تأهُّب واشنطن:

هل تؤجج زيارة "بيلوسي" إلى تايوان الصدام الأمريكي الصيني؟
تأهُّب واشنطن:
27 يوليو، 2022

تُثير الزيارة المحتملة لرئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي، إلى تايوان في شهر أغسطس المقبل، حالة من الجدل داخل الولايات المتحدة والصين، على الرغم من أن مكتبها لم يؤكد أو ينفِ تلك الزيارة. فقد أعربت بكين عن غضبها لأنها تعتبر الجزيرة جزءاً من أراضيها؛ لذلك وجهت تحذيرات متعددة للإدارة الأمريكية من تلك الزيارة، وكانت أقوى من تلك التي وجهتها في السابق، ولعلّ آخرها في 27 يوليو 2022، إذ حذرت بكين من أن واشنطن “ستتحمل العواقب” جرّاء هذه الزيارة، وهو ما دفع الرئيس الأمريكي جو بايدن، إلى التصريح بأن زيارة بيلوسي “ليست جيدة” بنظر الجيش الأمريكي.

صدام محتمل

تتوقع العديد من التحليلات الأمريكية أن زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي إلى تايوان يمكن أن تزيد فرص الصدام بين الولايات المتحدة والصين؛ وذلك بالنظر إلى النقاط الآتية:

1– إدانات دبلوماسية صينية غير مسبوقة: سبق أن علق وزير الخارجية الصيني وانج يى، في شهر أبريل الماضي على زيارة بيلوسي المحتملة إلى تايوان واصفاً إياها بالاستفزاز المحتمل، كما سبق أن قال وزير الدفاع الصيني وي فنج، في شهر يونيو الماضي خلال منتدى شانجريلا للدفاع في سنغافورا إن الجيش سيسحق أي محاولة من جانب تايوان للاستقلال، وأضاف: “إذا فرض أحدهم حرباً على الصين، فلن يتوانى جيش التحرير الشعبي”. ومؤخراً، جددت بكين تحذيرها بشأن زيارة رئيسة مجلس النواب إلى تايوان؛ حيث قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية تشاو ليجيان، إن بكين شددت التحذيرات للمسؤولين الأمريكيين بشأن الزيارة المحتملة، وإن الجانب الصيني سيتخذ إجراءات قوية إذا استمرت الزيارة، وإن الصين تعارض بشدة جميع أشكال التفاعلات الرسمية بين الولايات المتحدة وتايوان، وإنها ستضر بالعلاقات بين واشنطن وبكين، داعياً الولايات المتحدة إلى إلغائها.

2– تلويح بكين بالقوة العسكرية: حذرت الصين الولايات المتحدة – وفق تقرير لصحيفة فايننشال تايمز – من أنها لا تستبعد اتخاذ إجراء عسكري رداً على زيارة بيلوسي المحتملة إلى تايوان. وقد نقلت الصحيفة عن 6 مصادر مطلعة أن بكين هددت علناً إدارة الرئيس جو بايدن باتخاذ إجراء قوي إذا أجرت بيلوسي زيارتها المرتقبة، كما أكدت بكين أنها “ستتصدى لهذه الخطوة، وسيكون ردها أقوى من ذي قبل”، في إشارة إلى رد عسكري محتمل. كما أشارت الصحيفة إلى أن البيت الأبيض يحاول تحديد إذا ما كانت الصين تشكل تهديدات خطيرة أو تتأرجح على شفا الحرب، في محاولة من بكين للضغط على بيلوسي لإلغاء زيارتها.

3– تحذير صيني من زعزعة الاستقرار الإقليمي: قال المتحدث باسم قيادة المسرح الشرقي الكولونيل شي يي، إن الجيش سير دورية “تنبيه مشتركة” عبر الخدمات والتدريبات على سيناريو القتال الواقعي في المساحات البحرية والجوية حول مضيق تايوان في وقت تتخذ فيها الولايات المتحدة خطوات متكررة لدعم تايوان، وترسل الدعم لقوى الاستقلال الانفصالية، واصفاً الخطوة بالعقيمة تماماً، ولا يمكن أن تؤدي إلا إلى زعزعة السلام وتصعيد التوترات في مضيق تايوان.

وأكد أن الأخيرة جزء من الصين، وأن الجيش الصيني في حالة تأهب قصوى في كل الأوقات، وسيواصل تعزيز استعداداته القتالية من خلال التدريب المكثف لحماية السيادة الوطنية والأمن والسلام والاستقرار في المنطقة، وهو ما دفع بعض التحليلات إلى التحذير من رد بكين المحتمل على تحليق طائرات مقاتلة إلى منطقة الدفاع الجوي التايوانية المعلنة من جانب واحد إلى حد التحذير من إسقاط طائرة بيلوسي.

4– تزايد التوتر بين الصين وتايوان: تتزايد المخاوف من نوايا الصين تجاه تايوان في ظل تزايد التوتر مع الولايات المتحدة الملزمة بموجب القانون الأمريكي بتزويد تايوان بوسائل الدفاع عن نفسها. وفي سياق متصل، أجرت تايوان مؤخراً محاكاة لإنذار بهجوم صاروخي صيني، تضمنت إخلاء الشوارع لمدة 30 دقيقة، وقد انطلقت صفارات الإنذار في الساعة 1:30 بعد منتصف الليل؛ حيث تم إخلاء الطرق وإصدار أوامر للمواطنين بالبقاء في منازلهم في أجزاء من تايوان، بما في ذلك عاصمتها تايبيه لمدة 30 دقيقة، كما تم إرسال إنذار صاروخي إلى المواطنين عبر رسالة نصية لإجراء مناورة غارة جوية؛ حيث تكثف الجزيرة استعداداتها في حالة وقوع هجوم صيني. وفي المقابل، صرح المتحدث باسم وزارة الدفاع الصينية بأن بكين لن تتردد في شن الحرب على تايوان مهدداً بسحق أي مخطط باستقلالها إلى أشلاء. ومن الجدير بالذكر أن العلاقات الصينية–الأمريكية تشهد حالة من التوتر في الفترة الأخيرة تزامناً مع الحرب الروسية–الأوكرانية التي أحيت المخاوف في تايوان من ناحية، وانقسام المعسكر الأمريكي–الصيني؛ حيث تدعم الولايات المتحدة الأمريكية أوكرانيا في حين تقف جمهورية الصين الشعبية في الصف الروسي من ناحية ثانية.

مواقف الداخل

تثير زيارة بيلوسي المحتملة إلى تايوان انتقادات واسعة من عدة أصوات في الداخل الأمريكي، وهو ما يمكن الوقوف عليه بالنظر إلى النقاط الآتية:

1– عدم ترحيب البيت الأبيض بزيارة “بيلوسي”: قال الرئيس بايدن إن الزيارة التي تنوي بيلوسي إجراءها إلى تايوان ليست فكرة جيدة بنظر الجيش الأمريكي في الوقت الحالي، كما ذكر أنه يعتزم التحدث مع الرئيس الصيني شي جين بينج، بحلول نهاية الشهر، وبدا أنه يشكك فيما تردد عن رحلة بيلوسي إلى تايوان؛ إذ يتخوف البيت الأبيض من أن تغلق بكين مجالها الجوي فوق تايوان كي لا تسمح بوصول بيلوسي إلى تايوان، كما تشير الاحتمالات إلى أن بكين قد ترسل أيضاً مقاتلاتها بالقرب من الجزيرة، وهو الأمر الذي سيضطر الولايات المتحدة وتايوان إلى الرد عليه بشكل مشترك، وهو ما سيزيد التوتر في المنطقة في وقت تصاعد فيه التوتر بالفعل في الأسابيع الأخيرة.

2– استمرار الاتصالات بين العسكريين الأمريكيين والصينيين: أشار بايدن إلى عدم ترحيب الجيش الأمريكي بزيارة بيلوسي إلى تايوان، وهو ما يمكن فهمه في ضوء اتصالرئيس أركان الجيش الصيني الجنرال لي زوتشينج بنظيره الأمريكي الجنرال مارك ميلي الذي حثه فيه على الالتزام بمبدأ صين واحدة، ووقف التعاون العسكري بين الولايات المتحدة وجزيرة تايوان، وتجنب تقويض العلاقات الصينية–الأمريكية، وهو الاتصال الذي جاء على خلفية زيارة سيناتور أمريكي إلى الجزيرة التي رد عليها الجيش الصيني بإجراء مناورات عسكرية قتالية حول تايوان.

وقالت قيادة المسرح الشرقي في الجيش الصيني ووزارة الخارجية مؤخراً إن الجيش أجرى تدريبات واسعة النطاق حول تايوان رداً على تلك الزيارة. وعلى صعيد متصل، قال المتحدث باسم هيئة الأركان المشتركة الكولونيل ديف باتلر إن الجيش يُطلع صانعي القرار عامةً على التقييمات العسكرية، فنتحدث عما قد يفعله الخصوم، ونناقش الخطط اللوجستية والعسكرية والاستعداد، وإن رفض الإفصاح عما إذا كان رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال مارك ميلي قد تحدث مع بيلوسي بشأن رحلة مقترحة إلى تايوان أم لا.

3– إعلان الخارجية الأمريكية التزامها بمبدأ “صين واحدة”: تتعدد مخاوف وزارة الخارجية الأمريكية وفقاً لتقرير لصحيفة “فايننشال تايمز” تجاه زيارة بيلوسي، في حين تجاهل المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية نيد برايس التساؤلات حول الزيارة، ووصفها بأنها “افتراضية” في هذا الوقت، كما أكد عندما سُئل عن موقف وزارة الخارجية بشأن زيارتها المحتملة أن إدارة “بايدن” لا تزال ملتزمة بسياسة صين واحدة، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة ليس لديها علاقات دبلوماسية مع تايوان، ولكن لديها علاقة “قوية غير رسمية” مع الجزيرة.

4– وضع الجيش الأمريكي خيارات لتأمين “وفد بيلوسي”: خلال الأسابيع القليلة الماضية، قام مسؤولون منهم مستشار الأمن القومي جيك سوليفان، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال مارك ميلي، وقائد قيادة المحيطين الهندي والهادئ الأدميرال جون سي أكويلينو، وآخرون بإطلاع بيلوسي وطاقم عملها على التقييمات الاستخباراتية للمخاطر والتخطيط العسكري الذي سيكون ضرورياً إن زارت تايوان. وعليه، يضع الجيش الأمريكي خيارات لحماية وفدها المرافق الذي سوف يطير على متن طائرة عسكرية، كما هو الحال بالنسبة إلى وفود الكونجرس إلى تايوان. وتشمل الإجراءات المحتملة تحريك حاملات الطائرات أو إرسال طائرات مقاتلة للحصول على دعم جوي قريب. وهذا بدوره يمكن أن يساء تفسيره من قبل الجانب الصيني على أنه إجراء عدواني وليس دفاعياً.

غضب بكين

ختاماً، تُعد زيارة “بيلوسي” – حال إجرائها – هي الأحدث في سلسلة من الزيارات أجراها مسؤولون أمريكيون بارزون إلى تايوان خلال الأعوام الماضية، والأرفع على مستوى المسؤولين الأمريكيين خلال رئاسة بايدن. وبصفتها رئيسة لمجلس النواب، فإن أي زيارة من جانبها إلى تايوان ستثير حتماً غضب الصين. ومع أنها لا تتولى أي منصب في السلطة التنفيذية، فإن زيارتها المحتملة قد تتسبب في إحراج الولايات المتحدة، كما أنها ستصبح أول زيارة يجريها رئيس مجلس نواب أمريكي إلى تايوان منذ 25 عاماً.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%aa%d8%a3%d9%87%d9%91%d9%8f%d8%a8-%d9%88%d8%a7%d8%b4%d9%86%d8%b7%d9%86/