براجماتية موسكو:

كيف يمكن فهم السياسة الروسية تجاه الشرق الأوسط؟ (حلقة نقاشية)
براجماتية موسكو:
28 أكتوبر، 2021

أضحت روسيا ضمن القوى الدولية الحاضرة بقوة في التفاعلات الإقليمية على امتداد منطقة الشرق الأوسط، بدايةً من أمن الممرات البحرية، ومروراً بتفاعلات الطاقة وتوازنات أسواق النفط، وانتهاءً بالتدخلات العسكرية في بؤر الصراعات في سوريا وليبيا. وفي هذا الإطار، نظّم “إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية” حلقة نقاشية بعنوان “العامل الروسي: كيف يمكن فهم سياسة موسكو تجاه الشرق الأوسط؟”، بمشاركة د. صامويل راماني، مُحاضر العلاقات الدولية بجامعة أكسفورد والزميل المشارك بمعهد الخدمات الملكية المتحدة في بريطانيا.

ملامح الدور الروسي:

تجمع روسيا بين العديد من الروافد في ممارسة دورها الإقليمي، وفي هذا السياق تتمثل أبرز ملامح الانخراط الروسي في الإقليم فيما يلي:

1– التزامن بين الانخراط العسكري والطاقة والدبلوماسية: توظف روسيا حالياً عدة مسارات للتأثير في التفاعلات الجارية في الشرق الأوسط، هي: التدخل العسكري في مناطق الصراعات في سوريا وليبيا، ورعاية عمليات التسوية في الدولتين، وبلورة رؤى لأمن الخليج العربي، وأخيراً تقديم دور الضامن لاتفاقات أوبك+ النفطية لضبط أسعار النفط.

2- اتّباع استراتيجية “الدبلوماسية المرنة”: تتبع موسكو استراتيجية الدبلوماسية المرنة في العلاقات مع دول المنطقة، حيث يحكم سياساتها مبدأ (Friends of All – Allies of none – Enemies of None) “الصداقة مع الجميع – تجنب التحالفات – البعد عن علاقات العداء”، حيث تقوم هذه السياسة على عدم تحمل تكلفة تقديم ضمانات أمنية لدول المنطقة، أو الانخراط في عداء مع أي طرف إقليمي بما يؤثر على مصالحها.

3- دعم الاستقرار السياسي والقوى الداعمة للدول القومية: بلورت روسيا خلال فترة الثورات العربية سياسة تقوم على دعم الاستقرار والوضع الراهن، ورفض القوى الثورية وتيارات الإسلام السياسي، ودعم القوى الداعمة للدولة القومية، وهو ما دفعها للتدخل عسكرياً لدعم نظام “الأسد” في سوريا، واتخاذ مواقف متحفظة ورافضة لتمدد التيارات المثيرة للاضطرابات في العديد من دول الإقليم.

4- محدودية الأسس الاقتصادية والمادية للنفوذ الروسي في الشرق الأوسط: على الرغم من الانخراط السياسي والعسكري المتزايد لروسيا في المنطقة، إلا أن الأسس الاقتصادية والمادية لدورها الإقليمي تُعد محدودة نسبياً مقارنة بالقوى الكبرى الأخرى (مثل: الصين، والولايات المتحدة) على مستوى الاستثمارات والتجارة الخارجية، حيث ترتكز في مجالات ذات قيمة مضافة محدودة مثل صادرات الأغذية وأنشطة شركات الطاقة، مقارنة بالدور الاقتصادي الصيني المركزي في التفاعلات الاقتصادية لدول الشرق الأوسط.

5- الشراكة التنافسية بين روسيا والصين في الإقليم: تحكم علاقة روسيا بالصين حالة من الشراكة التنافسية، حيث يوجد تلاقٍ في المصالح بين القوتين، واستغلالٌ متوازٍ للانسحاب الأمريكي من المنطقة، لكن لا يوجد تنسيق لسياساتهما أو مناقشات لقضايا المنطقة في محادثات المسؤولين من الطرفين، ويتحركون بصورة منفصلة وتنافسية في الإقليم، خاصةً في قطاع الطاقة والموانئ والتسليح. ويعني ذلك عدم وجود جبهة صينية-روسية موحدة في الشرق الأوسط.

6- عدم تفضيل روسيا الانسحاب العسكري الأمريكي: تستفيد روسيا من تحمل واشنطن لأعباء ضمان الأمن في مناطق الاضطرابات بالشرق الأوسط، لأنها غير مستعدة لتقديم ضمانات أمنية أو التواجد العسكري في مناطق متعددة، لذلك كانت روسيا تُعارض ضمناً الانسحاب الأمريكي من أفغانستان.

7- سياسة روسيا لاحتواء القوى المعادية: تسعى روسيا لاحتواء الأعداء المحتملين لمصالحها عبر تأسيس قنوات للاتصال والتفاوض معهم، وعدم ترك هذه القوى تتحرك ضدها بصورة كاملة، وهو ما يحكم علاقات روسيا بدول مثل تركيا التي تعتبرها روسيا خصماً في الشرق الأوسط، لكنها تحرص على استمرار التفاوض معها، وتتوصّل معها إلى تسويات لمنع الوصول إلى نقطة الصدام الكامل.

وعلى الرغم من المفاوضات المتواصلة بين روسيا وتركيا لتنسيق السياسات في سوريا؛ إلا أن روسيا تدرك التحركات التركية المناوئة لمصالحها في آسيا الوسطى وسوريا، ومحاولات تركيا توظيف التفاوض مع روسيا كورقة ضغط في العلاقات مع الغرب.

ركائز التمدد الإقليمي:

توصف روسيا في العديد من الأدبيات بأنها “طرف مقيم” في تفاعلات الشرق الأوسط وليست مجرد قوة خارجية مؤثرة على التفاعلات الإقليمية، حيث تستند للعديد من الركائز في تعزيز تأثيرها في التفاعلات الإقليمية، التي تتمثل فيما يلي:

1– الاستناد للإرث التاريخي للدور الروسي في الإقليم: توظف موسكو دورها في منطقة الشرق الأوسط وتأثيرها التاريخي في تفاعلات الشرق الأوسط والذي وصل أوجه خلال فترة الحرب الباردة عبر دعم النظم الاشتراكية في المنطقة، ومحاولة تأسيس موطئ قدم في الممرات الملاحية الحيوية بالإقليم ضمن سياسة التمركز في “المياه الدافئة” والاستقطاب الثنائي في مواجهة الكتلة الغربية.

2- استغلال مدركات دول الإقليم للانسحاب الأمريكي: يهيمن على مدركات دول المنطقة أن الولايات المتحدة لم تعد حليفاً يمكن الاعتماد عليه في توفير ضمانات للأمن والاستقرار الإقليمي، وهو ما تجلى في عدة مواقف يتمثل أبرزها في تجنب واشنطن التصدي للتهديدات العسكرية من جانب المليشيات الموالية لطهران وتهديدات أمن الملاحة في الممرات البحرية الحيوية بالإقليم، بالإضافة للانسحاب الأمريكي من أفغانستان.

3- تطلّع دول المنطقة لاستغلال التعددية القطبية: تسعى دول الإقليم لتنويع علاقاتها الدولية، وعدم الاقتصار على علاقات وثيقة مع قوة دولية واحدة فقط، بالإضافة إلى تنويع صادرات الأسلحة للتغلب على المشروطية الغربية والضغوط السياسية المرتبطة بتدخلات في الأوضاع الداخلية لدول الإقليم وقضايا حقوقية متباينة.

4- توظيف الروابط الثقافية والدينية: تستغلّ روسيا الروابط الثقافية مع دول الإقليم، مثل الجاليات الإسلامية لدى روسيا، وهو ما دفعها للحرص على الحصول على عضوية مراقب في منظمة المؤتمر الإسلامي، والسعي لتعزيز الارتباط الثقافي بالمنطقة من خلال دبلوماسية ثقافية نشطة تقودها المراكز الثقافية الروسية ذات الأنشطة المتنوعة.

5- اتّباع سياسات عدم التدخل ودعم الاستقرار: تلتزم روسيا سياسة تقوم على تجنب التدخل في الشؤون الداخلية للدول المستقرة في الإقليم، وتجنب الانخراط في الجدل حول قضايا حقوقية مقارنة مع الدول الغربية التي تضع هذه الملفات في صدارة أولوياتها. وتسعى روسيا من خلال هذه السياسة لدعم الاستقرار، والحفاظ على الوضع الراهن في المنطقة.

6- الاستثمار في القوة الناعمة الروسية: تسعى روسيا لتعزيز قوتها الناعمة وجاذبية السياسات الروسية في الإقليم وصناعة صورة لدولة قوية قادرة على دعم حلفائها، وهو ما يتجلى في أنشطة قنوات ومنصات الإعلام الروسي، مثل “روسيا اليوم” و”سبوتنيك”، التي تنتقد السياسات الغربية بصورة حادة، بالإضافة إلى الدبلوماسية الصحية ودبلوماسية اللقاح التي تستهدف التأكيد على قدرة روسيا على التصدي للتحديات العالمية، وتقديم الدعم لدول المنطقة.

مستقبل الدور الروسي:

يُتوقع أن تتمكن روسيا من الحفاظ على نفوذها الإقليمي والبقاء في قلب تفاعلات الشرق الأوسط خلال المستقبل المنظور، وهو ما يرجع إلى توسع العلاقات بين المؤسسات الداخلية الروسية ونظيرتها في دول المنطقة، مثل وزارات الدفاع والمؤسسات العسكرية، وتعزيز القوة الناعمة الروسية وترابط مصالح دول الإقليم وروسيا في قطاعات الطاقة واستقرار أسواق النفط والغاز، بالإضافة إلى رؤية روسيا لارتباط مكانتها العالمية بدورها المركزي في الشرق الأوسط. وتتمثل أبرز الاتجاهات المتوقّعة للدور الروسي في الإقليم فيما يلي:

1- استمرار سياسة “الانخراط المرن”: يتوقع أن تواصل روسيا سياسات المناورة بين القوى الإقليمية، وتجنب التحالفات الثابتة، والتوفيق بين العلاقات مع قوى إقليمية ذات مصالح متعارضة، وعدم تقديم التزامات ثابتة بصورة جامدة لأي طرف، حيث تسعى موسكو للاستفادة من علاقات جيدة مع جميع الأطراف في الوقت نفسه، وعدم تضييق هامش خياراتها في الإقليم.

2- غموض مستقبل الدور الروسي في سوريا والعراق: على الرغم من استمرار وجود روسيا في مناطق الصراعات، إلا أن تحقق التسوية سيؤدي إلى تراجع نفوذ روسيا نسبياً وفقاً لبعض الرؤى والاتجاهات نظراً لاحتمالات دخول قوى أخرى بديلة خلال فترات إعادة الإعمار قادرة على منح دول الصراعات صفقات أفضل ومكاسب اقتصادية وتقنية، مثل الصين والولايات المتحدة والدول الأوروبية.

3- احتمالات التوسع في العراق والقضية الفلسطينية: يمكن لروسيا استغلال عدة مساحات للتغلغل في الشرق الأوسط، مثل: بناء السلام، وإعادة بناء الدولة في العراق، والوساطة بين القوى الداخلية والإقليمية ذات المصالح المتعارضة، ودعم إعادة بناء الدولة، ومفاوضات السلام الفلسطينية-الإسرائيلية والوساطة بين الطرفين لتعزيز شرعية انخراطها في منطقة الشرق الأوسط.

4- توقعات بتوسع علاقات روسيا مع دول الخليج وإيران: يتوقع أن تتوسع روسيا في علاقاتها وشراكاتها مع دول الخليج وإيران لتعدد مصالح روسيا مع هذه الأطراف، وارتباطها بمكانة روسيا العالمية، والأهمية الجيواستراتيجية للخليج العربي لتأمين العمق الاستراتيجي الروسي في آسيا الوسطى، واستغلال الانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط.

5- استغلال التخبط الاستراتيجي الأمريكي: يتوقع أن تستفيد روسيا من عدم صياغة الولايات المتحدة استراتيجية واضحة تحكم علاقاتها بدول الشرق الأوسط وتخبط السياسة الأمريكية في الإقليم، وهو ما يكفل لها هامشاً واسعاً للحركة لاستغلال الفراغ الناجم عن الانسحاب الأمريكي من الإقليم، وضعف ثقة دول الإقليم في الحليف الأمريكي على الرغم من عدم استعداد موسكو لتحمل تكلفة ضمان الأمن في المنطقة.

6- تباين المواقف حول العلاقات مع إيران: يتوقع أن تتزايد التباينات بين النخب الروسية حول مستقبل العلاقات مع إيران. ففي مقابل تحفظ الدبلوماسيين وأقطاب وزارة الخارجية الروسية على الدعم غير المشروط لطهران، ورغبتهم في ممارسة ضغوط على إيران لضبط سياستها الإقليمية خاصةً إذا ما تعارضت مع المصالح الروسية؛ فإن العسكريين والمسؤولين بوزارة الدفاع يدعمون تعزيز العلاقات بالتوازي مع تبنيهم مواقف متحفزة وغير تعاونية نسبياً تجاه إسرائيل.

وفي الختام، خَلُصت الحلقة النقاشية إلى أن سياسة روسيا في الشرق الأوسط تتسم بالدوران في فلك المصلحة وعدم وجود التزامات تحالفية ثابتة تجاه أي طرف إقليمي، ويمكن لروسيا الضغط على شركائها الإقليميين لتقديم تنازلات على حساب مصالحهم إذا كان ذلك يحقق لروسيا مكاسب، حيث تتعامل روسيا مع المنطقة باعتبارها ضمن مساحات ممارسة النفوذ وتعزيز المكانة العالمية والضغط -بعيداً عن حدودها- على مصالح الولايات المتحدة والدول الغربية، والاستفادة من تراجع ثقة حلفاء واشنطن في قدرتها على توفير ضمانات الأمن الإقليمي.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%a8%d8%b1%d8%a7%d8%ac%d9%85%d8%a7%d8%aa%d9%8a%d8%a9-%d9%85%d9%88%d8%b3%d9%83%d9%88/