تحديث الأدوات:

كيف يمكن لإدارة بايدن مواجهة تهديدات الأمن العالمي المتصاعدة؟
تحديث الأدوات:
10 مارس، 2022

تواجه الولايات المتحدة، في الآونة الأخيرة، جملة من التحديات الأمنية من قِبَل خصومها ومنافسيها الدوليين، وهي التحديات التي تزايدت عقب الهجمات الروسية على الأراضي الأوكرانية منذ 24 فبراير الماضي، وتنامي القوة العسكرية الصينية، وتهديدها الوجود العسكري الأمريكي في منطقة آسيا–الباسيفيك. وفي هذا الإطار، عقدت لجنة الخدمات المسلحة بمجلس الشيوخ الأمريكي، جلسة استماع بعنوان “تقديم شهادة حول استراتيجية وتحديات الأمن العالمي”، في مارس الجاري؛ لبحث استراتيجية واشنطن لتعزيز أمنها القومي، وأمن حلفائها حول العالم.

وتحدَّث في هذه الجلسة السيناتور جاك ريد رئيس لجنة الخدمات المسلحة بمجلس الشيوخ، والسيناتور جيم إنهوف العضو البارز بلجنة الخدمات المسلحة بمجلس الشيوخ، وهيذر كونلي رئيس صندوق مارشال الألماني للولايات المتحدة، وروجيه زاخيم مدير مؤسسة ومعهد رونالد ريجان الرئاسي، وميشيل فلورنوي رئيس مجلس إدارة مركز الأمن الأمريكي الجديد.

أولاً– أسباب انعقاد جلسة الاستماع

أعرب كل من السيناتور جاك ريد والسيناتور جيم إنهوف، خلال حديثهما، عن مجموعة من المخاوف دفعت إلى انعقاد تلك الجلسة، من أبرزها:

1 احتمال اندلاع حرب نووية: أوضح السيناتور جيم إنهوف أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، دفع الأمريكيين إلى التفكير في احتمالية حدوث حرب نووية بعد أربعة عقود من عدم التفكير في تلك الاحتمالية، منتقداً سياسة الرئيس جو بايدن بشأن الهجوم العسكري الروسي على أوكرانيا التي وصفها بسياسة رد الفعل، وليست سياسة استباقية؛ حيث فشلت في ردع موسكو عن شن حرب ضد كييف. وتوقع إنهوف فشل تلك السياسة في ضوء سعي خصوم الولايات المتحدة إلى تعزيز مصالحهم، وتأمين أنفسهم.

2 إدراك المخاطر المتنوعة: أشار إنهوف إلى تدارك استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2022 الخطر الحقيقي الذي يمثله الجيش الصيني، حاثّاً الولايات المتحدة على الحفاظ على استراتيجية الردع في منطقة المحيط الهادئ، بما يطلبه ذلك من تخصيص المزيد من الموارد لتلك المنطقة. لكنه أكَّد أنه على الرغم من ضرورة الاهتمام بهذا الموضوع، فإنه يجب التركيز على التهديدات الناجمة عن روسيا وإيران وكوريا الشمالية، فضلاً عن التنظيمات الإرهابية.

3 زيادة التضامن بين الحلفاء: رأى السيناتور ريد أنه في إطار الاستعداد لإعداد قانون تفويض الدفاع الوطني للعام المالي 2023، يجب معالجة ما تسبَّب فيه بوتين من دمار للمدنيين الأوكرانيين، والاقتصاد العالمي، والأمن الأوروبي، وأشار إلى أن الهجمات العسكرية الروسية ضد أوكرانيا لن تُضعف حلف الناتو ولا المجتمع الدولي كما يظن بوتين، بل ساعدت على زيادة دعم أواصر التعاون بين الولايات المتحدة وحلفائها، ودفعتهم إلى تبني خطوات موحدة بشأن فرض عقوبات اقتصادية ضد روسيا، وهو الأمر الذي تراقبه الصين لتبين الموقف الدولي منها إذا أقدمت على فعل مماثل تجاه تايوان.

4شحذ القدرات الأمريكية: أكد ريد أن من الضروري دراسة الآثار الطويلة المدى للاستراتيجية الأمريكية تجاه أوروبا، مشيراً إلى أن الوثائق التي ستُصدرها الإدارة الأمريكية خلال الفترة المقبلة، بما في ذلك استراتيجية الأمن القومي لعام 2022، واستراتيجية الدفاع الوطني، ومراجعة الوضع النووي؛ ستحدد أولويات الدفاع الأمريكية، التي يجب أن تحافظ على التفوق الأمريكي، وتعزز التنافسية من خلال الاهتمام بتطوير الذكاء الاصطناعي، والجيل الخامس، والحوسبة الكمية، والتكنولوجيا الحيوية، لا سيما أن الصين تسارع إلى شحذ قدراتها هي الأخرى عبر دراسة نقاط الضعف في الحرب لدى الولايات المتحدة.

ثانياً– مظاهر فشل الاستراتيجية الأمنية الأمريكية

ركزت شهادة كل من السيدة هيذر كونلي، والسيدة ميشيل فلورنوي، على استعراض أبرز مظاهر الفشل في الاستراتيجية الأمنية الأمريكية، ومن ذلك ما يأتي:

1– إخفاقات تاريخية داخل المحيط الأطلسي: أوضحت كونلي أن الولايات المتحدة عاصرت مجموعة من التواريخ الهامة التي أثَّرت على الأمن القومي، وهي: عام 1917 حينما دخلت الحرب العالمية الأولى، و1941 حينما دخلت الحرب العالمية الثانية، و1947 بداية الحرب الباردة، و1949 تاريخ تأسيس حلف شمال الأطلسي “الناتو”، فضلاً عن أحداث 11 سبتمبر 2001 التي وجهت سياسة الأمن القومي الأمريكي على مدار عقدين. لكنها أضافت أن يوم 24 فبراير 2022 يوم الهجوم الروسي على أوكرانيا، أثبت إخفاق الرؤية الأمريكية تجاه أمن أوروبا، لا سيما أن الولايات المتحدة تبنت سياسة رد الفعل، وليست سياسة استباقية، وتراجع نفوذها داخل أوروبا على مدار العقدين الماضيين؛ إذ كان من المهم التعلم مما فعلته روسيا سابقاً في جورجيا ودونباس وشبه جزيرة القرم، مع إدراك أن خصومها لا يتمثلون في الصينيين وحدهم.

2– التركيز بقدر مبالَغ فيه على الخطر الصيني: رأت كونلي أن تركيز استراتيجية الدفاع الوطني على الصين وحدها باعتبارها المنافس الرئيسي للولايات المتحدة، ووضع التحديات الأخرى المتمثلة في روسيا والإرهاب في ترتيبات لاحقة، أمر غير صائب. لكنها ترى أن الولايات المتحدة قادرة على تطويع مواردها المتاحة والحرب على أكثر من جبهة، نظراً إلى المخاطر التي تمثلها بقية التحديات، وأشارت إلى أنه يجب على واشنطن ألا تركز على التنافس الاقتصادي والعسكري والأيديولوجي مع الصين مع غض الطرف عن المخاطر الخبيثة النابعة عن روسيا التي تسعى إلى استعادة إمبراطوريتها التاريخية في أوروبا ولو باستخدام الأسلحة النووية، وشددت على ضرورة وضع هذا الأمر في عين الاعتبار، مع ملاحظة التحالف الديناميكي بين موسكو وبكين الذي من شأنه التأثير على أمن الولايات المتحدة وحلفائها.

3– التحولات الجديدة في ميزان القوى العالمي: أفادت فلورنوي بأن الصعود الاقتصادي الصيني، والتدخل العسكري الروسي في أوكرانيا يشيران إلى حدوث تحولات جديدة في ميزان القوى العالمية، وأضافت أن هذا الصعود يهدد بتغيير النظام الدولي القائم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية من جانب الصين وروسيا، وهو ما يخلق منافسة استراتيجية متعددة الأبعاد على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والتكنولوجية والأيديولوجية، وأكدت ضرورة الحفاظ على التفوق التكنولوجي والميزة العسكرية للولايات المتحدة إذا أرادت التصدي للتهديدات الناجمة عن القوتين الروسية والصينية، لا سيما الأخيرة التي يزداد نفوذها العالمي بعدة وسائل منها مبادرة الحزام والطريق، والتقدم التكنولوجي المستمر.

4– تراجع الثقة بين الولايات المتحدة وحلفائها: شددت فلورنوي على أن الرئيس السابق دونالد ترامب تسبب في زعزعة الثقة بين الولايات المتحدة وحلفائها، وخلق حالة من عدم اليقين عند الحلفاء الذين يعتمدون على الولايات المتحدة باعتبارها شريكاً أمنياً حيوياً، سواء داخل آسيا أو منطقة الشرق الأوسط أو أوروبا، وعمل على تغذية الميول الانعزالية لدى الجمهور الأمريكي وبعض النخب؛ ما أحدث استقطاباً داخل المجتمع الأمريكي تجلى بوضوح خلال أحداث تمرد 6 يناير، وهو الأمر الذي يجب العمل على معالجته في الوقت الراهن، وفقاً لفلورنوي.

ثالثاً– توصيات لتعزيز الاستراتيجية الأمنية الأمريكية

قدمت شهادات روجيه زاخيم وميشيل فلورنوي وهيذر كونلي توصيات لتعزيز الاستراتيجية الأمنية الأمريكية، ومن أبرزها:

1– مراعاة الواقع الدولي الجديد: أوضح زاخيم أن من المهم مراعاة الواقع الجديد عند صياغة الاستراتيجيات الجديدة داخل الولايات المتحدة، التي يجب أن تركز على التنافس مع الصين وروسيا، لافتاً إلى أن ذلك سيكون من خلال دراسة مواطن الضعف لدى روسيا والصين داخل أوروبا والشرق الأوسط وفي المحيطين الهندي والهادئ، والعمل على استغلالها من جانب الولايات المتحدة وحلفائها. وأكَّد زاخيم أن من المهم الانتباه إلى منطقة الشرق الأوسط؛ لردع إيران ومكافحة الإرهاب، وهما الأمران اللذان يمثلان تهديدات للأمن القومي الأمريكي.

2– تعزيز العلاقات مع الحلفاء: رأى زاخيم أن من الضروري تعزيز العلاقات مع الحلفاء الأوروبيين، وألا يقتصر ذلك على التصريحات، بل يجب العمل على التعاون في إطار حلف الناتو، ودفع الدول إلى الالتزام بدفع 2% من الناتج المحلي الإجمالي لتعزيز قدرات الحلف، مشيراً إلى أن ألمانيا تأخرت كثيراً في تبني تلك الخطوة، وإلى أن إعلان المستشار الألماني أولاف شولتز بدء الالتزام جاء كرد فعل على الهجمات العسكرية الروسية على أوكرانيا. وأشادت هيذر كونلي في شهادتها بتوجه دول الاتحاد الأوروبي لتصحيح استراتيجياتها الاقتصادية والأمنية تجاه روسيا.

3– تحديث القدرات النووية الأمريكية: نوَّه زاخيم بضرورة تعزيز القدرات النووية الأمريكية لتكون قادرة على مواجهة القدرات النووية للخصوم التي زادت إلى حد كبير في السنوات الأخيرة، مشيراً إلى أن الردع النووي سيستمر في لعب دور كبير في حفظ الأمن على المسرح الأوروبي خلال الفترة القادمة.

4– الاستثمار في القدرات الدفاعية: أفاد زاخيم بأن من الضروري الاستثمار في القدرات الدفاعية الأمريكية خلال الفترة القادمة، على أن يتم ذلك من خلال تعزيز الميزانية المخصصة لوزارة الدفاع، لتحقق نموًّا بنسبة 5% في ميزانية الدفاع بالنظر إلى ارتفاع مستوى التضخم داخل الولايات المتحدة، كما أشارت فلورنوي إلى ضرورة العمل على بناء قدرات الردع الأمريكية على المستوى المتوسط الذي يتراوح بين سنتين و4 سنوات، وعلى المدى الطويل الذي يمتد بين 5 سنوات و20 سنة، بما يشمله ذلك من تطوير الطرق التشغيلية، وتكثيف المناورات العسكرية، والاختبارات الميدانية.

5– مواجهة تحديات وزارة الدفاع: أوضحت فلورنوي أن من الضروري مواجهة التحديات المختلفة التي تواجه وزارة الدفاع الأمريكية، بما في ذلك قضايا التحرش والاعتداءات الجنسية التي تقع داخل الجيش الأمريكي، بما يتطلب العمل على تغيير الثقافات داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية. وبحسب فلورنوي، فإنه من جانب آخر، ينبغي تعزيز الابتكار داخل مؤسسات الجيش؛ لضمان الحفاظ على التفوق النوعي للولايات المتحدة.

6– التخلي عن اتفاقات الناتو مع روسيا: أكد زاخيم في نهاية حديثه أنه في الوقت الراهن ينبغي تقديم الدعم العسكري والإنساني لأوكرانيا؛ لأن تطورات الوضع في كييف سترسم مستقبل دول أوروبا الشرقية، وأنه لذلك من الضروري تحريك قوات أمريكية إضافية لتكون موجودة على الحدود الشرقية لحلف الناتو، مشيراً إلى أن موسكو انتهكت الاتفاقات بين روسيا والناتو؛ ما يجعلها ملغاة، وأنه لذلك لا يجب استمرار الحلف في الالتزام بما تعهد به سابقاً، من عدم نشر قوات قتالية رئيسية على أراضي الدول الأعضاء الجدد.

وختاماً، أفادت كونلي بأن من الضروري تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية، مع تغيير مهمة حلف الناتو؛ حتى لا تتركز على الردع وبث الأمان فقط، ولكي تقوم على الدفاع عن الحلفاء، مع تحديد أولويات الشراكة القادمة مع الحلفاء داخل منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث اليابان وأستراليا والهند وكوريا الجنوبية، لافتةً إلى أنه يجب المشاركة روتينياً في التدريبات العسكرية والتدريبات المتعلقة بالحفاظ على حرية الملاحة؛ لتـأكيد الوجود من أجل الحفاظ على السلم والأمن الدوليين، والتصدي للمحاولات الروسية والصينية الرامية إلى تقليص نفوذ الولايات المتحدة، والتأثير على شراكتها مع الحلفاء.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%aa%d8%ad%d8%af%d9%8a%d8%ab-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%af%d9%88%d8%a7%d8%aa/