تحديث الردع:

كيف تؤثر الحرب الأوكرانية على الاستراتيجية العسكرية الأمريكية؟
تحديث الردع:
25 يناير، 2023

للقراءة بصيغة PDFHTML tutorial

كان للحرب الروسية-الأوكرانية، التي لا تزال مستمرة منذ 24 فبراير 2022، تأثيرات متعددة على الولايات المتحدة الأمريكية؛ الأمر الذي دفع الكونجرس طوال العام الماضي (2022) لعقد عديد من جلسات الاستماع لبحث تداعياتها أمريكياً ودولياً، وعقد المشرعون الأمريكيون مقارنات بين القدرات العسكرية الأمريكية ونظيرتها الروسية، مشيرين إلى أن الاستراتيجية العسكرية الأمريكية في حاجة للتحديث لتكون أكثر ملاءمة للتطورات العالمية، كما أكدوا ضرورة عدم توقف واشنطن عن التفكير في احتمالية اندلاع حرب نووية مع موسكو في ظل امتلاك الأخيرة أسلحة نووية قادرة على ضرب أهداف محددة؛ ما دفعهم للدعوة لاستمرار العمل في تطوير الثالوث النووي الأمريكي، ومراعاة إدخال تغييرات جوهرية في الاستراتيجية العسكرية الأمريكية كي تتماشى مع الواقع الجديد الذي كرست له الحرب الأوكرانية.

انعكاسات مختلفة  

من المحتمل أن تساهم الحرب الروسية-الأوكرانية بدور واضح في تغيير وتطوير الاستراتيجية العسكرية الأمريكية القائمة، بحيث تكون أكثر مراعاة للأخطاء التي وقعت بها روسيا خلال عملياتها العسكرية ضد كييف، وتكون أكثر قدرة على استيعاب التطورات التكنولوجية التي يشهدها العالم الراهن، ويمكن توضيح ذلك فيما يلي:

1– ضرورة استمرار دعم الحلفاء عسكرياً: كشفت المساعدات العسكرية الأمريكية المستمرة لأوكرانيا أنه يمكنها لعب دور حاسم في تحويل مسار الحرب، وإطالة أو تقصير أمد الصراع العسكري. بمعنى أنه لولا المساعدات العسكرية الأمريكية لكييف لتمكنت روسيا من إنهاء الحرب لصالحها في وقت قصير، وهو الأمر الذي يدعم فرضية استمرار واشنطن – في أي حرب مستقبلية – في دعم الحلفاء بالسلاح دون أن تضطر للزج بقواتها على الأرض وتكبد خسائر بشرية تتسبب في انتقادات عدة تطول الإدارة الأمريكية.

2- تطوير الثالوث النووي الأمريكي: مع التوقعات المتعددة حول احتمالية أن تلجأ روسيا لاستخدام قوتها النووية لإنهاء الحرب بصورة أسرع، وحسمها لصالحها، وبالرغم من تأكيدات موسكو أنها لن تلجأ لذلك، ولن تبادر بشن ضربة نووية، لكن تلك الشكوك قد دفعت الولايات المتحدة الأمريكية لعودة التفكير في أنها لا يُمكنها التخلف عن موسكو في تطوير قدراتها النووية، خوفاً من حدوث حرب مستقبلية بين الدولتين، تقوم فيها روسيا باستخدام قنابل تكتيكية تضرب أهدافاً بعينها داخل الأراضي الأمريكية؛ ما يُكبد واشنطن الخسائر.

وقد أعلن وزير الدفاع الأمريكي “لويد أوستن” بالفعل في ديسمبر 2022 عن نية الولايات المتحدة وخططها لتحديث الثالوث النووي الأمريكي، مشيراً إلى أن الهدف الرئيسي وراء ذلك هو حفظ الأمن والسلم العالميين، وحماية الحلفاء في “حلف الناتو واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا”، وهو أمر بات حتمياً في ظل اعتراف “تشارلز ريتشارد” القائد في البحرية الأمريكية، بتقدم موسكو وبكين على واشنطن فيما يتعلق بالأسلحة التي تفوق سرعتها سرعة الصوت (الأسلحة فرط الصوتية).

3– تأكيد أهمية العمليات الاستخباراتية: أكدت الحرب الروسية-الأوكرانية وغيرها من الحروب السابقة أن الاعتماد على القوة العسكرية وحده غير كافٍ، وأنها يجب أن تكون مصحوبة بدعم استخباراتي قادر على رصد قدرات العدو، وتحديد أماكن تمركزه، ومستوى تقدمه لتحديد الضربات العسكرية التي يمكنها أن تحقق نجاحاً أكبر، خاصة أنه قبيل التدخل الروسي في أوكرانيا تمكنت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة من رصد تحركات عسكرية روسية على الحدود الأوكرانية، بما يعني أنه مستقبلاً ستكون ساحات القتال للقوات البرية أكثر شفافيةً، ومن ثم أكثر قدرةً على تحديد قدرات العدو؛ ولذلك من المتوقع أن تعمل واشنطن على تطوير قدراتها الاستخباراتية والعمل على معالجة بعض المشكلات التي تفاقمت خلال السنوات الماضية داخل أجهزتها الاستخباراتية.

4– تقليل الاعتماد على الدبابات التقليدية في ساحات القتال: مع تكبد روسيا خسائر كبيرة في الحرب بسبب تدمير عدد كبير من دباباتها التي تصل تكلفة الواحدة منها إلى ما يتجاوز 10 ملايين دولار، بينما تصل تكلفة الصاروخ الواحد إلى نحو مائة ألف دولار أمريكي، ستفكر الولايات المتحدة الأمريكية في تقليل الاعتماد على الدبابات التقليدية، وهو بالفعل ما بدأ سلاح مشاة البحرية الأمريكي في تبنيه عقب تقليل مخزون الدبابات. وربما ستعمل الولايات المتحدة على إنفاق المزيد من الأموال على عمليات تطوير الدبابات لتصبح أكثر كفاءةً وفاعليةً في مواجهة التهديدات الجديدة التي تمثلها الطائرات المسيرة، وكذلك توظيف تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في تطوير القدرات القتالية للدبابات.

5– تعزيز استخدام “الدرونز” في العمليات العسكرية: من المؤكد أن المكاسب التي حققتها الطائرات بدون طيار في الحرب الروسية الأوكرانية، لفتت أنظار الولايات المتحدة إلى ضرورة تكثيف الاعتماد عليها مستقبلاً، بالنظر إلى انخفاض تكلفتها بالمقارنة بالمعدات العسكرية الثقيلة، وقدرتها على ضرب أهداف محددة، فضلاً عن صعوبة رصدها، ومن ثم زادت قدرتها على تحقيق الهدف. وتجدر الإشارة إلى أن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) تخصص جزءاً من ميزانيتها للاستثمار في تلك الطائرات، وكذلك تستثمر في ابتكار أجهزة استشعار ورصد لردع طائرات العدو من دون طيار، وتعزيز حماية الأراضي الأمريكية. ولكن يجب أن يكون ذلك مصحوباً بالتقدم الذي حققه الذكاء الاصطناعي؛ لزيادة قدرة الولايات المتحدة على إطلاق سرب من تلك الطائرات، وتوجيهه بشكل صحيح، مع زيادة قدرتها على الارتفاع إلى مستويات أعلى لدعم القوات البرية من جهة، وتقليل الاعتماد على طائرات الهليكوبتر التي تصل قيمتها إلى ملايين الدولارات من جهة أخرى.

وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن الحرب الأوكرانية دفعت الكونجرس إلى توجيه وزارة الدفاع لتطوير نظام وقوة مضادة للطائرات بدون طيار، وخصص لذلك ما يقرب من 750 مليون دولار، مع تجربة تنفيذ انفجارات جوية كبيرة أو نبضات كهرومغناطيسية لمواجهة الأسراب الكثيفة من الطائرات بدون طيار، مع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتعزيز القدرة على استهداف وتدمير الطائرات بدون طيار حتى تلك التي تهاجم ضمن أسراب بحيث يتم مهاجمة كل مسيرة تلو الأخرى بشكل سريع.

6– تغليب اعتبارات الكفاءة على قدرات التسليح: قبل أن تخوض روسيا الحرب كانت هناك تأكيدات أنها ستنجح في إلحاق الهزيمة بأوكرانيا بالنظر إلى تقدمها العسكري عليها، وخبرتها العسكرية الطويلة المدى في مختلف الحروب، بجانب ضخامة حجم قواتها العسكرية مقارنة بكييف. ولكن مع استمرار الحرب، لم تتحقق تلك الرؤية، وتم اكتشاف وجود ثغرات في القدرات العسكرية الروسية تتمثل في نقص الكفاءة، والالتزام بالهيراركية عند تنفيذ الأوامر العسكرية؛ الأمر الذي لا يمنح القوات العسكرية مرونة على أرض المعركة للتحرك وفقاً لما يقتضيه الواقع لا وفقاً للأوامر العليا، فضلاً عن الاستخفاف بقدرات القوات الأوكرانية، علاوة على تقدم الأسلحة الغربية على نظيرتها العسكرية بما جعلها غير قادرة على اقتحام العاصمة الأوكرانية، وتحقيق المكاسب الكلية التي تطمح إليها.

وهو الأمر الذي أكد أهمية تعزيز عنصر المرونة داخل الجيش الأمريكي لمنحه قدرة أكبر على الحركة في ساحات المعارك، فضلاً عن مد القوات بالتدريبات اللازمة. كما أنه كشف أن القدرات العسكرية الروسية ليست بالقوة المتخيلة التي يتم الترويج لها، علاوة على تأكيد ضرورة دراسة أي خصم قبل مواجهته منعاً لتكرار أخطاء الماضي، وتكبد خسائر بشرية ومالية كبيرة.

7– الحفاظ على الشراكات العسكرية المتعددة: أكدت الحرب ضرورة أن تقوم واشنطن بتعزيز الشراكات العسكرية مع مختلف الحلفاء؛ لضمان القدرة على إلحاق الهزيمة بالعدو بأسرع طريقة ممكنة، وكذلك أكدت أهمية حلف الناتو، وضرورة العمل على توسيعه، وتم دعم ذلك بالتشجيع على انضمام السويد وفنلندا إلى الحلف. وبالرغم من أن واشنطن كانت ترغب بالتركيز على منطقة المحيطين الهندي والهادئ في وقف التمدد الصيني هناك، فإن تلك الحرب لفتت نظرها إلى عدم قدرتها على الانفكاك عن حلفائها الأوروبيين في القارة؛ لأن ذلك سيكبدها خسائر جمة؛ على رأسها فقدان مكانتها الدولية، مع ترك الساحة لدول أخرى لتشغل هي الفراغ الذي ستتركه.

8- التطويع المكثف للأدوات الدعائية: كانت الوسائل الدعائية عاملاً أساسياً استخدمته كافة الأطراف المنخرطة في الصراع الروسي الأوكراني، بما في ذلك الولايات المتحدة ذاتها، التي عملت على الترويج للتهديدات الروسية لأمن القارة الأوروبية ولحلف الناتو وللعالم بأكمله، وكذلك استهدافها المدنيين الأبرياء داخل الأراضي الأوكرانية، مع تدمير البنية التحتية الأوكرانية، مبررة الحاجة الملحة لاستمرارها في تقديم المساعدات العسكرية لأوكرانيا والمعنوية للشعب الروسي الذي يدافع عن قيم الديمقراطية في محاربة الاستبدادية الروسية؛ ما يعني أن الدعاية باتت جزءاً لصيقاً بأي حرب مستقبلية، خاصةً مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي القادرة على نقل الحقائق بأسرع صورة، وهو أمر سيتم مراعاته بدرجة أكبر مستقبلاً.

9- الحذر من “الحروب الهجينة“: كشفت الحرب الروسية-الأوكرانية أن الدخول في صراع مع العدو لن يتوقف على استخدام الأدوات العسكرية واستهداف الجنود، وإنما سيعمل العدو على شل حركة الخصم عبر تدمير البنية التحتية، وقطع شبكات الإنترنت، واستهداف المستشفيات وأماكن المدنيين، فضلاً عن استغلال الإنترنت وتكنولوجيا “الخداع العميق Deepfake” في سبيل الترويج لشائعات أو بث روح الرعب والخوف في نفوس الخصوم، فضلاً عن تجنيد جماعات معينة من السكان، ودعم حركتهم الانفصالية أو تشجيعهم على الانقلاب ضد الحاكم، بجانب اللجوء إلى المرتزقة الذين يحاربون من أجل المال فقط، على غرار لجوء روسيا إلى مجموعة فاجنر والشيشان والسوريين في أوكرانيا. وكلها تكتيكات ستُوضع في الاعتبار عند صياغة أي استراتيجية أمريكية عسكرية.

10- تطوير البنية المدنية اللازمة لمواجهة أي تهديدات عسكرية: لا يمكن إغفال أن إعداد المدنيين لمواجهة أي تهديدات يعتبر جزءاً محورياً من الاستراتيجية العسكرية لأي دولة. وفي هذا الإطار، يتم طرح ملاجئ الطوارئ كأحد الجوانب الرئيسية في إعداد المدنيين للاستجابة للتهديدات العسكرية. ويبدو أن ملاجئ الطوارئ، وخصوصاً المرتبطة بالتعامل مع التهديدات النووية، تشكل إحدى القضايا المطروحة على الأجندة الأمريكية.

فمع تزايد التوترات بين الولايات المتحدة وعدد من الدول التي تمتلك أسلحة نووية، واستمرار القوات الروسية في قصف أوكرانيا، أصبح هناك تساؤلات حول مدى إمكانية الصمود أمام تلك الهجمات بملاجئ عفا عليها الزمن منذ الحرب الباردة، بمواصفات بدائية للغاية. واللافت أن هذا الجدال بدأ بقوة بالتزامن مع الأزمة النووية الكورية الشمالية في 2017 التي وصلت إلى حد التهديد “بالتدمير الشامل” من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لكن دون أخذ أي احتياطيات حيوية؛ فقد أشارت بعض التقارير إلى أن بناء تلك الملاجئ يرجع للفترة بين 1950 و1965؛ ففضلاً عن تقادمها فإن أغلبها لم يشهد عمليات تحديث ولا عمليات صيانة دورية بالطريقة المناسبة؛ لذلك من المتوقع أنها لن تتمكن من تحمل الضربات النووية الحالية؛ وذلك بسبب اختلاف التكنولوجيا المستخدمة في أسلحة الدمار الشامل اليوم عن تلك التي استخدمت في بناء الملاجئ النووية في ذلك الوقت.

تحولات النظام

لا يمكن إغفال أن الصراع الجاري في أوكرانيا، ومسار العمليات العسكرية هناك، والتداعيات الناجمة عن الصراع، أكسبت سيناريو التحول في النظام الدولي الراهن المزيد من الزخم، وهو الأمر الذي يفرض تحديات على الولايات المتحدة التي ظلت لسنوات متصدرة المشهد العالمي، ومسيطرة على قيادة النظام الدولي منفردةً. لا يمكن إغفال أن تهديد مكانة واشنطن، سواء من خلال الصين أو روسيا التي تنظر للحرب الأوكرانية كمدخل لتغيير النظام الدولي القائم، يدفع الولايات المتحدة إلى تطوير استراتيجيتها العسكرية لإثبات تفوقها العالمي، وربما أيضاً استغلال الاستنزاف الروسي في الحرب من أجل خدمة مصالحها، لا سيما أن الحرب كشفت لواشنطن عن الكثير من الاستراتيجيات والتقنيات العسكرية الروسية، كما أن الحرب ربما تخدم الولايات المتحدة وتدعم صورتها العسكرية من زاوية إثبات قدراتها وفاعلية أسلحتها التي ساعدت أوكرانيا على الوقوف في وجه الأسلحة الروسية.

بشكل مجمل، يتوقع مع عدم وجود أي مؤشرات على انتهاء الحرب الروسية الأوكرانية على المدى القريب، أن تسهم في تغيير البيئة الجيوسياسية العالمية؛ ما يفرض على الولايات المتحدة الأمريكية إحداث تغييرات في استراتيجياتها العسكرية لتكون أكثر ملاءمة للتطورات العالمية، والتحالفات التي ستفرزها تلك الحرب.


https://www.interregional.com/%d8%aa%d8%ad%d8%af%d9%8a%d8%ab-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%af%d8%b9/