تحصين الملكية:

كيف يمكن الحفاظ على إرث الملكة إليزابيث الثانية؟
تحصين الملكية:
22 سبتمبر، 2022

عرض: صباح عبد الصبور

نشر موقع ستراتفور تقريراً بعنوان “ما القادم بخصوص عصر تشارلز الثالث؟”؛ وذلك في 19 سبتمبر 2020، أشار فيه إلى أن عصر الملكة إليزابيث الثانية قد بدأ في حقبة جيوسياسية كان أولها هو بداية الحرب الباردة ونهاية عصر الإمبراطورية، انتهاءً بعودة حرب كبرى أخرى إلى أوروبا، مؤكداً أن الملكة كانت تركز على الحفاظ على النظام الملكي وعلى الكومنولث؛ وذلك وسط تفكك كبير للقوة البريطانية التقليدية. لكن بعد وفاة الملكة وتولي الملك تشارلز الثالث، يُثار – وفقاً للتقرير – التساؤل: هل يمكن تأمين إرث الملكة إليزابيث في الحفاظ على قوة المملكة المتحدة؟

مؤسسة فريدة

أوضح التقرير أن المؤسسة الملكية البريطانية تعد مؤسسة فريدة من نوعها؛ إذ إن الملك لا يعمل رئيساً تنفيذياً، بل رئيساً رمزياً للدولة، مضيفاً أن الملك يحافظ على القوة البريطانية عبر دعم الكومنولث؛ ولذلك فهو منصب مهم. وأشار التقرير إلى أن أهمية المؤسسة الملكية البريطانية تتضح عبر ما يلي:

1– ضمان وحدة دول المملكة المتحدة والكومنولث: وفقاً للتقرير، يوحد الملك الدول الأربع في المملكة المتحدة، وهي أيرلندا الشمالية وإنجلترا وويلز واسكتلندا. ونوه التقرير أن الجماهير الشعبية هي التي حافظت على النظام الملكي، لافتاً إلى أن هذا الأمر ترسخ عبر قرون من التقاليد والجمود المؤسسي والدستوري، بجانب القلق بشأن وحدة المملكة المتحدة والكومنولث. وبناءً عليه، يحمل الملك في المملكة المتحدة لقباً وثقلاً ثقافياً كبيراً، لكنه ظل لفترة طويلة تحت رحمة الحكومات المنتخبة ديمقراطياً، على حد ما ذكر التقرير.

2– ربط الملكية دول الكومنولث المنتشرة بالعالم: بحسب التقرير، فإنه في الوقت نفسه يعمل النظام الملكي كرابط أخير بين المملكة المتحدة وبين إمبراطوريتها السابقة من خلال دول الكومنولث الممتدة في العالم؛ إذ يشغل الملك منصب رئيس الدولة في 15 دولة تُشكِّل ما تُعرف بـ”عوالم الكومنولث”؛ وذلك بالإضافة إلى كونه رئيس “الكومنولث”، وهو اتحاد سياسي يضم 56 دولة، وفق ما ذكر التقرير. وطبقاً للتقرير، تعد العضوية في الكومنولث طوعية، ويجوز لأي دولة إجراء استفتاءات لإنهاء وضعها، كما فعلت باربادوس في عام 2021 عندما تحولت إلى جمهورية.

3– الكومنولث مؤشر على قوة المملكة المتحدة الناعمة: أكد التقرير أن الكومنولث يعتبر بحد ذاته تطوراً فريداً تاريخياً، مشدداً على أنه بالرغم من أن دولاً مثل فرنسا جرَّبت وسائل مماثلة لتطوير إمبراطوريتها في المراحل الأخيرة من الإمبريالية من أجل الاحتفاظ بمستوى معين من التأثير في الأماكن التي تم إنهاء الاستعمار فيها، لكن لم ينجح أيٌّ منها في ذلك، مثلما فعلت المملكة المتحدة. وأوضح التقرير أن الكومنولث يقدم للمملكة المتحدة مقياساً للقوة الناعمة العالمية، وهو ما يُمكِّنها من المشاركة في المناقشات والمحادثات حول التطورات السياسية لمجتمعها والحفاظ على الروابط الثقافية واللغوية بين أعضائها.

استراتيجية ذكية

أشار التقرير إلى أن الملكة إليزابيث الثانية واجهت في بداية حكمها مهمة تبدو مستحيلة، مضيفاً أنه في الوقت الذي صعدت فيه الملكة إلى العرش في عام 1952، كانت الإمبراطورية البريطانية في طريقها إلى الانتهاء؛ إذ حصلت الهند على الاستقلال في عام 1948، وكان الحديث آنذاك في البرلمان عن إنهاء الاستعمار، وثارت العديد من التساؤلات خلال فترة حكم الملكة إليزابيث حول قيمة الملكية، وما فائدة رئيس دولة بواجبات رمزية قليلة؟ ولماذا توجد ملكة في دولة ديمقراطية؟ يضاف إلى ذلك أنه من أجل إنهاء استعمار الإمبراطورية البريطانية بسرعة، عمل القوميون والجمهوريون ضد النفوذ البريطاني المتبقي، بما في ذلك وضع الملكة.

ووفقاً للتقرير، تبنت الملكة إليزابيث الثانية استراتيجية في ظل هذا الواقع للحفاظ على النظام الملكي، وتتمثل أبرز ملامح هذه الاستراتيجية فيما يلي:

1– الحرص على عدم الخوض في المعارك السياسية: بحسب التقرير، لم تَخُض الملكة إليزابيث الثانية – على عكس والدها الملك جورج السادس – حرباً كبيرة لحشد الأمة حولها، بل صنعت “شكلها السياسي الخاص” الذي اعتمد على العلاقات العامة والغموض السياسي؛ حيث لم تظهر الملكة خلال الكوارث السياسية والخارجية. ونوه التقرير أن الملكة تجنبت بدرجة كبيرة الظهور، وهو ما قلل الانتقادات حولها. وطبقاً للتقرير، فإنه على العكس من ذلك تأثر دعم الملكة بانتشار الفضائح الملكية، مثل طلاق تشارلز والأميرة ديانا، ووفاة ديانا لاحقاً في عام 1997. ولفت التقرير إلى أنه على الرغم من ذلك، حافظت الملكة حتى خلال هذه الأوقات العصيبة على وضعها الشخصي العام تحت السيطرة.

2– دعم العلاقات العامة بدول تجمع الكومنولث: أكد التقرير أن نهج العلاقات العامة للملكة ساعد في الحفاظ على الكومنولث مترابطاً. ودلل التقرير على ذلك، على سبيل المثال، بأن زيارتها إلى غانا في عام 1961، ورقصتها الشهيرة مع أول رئيس لها – وهو ” كوامي نكروما” – كانت سبباً في بقاء غانا في الكومنولث.

3– الاستعانة بأفراد من العائلة الملكية لدعم الملكية: شدد التقرير على أن الملكة إليزابيث الثانية استعانت بأفراد من العائلة المالكة، مثلما فعلت عندما أرسلت الأمير تشارلز آنذاك والأميرة ديانا ذات الشعبية الكبيرة إلى أستراليا في عام 1983 لوقف موجة الجمهورية التي هددت نظامها الملكي.

4– تجنب التعليق على تحديات السياسة الخارجية: أوضح التقرير أن الملكة إليزابيث الثانية تجنبت التعليق أو الظهور عندما اندلعت تحديات كبيرة في السياسة الخارجية، مثل انتفاضة “ماو ماو”، والاضطرابات في أيرلندا الشمالية، مشيراً إلى أن هذا الأمر أدى إلى تركيز الغضب العام ورد الفعل الخارجي على رؤساء الوزراء والبرلمانات المنتخبين ديمقراطياً بدلاً من الملكة.

خطوات مطلوبة

نوه التقرير أنه في ظل الاضطرابات التي تشهدها المملكة المتحدة مع خروجها من الاتحاد الأوروبي، والميل نحو الشعبوية الإنجليزية، وتزايد نداءات الاستقلال في اسكتلندا وأيرلندا الشمالية؛ يتساءل البريطانيون العاديون عن جدوى استمرار الملكية، وتتساءل دول الكومنولث وعوالمه عن حكم تشارلز إذا ما كان مفيداً لمواطنيها أم لا. وفي هذا السياق، فإن الخيارات المتاحة أمام تشارلز الثالث، وفقاً للتقرير، تتمثل فيما يلي:

1– السير على نهج الملكة الراحلة إليزابيث الثانية: رأى التقرير أنه سيتعين على الملك تشارلز الثالث أن يحذو حذو الملكة إليزابيث الثانية من حيث عدم الخوض في الصراعات السياسية بهدف الحفاظ على الملكية، مع العمل على منع تفكك المملكة المتحدة أو إضعاف الكومنولث. لكن ستبقى هناك عوامل كثيرة خارجة عن سيطرته بحسب التقرير؛ إذ سيحدد مستقبله الحظُّ وشخصيتُه والفضائحُ خلال حكمه، وستكون سياسته ردود فعل على الأحداث.

2– التعامل بحكمة مع التحديات الخارجية الحالية: طبقاً للتقرير، يواجه الملك تشارلز الثالث العديد من التحديات، ومنها الحرب في أوكرانيا، وأزمة التكلفة المعيشية، وعدم الاستقرار السياسي في الولايات المتحدة، واحتمالية الحرب بين الصين وتايوان. وأضاف التقرير أنه إذا رآه الجمهور يتعامل مع هذه التحديات بالنوع نفسه من الجاذبية الملكية للملكة إليزابيث، فقد يُحسِّن وضعه بوصفه ملكاً ويساعد في إضعاف حجج الجمهوريين والقوميين الذين يريدون إضعاف الكومنولث، وإلغاء النظام الملكي. ونوه التقرير أن هذا النهج قد يحافظ على نظام ملكي قادر على الاستمرارية على الرغم من كل التغيرات الكبرى التي تدور حوله.

3– التمكن من السيطرة على فضائح العائلة الملكية: لفت التقرير إلى أن الملك تشارلز الثالث قد يتعثر، أو يُنظر إليه على أنه فاقد الشخصية الكاريزمية، أو قد يتورط في فضيحة ملكية أخرى، فيقوض الثقة بالنظام الملكي ويعزز قوة الأطراف التي تسعى إلى إسقاطه. وبحسب التقرير، هناك فضائح جديدة قد تظهر؛ وذلك بالنظر إلى المشاكل الملكية للأمير أندرو والأمير هاري، وكلاهما يؤثران على شعبية النظام الملكي. علاوة على ذلك، لا يزال يتعيَّن على تشارلز الثالث التغلب على الضرر الذي لحق بسمعته من جراء انفصاله عن الأميرة ديانا. وأكد التقرير أنه إذا بات يُنظر إلى الملك تشارلز على أنه فاشل، فقد يشهد عصره تفكك المملكة المتحدة وإضعاف الكومنولث أو حتى نهاية النظام الملكي نفسه.

فرصة نادرة

وختاماً، أشار التقرير إلى أن من المرجح أن تُواصِل بعض دول الكومنولث السير في طريقها نحو أن تصبح جمهوريات، في حين ستتمسك الدول الأخرى بالملكية. وأوضح التقرير أن الملكية قد تظهر كذلك قضيةً في الاستفتاءات المحتملة في اسكتلندا وأيرلندا، لكنه رجَّح أن عوامل أخرى ستقرر مسارات هذه الاستفتاءات بغض النظر عن شخصية تشارلز الثالث؛ لذلك رأى التقرير أن من النادر أن يُمنح الملك تشارلز الثالث الفرصة لتحديد مصيره ومصير العرش.

المصدر:

What Comes Next for Britain’s Third Carolean Age, Stratfor, 19 September 2022, Accessible at: https://worldview.stratfor.com/article/what-comes-next-britains-third-carolean-age


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%aa%d8%ad%d8%b5%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%84%d9%83%d9%8a%d8%a9/