تحديات “سوناك”:

هل ينجح رئيس الوزراء الجديد في معالجة أزمات بريطانيا؟
تحديات “سوناك”:
31 أكتوبر، 2022

أعطت الاستقالة الدرامية لرئيسة الوزراء السابقة للمملكة المتحدة “ليزا تراس” الفرصة لمنافسها الذي هُزم أمامها قبل ستة أسابيع ليصبح رئيس وزراء بريطانيا الجديد. ويعد رئيس الوزراء الجديد “ريشي سوناك” البالغ من العمر 42 عاماً أول رئيس وزراء للمملكة المتحدة من أصول هندية-أفريقية، ناهيك عن كونه من أصغر رؤساء الوزراء في المملكة منذ ما يقارب القرنين من الزمان، كما أنه الأغنى بين جميع من تولوا هذا المنصب سابقاً؛ فقد احتل المرتبة الـ222 في قائمة “صنداي تايمز” للأكثر ثراءً في بريطانيا هذا العام؛ وذلك بفضل ثروته هو وزوجته التي تقدر بـنحو 830 مليون دولار، وقد أشارت بعض التقارير إلى أن ثروته قد تتجاوز تركة العائلة المالكة البريطانية نفسها. وتصدَّر سوناك وزوجته “أكشاتا مورتي” عناوين الأخبار في بريطانيا خلال الأشهر الماضية بفعل ثروتهما، وأسلوب حياتهما الذي تهيمن عليها حالة من البذخ الشديد، حتى مع ارتفاع تكاليف المعيشة في المملكة المتحدة.

حضور سياسي

ارتبط الحضور السياسي لـ”ريشي سوناك” بعدد من الأبعاد الرئيسية المتعلقة بخبراته المهنية ودوره في الحكومات السابقة، وهو ما يمكن تناوله من خلال ما يلي:

1- خبرات أكاديمية ومهنية واسعة في المجال الاقتصادي: ولد “ريشي” لعائلة من أصل هندي وحصل على ماجستير في إدارة الأعمال في جامعة ستانفورد؛ حيث التقى زوجته ابنة الملياردير الهندي ” نارايانا مورتي” ولديه منها ابنتان. وعمل سوناك محللاً مالياً في بنك “جولدمان ساكس” من عام 2001 حتى عام 2004 وشغل عام 2015 منصب نائب حزب المحافظين لدائرة ريتشموند في يوركشاير، وكان “سوناك” من مؤيدي خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؛ حيث صوت بالموافقة في المرات الثلاثة التي عُرض فيها الأمر على البرلمان.

2- اكتساب الشعبية خلال أزمة كورونا: تولى “ريشي” منصب وزير الخزانة للبلاد في أوج جائحة كورونا العالمية، ووجد نفسه مضطراً لإدارة اقتصاد البلاد خلال أزمة تفشي جائحة كورونا وبدء إجراءات الإغلاق، فسارع إلى تطبيق خطة دعم مالي للاقتصاد، بلغت قيمتها 350 مليار جنيه إسترليني، ونتيجة لذلك ارتفعت شعبيته.

3- مواجهة اتهامات بالتهرب الضريبي: في فترة سابقة، خضعت أموال “سوناك” وعائلته للتدقيق الشديد؛ وذلك عقب تساؤل بعض النقاد المحافظين إذا ما كان المليونير مدركاً حجم ضغوط تكلفة المعيشة التي تواجهها الأسر الفقيرة في بريطانيا أم لا، كما انتقدوا عدم دفع زوجته أي ضرائب إلى الحكومة البريطانية، لتسارع زوجته عقب ذلك إلى إعلان بأنها ستبدأ بدفع ضرائب للبلاد من أرباحها الخارجية لتخفيف الضغط السياسي على زوجها.

4- التدرج في المناصب الوزارية: عين “سوناك” وزيراً في حكومة “تيريزا ماي”، قبل أن يتولى منصب وزير الخزانة، تحت إدارة “بوريس جونسون” في عام 2020، ولكنه أعلن عن استقالته في يوليو 2022، لأسباب أخلاقية، تتمثل في تباطؤ “جونسون” في التعامل مع النائب “كريس بينشر” المتهم بالاعتداء الجنسي على رجلين في حفلة في أوائل يوليو. ومن هذا المنطلق، شن “سوناك” حملة ساعدت على إنهاء فترة رئاسة “بوريس جونسون” للحزب وبالتبعية لرئاسة الوزراء. وقد سارع “سوناك” بطرح نفسه بديلاً لـ”جونسون”، لكنه خسر في النهاية أمام “ليز تراس”، واعترف بهزيمته ليتراجع إلى المقاعد الخلفية البرلمانية.

ولكن في إشارة إلى عدم القدرة على التنبؤ بالسياسة البريطانية، عاد “سوناك” مجدداُ للساحة ولكن هذه المرة منتصراً ليحل محل تراس، التي استقالت من منصب رئاسة الوزراء يوم 20 أكتوبر الجاري. ويمثل وصول “سوناك” الى سدة الحكم حدثاً تاريخياً؛ لأنه سيكون أصغر رئيس وزراء يتولى هذا المنصب منذ أكثر من قرن، وأول رئيس وزراء لبريطانيا من أصول آسيوية، وأول هندوسي يتولى منصب رئيس الوزراء البريطاني.

أبرز التحديات

يرى العديد من الخبراء أن رئيس الوزراء الجديد قد ورث تركة ثقيلة من سابقيه، تتمثل في العديد من التحديات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي سيصعب عليه التعامل معها، رغم خبراته الواسعة في مضمار السياسة، وعليه تتمثل أهم التحديات بالنسبة لرئيس الوزراء فيما يلي:

1- تعقيدات الأزمة الاقتصادية الداخلية: ساهمت السياسات التي اتبعها سلف رئيس الوزراء الحالي، في ارتفاع متطلبات المعيشة، في أزمة لم تشهدها بريطانيا منذ أكثر من أربعة عقود. يضاف إلى ذلك، استمرار الركود الاقتصادي ووصول أسعار قروض الرهن العقاري إلى مستويات قياسية، ناهيك عن تزامن تعيينه على رأس السلطة في لندن، مع تعرض البلاد لموجة من الجفاف المائي غير مسبوقة. وسيتعين على “سوناك” التعامل مع التداعيات الطويلة الأمد للعملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، وتأثيرها على أسعار الطاقة العالمية، وأبرزها تكلفة الوقود وتأثيره على ميزانية الدولة، في ظل تسابقِ الدول للحصول عليه في الأسواق العالمية. وما يضاعف هذه الأزمة خسارة بريطانيا السوق الأوروبية؛ إذ لم تعد عضواً في أكبر سوق اقتصادية، بعد خروجها من الاتحاد الأوربي.

2- التأثيرات السلبية للصورة السائدة شعبياً عن “سوناك”: فمع هيمنة أزمة تكلفة المعيشة على السياسة البريطانية، يُنظر إلى “ريشي سوناك” بشكل أساسي على أنه سياسي ثري، وليس سياسياً قادماً من أقلية إثنية فقيرة. هذه الصورة السائدة عن سوناك قد تشكل مأزقاً بالنسبة له؛ فخلال الأيام الماضية تعرضت ثروة “سوناك” لانتقادات عديدة وتلميحات سلبية؛ فعلى سبيل المثال، كتبت النائبة عن حزب العمال “نادية ويتوم”، تغريدة على تويتر قالت فيها: “سوناك وزوجته يجلسان على ثروة مقدارها 730 مليون جنيه. وهذا يعادل ضعف الثروة المقدرة للملك تشارلز الثالث”، وأضافت: “تذكروا ذلك كلما تحدث عن اتخاذ قرارات صعبة ستدفع ثمنها الطبقة العاملة”.

3- معضلة التماسك والالتزام الحزبي في أوساط المحافظين: بريطانيا من النظم السياسية التي ترتفع في أوساط أحزابها درجة الالتزام والانتماء الحزبي؛ فعلى رئيس الوزراء العمل على إرضاء أعضاء حزبه الحاكم، حتى يضمن استمرار وجوده على رأس السلطة، وحتى لا يتعرض للهجوم وبالتبعية لسحب الثقة وخسارة منصبه بالكامل. وقد ضربت الأزمات صفوف الحزب المحافظ، بفعل إقدام عدد من أعضائه على تصرفات مشينة، وتغاضي رئيس الوزراء السابق “جونسون” عن محاسبتهم. وعلى الرغم من تبني “سوناك” خطاباً توافقياً، يدعو إلى رأب الصدع في صفوف الحزب، وعودة الوحدة والوئام والتوافق بين أعضائه، فإنه لا يحظى بالقبول من جميع أعضاء الحزب.

لقد شهد الحزب في عام 2022، انقسامات في الولاءات، وظهور عدد من الجبهات، وهو ما أضعف قدرة كل من “جونسون” و”تراس” على الحفاظ على التناغم بين أعضاء الحزب المختلفين. وفي الوقت الحالي يضم حزب المحافظين العديد من التيارات التي تتباين بين اليسار واليمين، لكن من المرجح أن يواجه “سوناك” التحدي الأكبر مع الجناح الشعبوي المؤيد لـ”جونسون” والداعم أيضاً للخروج من الاتحاد الأوروبي. وستكون إحدى الأولويات القصوى لـ”سوناك” هي التفاوض على بروتوكول أيرلندا الشمالية، وهو الجزء الذي لم يحسم حتى الآن، في أعقاب صفقة ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؛ لكسب ثقة أعضاء ذلك الجناح، الذين لم يغفروا له حتى الآن، هجومه وتخليه عن “بوريس جونسون”.

4- أنشطة التكسير الهيدروليكي وقضايا البيئة: من التحديات التي تواجه “سوناك”، المرتبطة بقضايا البيئة، موقفه من التكسير الهيدروليكي؛ حيث أعلنت رئيسة الوزراء السابقة “تراس” قرارها رفع الحظر المفروض على التكسير الهيدروليكي، الذي يتضمن الحفر في الأرض لاستخراج الغاز من الصخور الصخرية؛ وذلك مع ارتفاع فواتير الطاقة. وقالت “تراس” بأن التكسير الهيدروليكي يمكن أن يعزز إمدادات الغاز في المملكة المتحدة. لكن هذه الخطوة أثارت رد فعل عنيفاً من العديد من أعضاء البرلمان المحافظين بسبب مخاوف من الهزات الأرضية المرتبطة بالتكسير الهيدروليكي.

وقد أوقفت بريطانيا بالفعل أنشطة التكسير الهيدروليكي في عام 2019 بعد معارضة الجماعات البيئية والمجتمعات المحلية لهذه الأنشطة، كما يعارض حزب العمال وأحزاب المعارضة الأخرى عودة العمل بالتكسير الهيدروليكي. وسبق أن أعرب “سوناك” عن دعمه التكسير الهيدروليكي. وعندما سُئل خلال نقاش حول قيادة حزب المحافظين مع السيدة تراس في يوليو الماضي إذا ما كان سيدعم التكسير الهيدروليكي، أجاب: “نعم، إذا دعمته المجتمعات المحلية”.

وقال “سام هول” مدير شبكة البيئة المحافظة بأن التكسير الهيدروليكي لا يحظى بشعبية، وأن عدداً قليلاً من المجتمعات سيوافق على مشاريع التكسير الهيدروليكي محلياً؛ ما يعني أنه سيتم استخراج القليل من الغاز أو لا يتم استخراج الغاز على الإطلاق، على الرغم من التكلفة السياسية الباهظة. وأضاف: “بدلاً من ذلك، يجب على الحكومة التركيز على بناء المزيد من مصادر الطاقة المتجددة الرخيصة والشائعة، بما في ذلك طاقة الرياح والطاقة الشمسية البرية؛ حيث يوجد دعم محلي”.

5- الأزمة في أوكرانيا ومخصصات الإنفاق العسكري: ومن التحديات الخارجية الأخرى التي يواجهها “سوناك” حالياً، نسبة الإنفاق على الدفاع من الناتج المحلي؛ حيث تطالب بعض دول حلف الناتو بضرورة إنفاق جميع دول الحلف 3% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع. وتنفق المملكة المتحدة حالياً ما يزيد قليلاً عن 2% من الناتج المحلي الإجمالي. ويعارض “سوناك” الانصياع لمثل هذا الأمر؛ حيث لم يقم بتجديد التعهد الذي قدمته سابقته “ليز تراس” لتحقيق هذا الهدف بحلول عام 2030. وكان رئيس الوزراء الجديد قد وصف في السابق هذا الأمر بالقرار العشوائي الذي لا يمكن قبوله.

6- تصاعد ضغوط المعارضة: أفقدت سياسات “تراس” الاقتصادية، خاصةً المرتبطة بصناديق التقاعد البريطانية، شعبية حكومة المحافظين بصورة كبيرة، إلى الحد الذي دفع البعض للدعوة إلى إجراء انتخابات مبكرة. يضاف إلى ذلك، تصعيد المعارضة من شكوكها وانتقاداتها لأعضاء حكومة “سوناك” خاصة وزيرة الداخلية، التي قام بإعادتها إلى منصبها بعد أن اضطرت مؤخراً إلى تقديم استقالتها من منصبها؛ لمشاركتها معلومات عالية السرية مرتبطة بالأمن القومي البريطاني بصورة علنية. وقد اعتبر الزعيم الحالي للمعارضة “إد ميليباند” رئيس حزب العمال، إعادة وزيرة الداخلية إلى منصبها بالخيانة، وطالب “سوناك” بتوضيح موقفه. وتشير استطلاعات الرأي إلى ارتفاع شعبية حزب العمال في أوساط المواطنين، وترجيح فوزه بالانتخابات النيابية في حالة اللجوء إلى إجراء انتخابات مبكرة.

خطوات متوقعة

خلاصة القول أن الملف الاقتصادي سيشكل الملف الأهم بالنسبة لحكومة “سوناك”؛ إذ يعد “سوناك” من أوائل المنتقدين لخطة “تراس الاقتصادية” التي تعرضت لوابل من الانتقادات من قبل المستثمرين وصندوق النقد الدولي ووكالات التصنيف الائتماني. وبينما تبنى نهجاً مخالفاً لـ”تراس” أكد أنه لا يمكن خفض الضرائب إلا في أعقاب السيطرة على التضخم؛ الأمر الذي قد يستغرق عدة سنوات. وحذر “سوناك” المحافظين من برنامج” تراس”، الذي وصفه بـ”غير الواقعي” وأن تخفيضها الهائل للضرائب سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة.

وقد ظهر فيما بعد أن تحذيره من أن التخفيضات الضريبية غير الممولة التي أجرتها “تراس” قد تثير الذعر في الأسواق المالية كانت صحيحة؛ فقد انخفض الجنيه البريطاني إلى مستوى قياسي مقابل الدولار الأمريكي، عندما كشفت “تراس” ووزير ماليتها “كواسي كوارتنج” عن خطتهما، كما ارتفعت أسعار السندات الحكومية البريطانية بأسرع وتيرة على الإطلاق؛ ما أدى إلى ارتفاع كبير في تكاليف الاقتراض. وكما توقع سوناك أيضاً، أدى ارتفاع أسعار الفائدة إلى ارتفاع مدفوعات الرهن العقاري، وسارع المقرضون لسحب منتجاتهم من السوق.

وفي هذا الإطار، يؤكد بعض المحللين الاقتصاديين أن “سوناك” رجل الاقتصاد والمال، سيقوم بتطبيق عدد من السياسات التقشفية، كما قد يضطر إلى فرض ضرائب مفاجئة على شركات الطاقة، وهي سياسات قد تعيد الاستقرار إلى الاقتصاد الداخلي، إلا أنها قد تجبر حزبه على الدعوة إلى انتخابات مبكرة “Snap election”، استجابة للضغوط الشعبية وضغوط المعارضة.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%aa%d8%ad%d8%af%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%b3%d9%88%d9%86%d8%a7%d9%83/