روسيا؛ إذ يتم شحن الغاز الطبيعي المُسال، بواسطة ناقلات كبيرة حول العالم عبر البلطيق؛ ما يجعل خط أنابيب البلطيق قادراً على تلبية احتياجات فنلندا من الغاز، فيسهل تعويض الغاز الروسي إذا تم قطع إمداداته عنها، خاصةً أن مؤشرات ذلك قد بدأت تظهر بالفعل.

5– اتخاذ فنلندا خطوات فعلية نحو إزالة الكربون: تُسرِّع فنلندا عملية إزالة الكربون من اقتصادها بهدف الوصول إلى صافي صفر انبعاثات بحلول عام 2035. وقد أحرزت فنلندا تقدماً كبيراً بالفعل في ذلك المجال، وبالتحديد في مجال توليد الطاقة بفضل الحصص الكبيرة من الطاقة النووية والمائية والحيوية. في المقابل، انخفض استخدام الوقود الأحفوري بدرجة كبيرة في فنلندا خلال السنوات القليلة الماضية، فيما بلغت مصادر الطاقة المتجددة بالفعل نحو 40% من الاستهلاك النهائي للطاقة، ليقترب بذلك من الهدف المحدد في الاستراتيجية الوطنية للطاقة والمناخ حتى عام 2030، وهو تعزيز إنتاج الطاقة الصادرة عن مصادر الطاقة المتجددة إلى أكثر من 50%، بنهاية العقد الحالي.

تنويع المصادر

تتبنى فنلندا خطوات حقيقية نحو تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي في توليد الكهرباء، بجانب سعيها إلى زيادة الكمية التي تنتجها بنفسها كل عام، ومن المتوقع أن يتم توليد 2000 ميجاواط إضافية خلال العام الجاري، وتحقيق الاكتفاء الذاتي بالكامل بحلول العام المقبل؛ وذلك من خلال الاستثمار في عدة قطاعات تتمثل في الآتي:

1– الطاقة الحيوية: تلعب الطاقة الحيوية دوراً رئيسيّاً في إنتاج الطاقة المتجددة في فنلندا، وخلال السنوات الأخيرة، شكَّلت الطاقة المشتقَّة من الوقود الخشبي نحو ربع إجمالي استهلاك الطاقة في فنلندا؛ حيث إن معظم أنواع وقود الخشب منتجات ثانوية لصناعة الغابات، بما في ذلك السائل الأسود المشتق من عملية صنع اللب واللحاء ونشارة الخشب ومُخلَّفات الأخشاب الصناعية الأخرى. علاوة على ذلك تُستخدَم مخلفات قطع الأشجار والكتلة الحيوية الأخرى المنخفضة القيمة والناتجة من عمليات الحصاد في توليد الطاقة. وبناء عليه، تمكن الوقود الخشبي من تغطية نحو 28% من إجمالي استهلاك الطاقة في فنلندا، وكان أكثر مصادر الطاقة استخدامًا في عام 2020.

2– الطاقة المائية: شكَّلت الكهرباء الخالية من الانبعاثات الناتجة عن الطاقة الكهرومائية نحو 24% من إجمالي حصة توليد الكهرباء في عام 2020، بزيادة قدرها 28% مقارنةً بعام 2019، نتيجة ظروف الإنتاج الجيدة، بيد أن تلك النسبة قد عاودت في الانخفاض إلى 17.9% في عام 2021، لكنها تظل نسبة جيدة يمكن الاستثمار فيها وتنميتها على مدار السنوات القليلة القادمة.

3– طاقة الرياح: بدأ اهتمام فنلندا بطاقة الرياح في توقيت متأخر مقارنةً بالعديد من البلدان الأوروبية الأخرى. ومع ذلك، اكتسبت طاقة الرياح في فنلندا زخماً كبيراً في السنوات الماضية، كما حققت إحصاءات البناء والإنتاج الوطنية أرقاماً قياسية جديدة عاماً بعد عام. وفي نهاية عام 2019، تم تركيب 754 مولداً لتوربينات الرياح في فنلندا، بقدرة إجمالية بلغت 2284 ميجاوات، استطاعت توليد نحو 7% من استهلاك الكهرباء في فنلندا في عام 2019. وفي عام 2020، ارتفع إنتاج طاقة الرياح بنحو 30%، وزادت حصتها من إنتاج الكهرباء لأكثر من 10% للمرة الأولى.

4– الطاقة الحرارية الجوفية: حققت الطاقة الحرارية الجوفية، أو الطاقة الجيولوجية كما يطلق عليها غالباً في فنلندا، قفزات ملحوظة خلال السنوات الخمس الماضية؛ حيث ازدهرت المضخات الحرارية المقترنة بالهواء، التي لا تزال شائعة، كما أنها هي الأكثر مبيعاً في فنلندا. غير أن الاتجاه الحالي يتحوَّل أكثر فأكثر إلى استخدام المضخات الحرارية الأرضية، سواء كان ذلك في المشروعات الصغيرة أو السكنية أو المشاريع كبيرة الحجم.

5– الطاقة الشمسية: نظراً إلى موقع فنلندا الشمالي، فإن إنتاجها من الطاقة الشمسية يظل محدوداً بدرجة كبيرة. وبالرغم من ذلك، فإن إنتاج الحرارة الشمسية السنوي لديها هو أقل بنحو 20% فقط من شمال إيطاليا التي تتمتع بمناخ قاري معتدل، فيما تتساوى مع ألمانيا في حجم مستويات الإشعاع السنوية. لكن التحدي الرئيسي في توليد الطاقة الشمسية في فنلندا، يظل مرتبطًا بالتحديات التقنية الرئيسية، في ظل تقطع الطاقة الشمسية المتاحة، لا سيما في المنطقة الشمالية في فنلندا ذات الطقس الشديد البرودة. وبالرغم من تضاعف حصة توليد الطاقة الشمسية في فنلندا في عام 2020، وثباتها على ذلك في عام 2021، فإن الحصة لا تزال متواضعة؛ إذ تُقدَّر بنحو 0.4٪ فقط من إجمالي توليد الطاقة في البلاد.

6– بناء خط أنابيب جديد للغاز: يدخل الغاز الطبيعي إلى فنلندا على نحو رئيسي من خلال خطَّي أنابيب. أما خط الأنابيب الأول فهو خط أنابيب مباشر إلى مدينة إيماترا الواقعة في شرق فنلندا، وهو خط تمتلكه روسيا؛ حيث يتم ضخ الغاز الروسي من خلاله إلى شبكة الغاز الفنلندية. أما الآخر فهو خط غاز البلطيق، وهو خط أنابيب غاز يمتد على طول الجزء السفلي من خليج فنلندا من إستونيا، وقد تم الانتهاء منه قبل عامين، وهو ما يوفر لفنلندا مصدراً بديلاً للغاز الروسي؛ إذ يربط ذلك الخط الجديد شبكة الغاز الفنلندية بشبكة البلطيق ثم بأسواق الغاز الأوسع.

7– الطاقة النووية: تعمل فنلندا على تدعيم أمن الطاقة وإمدادات الطاقة النظيفة لديها من خلال الاستثمار في الطاقة النووية؛ إذ تمتلك فنلندا خمسة مفاعلات نووية، كان آخرها المفاعل Olkiluoto 3″” النووي، الذي تم تدشينه في الثاني عشر من مارس 2022، وهو مفاعل نووي يقع في جنوب غرب فنلندا، ومن المتوقع عندما يصل ذلك المفاعل إلى حالة التشغيل والإنتاج الكامل، أن يولد نحو 90٪ من الكهرباء في فنلندا.

إجمالاً.. مما تتقدم يتضح أنه بالرغم من اعتماد فنلندا الملحوظ في الغاز الطبيعي على روسيا، فإن نسبة استهلاك فنلندا من الغاز الطبيعي في الأساس تمثل %5 فقط من إجمالي استهلاكها من الطاقة، كما أن فنلندا في طريقها نحو تقليل اعتمادها على الغاز الروسي، بتبنيها بدائل أخرى عديدة للطاقة الروسية، بما يُمكِّن فنلندا من تعويض المفقود من الغاز الروسي. بيد أن ذلك قد يؤثر سلباً على الاقتصاد الفنلندي خاصةً في ظل اعتماد الإنتاج الصناعي بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي القادم من روسيا، إلا أن ما سيُساعد فنلندا على تخطي ذلك، هو نجاحها الفعلي خلال السنوات القليلة الماضية في تنويع مصادر الطاقة لديها.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a8%d8%af%d8%a7%d8%a6%d9%84-%d9%85%d8%aa%d9%86%d9%88%d8%b9%d8%a9/