تخفيف الالتزامات:

التحولات المتوقعة لـ "مراجعة الموقف العالمي" لوزارة الدفاع الأمريكية
تخفيف الالتزامات:
7 أكتوبر، 2021

أمر الرئيس الأمريكي “جو بايدن” وزير الدفاع “لويد أوستن”، في 4 فبراير الماضي، خلال كلمته بوزارة الخارجية الأمريكية، بمراجعة تموضع القوات الأمريكية في العالم، للتأكد من أن الانتشار العسكري للولايات المتحدة يتوافق مع السياسة الخارجية للإدارة والأمن القومي الأمريكي. وعلى الرغم من ذكر المتحدث باسم وزارة الدفاع “جون كيربي”، في أعقاب توجيه الرئيس الأمريكي بأنه “ينبغي الانتهاء من مراجعة الموقف العالمي Global Posture Review في منتصف العام الحالي”، وتصريحه في 13 سبتمبر 2021 بـ”أنه سيتم الانتهاء منها قريباً”؛ فحتى الآن لم تصدر تلك المراجعة.

ويشكل الموقف العالمي لوزارة الدفاع الأمريكية الذي يتكون من حجم القوات العسكرية للولايات المتحدة التي تنتشر في الخارج، وموقعها، وأنواعها، وقدراتها، إلى جانب هيكل القوة الأمريكي؛ عنصراً أساسياً في استراتيجية الدفاع والتخطيط العسكري الأمريكي. وقد أعلن “كيربي” أن المسؤولين العسكريين الأمريكيين سيتشاورون مع حلفاء وشركاء الولايات المتحدة في جميع أنحاء العالم أثناء القيام بالمراجعة، وفي مقدمتهم الأعضاء في حلف شمال الأطلنطي، فضلاً عن أنها ستأخذ بعين الاعتبار أي معاهدة أو اتفاقيات أمنية ودفاعية أمريكية.

سياقات إعادة التموضع

تأتي مراجعة وزارة الدفاع الأمريكية لتموضع القوات الأمريكية حول العالم في سياق دولي يشهد جملة من التطورات والتغييرات العالمية، التي تتطلب تحولات في الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية وانتشار القوات الأمريكية خارجياً، ومن أبرزها ما يلي:

1 احتدام المنافسة بين القوى العظمى: ركزت وثيقة “التوجيه الاستراتيجي المؤقت لاستراتيجية الأمن القومي” التي أصدرها البيت الأبيض بعد 45 يوماً من أداء الرئيس الأمريكي “جو بايدن” اليمين الدستورية في 20 يناير الماضي، على الصين وروسيا باعتبارهما التحدي الاستراتيجي للولايات المتحدة؛ لكونهما قوتين تعديليتين في النظام الدولي الذي تهمين عليه واشنطن منفردة منذ نهاية الحرب الباردة، وتسعيان لتهديد استقرار النظام الراهن والاقتصاد العالمي المفتوح. ولذلك يرى فريق الأمن القومي بالإدارة الأمريكية أن بكين -وليس المتطرفون المسلحون مثل تنظيمي القاعدة وداعش- تشكل التحدي الأمني الأول للولايات المتحدة على المدى الطويل، ويراها وزير الدفاع الأمريكي أنها “التهديد السريع” للولايات المتحدة.

2- انتقال التنافس الدولي إلى مناطق جديدة: كان التنافس بين الصين وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية لعقود مضت على التفوق الاقتصادي والتكنولوجي والجيوسياسي وحتى الأيديولوجي مقصوراً على الأرض، لكنه خلال آخر عقدين انتقل إلى الفضاء الخارجي، الذي أضحى امتداداً طبيعياً لمنافسة القوى العظمى. وقد ذكر الوزير “أوستن” خلال جلسة الاستماع له بمجلس الشيوخ للموافقة على توليه منصب وزير الدفاع بإدارة “بايدن”، أن الفضاء الخارجي هو بالفعل ساحة لمنافسة القوى العظمى، وأن بكين ستمثل التهديد الأكثر أهمية للولايات المتحدة خلال السنوات القادمة في الفضاء الخارجي. وقد أشار تقرير الاستخبارات الوطنية الأمريكية، في أبريل 2021، إلى أنه بحلول عام 2040 ستكون بكين المنافس الأكثر أهمية للولايات المتحدة الأمريكية في الفضاء الخارجي، حيث ستتنافس على الأنشطة الفضائية التجارية والمدنية والعسكرية.

3– تصاعُد الحروب والتهديدات الهجينة: تُواجه الولايات المتحدة والعديد من حلفائها وشركائها حول العالم تهديدات روسية وصينية هجينة شبه عسكرية ومعلوماتية. وفي الآونة الأخيرة تعرضت واشنطن لهجمات سيبرانية، والتضليل المعلوماتي والإعلامي الذي يهدف إلى زيادة الانقسام السياسي الأمريكي، وتهديد الديمقراطية الأمريكية، والتدخل في الانتخابات الرئاسية. وتعقد تلك التهديدات الهجينة الأمن الداخلي للولايات المتحدة والعمليات العسكرية الأمريكية في الخارج.

4 توجّه واشنطن لإنهاء الحروب الأبدية: على الرغم من تبنّي إدارة الرئيسين السابقين “باراك أوباما” و”دونالد ترامب” إنهاء انخراط القوات الأمريكية في الصراعات الخارجية، والحروب الأمريكية “الأبدية” في العراق وأفغانستان، وتقليل الانخراط العسكري الأمريكي المكثف في أزمات وصراعات الشرق الأوسط؛ فإن إدارة الرئيس “جو بايدن” قد نفذت تلك التعهدات بإنهاء التواجد العسكري الأمريكي بأفغانستان في 31 أغسطس الفائت، وطيّ صفحة أطول حرب في التاريخ الأمريكي امتدت لعقدين، والتخطيط لانسحاب القوات المقاتلة الأمريكية من العراق في نهاية العام الحالي.

5 إعادة التركيز على الداخل الأمريكي: عكست تصريحات الرئيس “جو بايدن” منذ اليوم الأول له في البيت البيض سعي الإدارة الأمريكية إلى إعادة تركيز الموارد الأمريكية على بناء الداخل الأمريكي، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة العديد من الأزمات الداخلية، انطلاقاً من قناعة بأن القوة الأمريكية تبدأ من الداخل، مقابل تقليل التركيز على القضايا الخارجية التي لا تؤثر بصورة كبيرة على الأمن القومي والمصالح الأمريكية، وتبني سياسة خارجية تخدم الطبقة الوسطى الأمريكية بشكل أفضل.

مراجعة الانتشار العسكري

على الرغم من عدم إعلان مسؤولي وزارة الدفاع الأمريكية عن أي تفاصيل -حتى الآن- بشأن محاور مراجعة الموقف العالمي لوزارة الدفاع الأمريكية، فإنه من المتوقع أن تتضمن عدداً من المحاور استناداً إلى السياق الدولي والأمريكي الذي تجري فيه، وتصريحات مسؤولي الإدارة وخطاباتهم وفي مقدمتهم الرئيس ووزير الدفاع، ومن أبرزها ما يلي:

1– الدمج بين الدبلوماسية والانتشار العسكري: أكد الرئيس الأمريكي خلال كلمته، في 4 فبراير الفائت، التي تضمنت توجيه وزير الدفاع الأمريكي لمراجعة تموضع القوات الأمريكية عالمياً، على أهمية التنسيق بين وزير الدفاع والخارجية. وقد قال “أوستن” في بيان له بعد كلمة “بايدن”، إن الدبلوماسية واستخدام القوة العسكرية الأمريكية يجب أن يسيرا جنباً إلى جنب، ويجب أن تكون وزارة الدفاع مستعدة دائماً لدعم العمل الشاق للدبلوماسية، ودعمها بالقدرات التي تحتاجها لحماية المصالح الأمريكية متى يتم تحديها. وهناك قناعة لدى وزير الدفاع الأمريكي بأن الدبلوماسية والقوة العسكرية يكملان بعضهما بعضاً، وكل منهما يجعل الأخرى أقوى، وأنهما يفشلان إذا عملا بطريقة منفردة دون الأخرى.

2– تغيير طُرق انتشار القوات الأمريكية بالخارج: يُتوقع أن ترتب مراجعة الموقف الأمريكي تغييرات في قواعد انتشار القوات العسكرية الأمريكية، والطائرات والسفن الحربية الأمريكية حول العالم. وقد قال المتحدث باسم وزارة الدفاع “جون كيري”، إن الاستعراض سيساعد كبار مسؤولي الإدارة على تحديد أفضل السبل لتوزيع القوات العسكرية الأمريكية من أجل تحقيق المصالح القومية الأمريكية.

ويتوقع أن تتضمن المراجعة أفكاراً جديدة لانتشار القوات الأمريكية في القواعد العسكرية الدائمة ذات التكلفة السياسية والأمنية والمالية العالية، حيث إن التطورات التكنولوجية والتغيرات الجيوسياسية تدعو إلى إعادة التفكير في الاستراتيجيات القديمة لنشر القوات وتحديد مواقعها. ويرى بعض القادة العسكريين أن هناك أفضلية لنشر قوات عسكرية صغيرة تكاد تكون غير مرئية ومن الصعب كشفها وفي حالة حركة مستمرة وموزعة على نطاق واسع، بحيث تكون قوة يمكن البناء عليها. وقد قال رئيس العمليات البحرية الأمريكية ‏إن مراجعة وضع القوات الأمريكية يمكن أن يُحدث تغيرات في كيفية نشر حاملات الطائرات وغيرها من الأصول البحرية الأمريكية في المستقبل.

3– العمل على مواجهة الخصوم الاستراتيجيين: على الرغم من التحدي الذي يمثله كل من الصين وروسيا للأمن القومي والمصالح الأمريكية، فإنه يتوقع أن تعطي المراجعة أهمية للصعود الصيني، كونه التهديد الرئيسي للقوة الأمريكية. وبينما ستركز المراجعة على منافسة طويلة الأجل مع الصين، فإنها لن تغفل التعامل مع التحدي الروسي.

وستعمل مراجعة تموضع القوات الأمريكية حول العالم لمنع حروب القوى العظمى من خلال إظهار انتشار القوات الأمريكية الإرادة السياسية لخوض الحروب إذا لزم الأمر، والقدرة على خوضها، والاستعداد والتجهيز لها من خلال التدريبات المشتركة وتبادل المعلومات مع الحلفاء. ويعبر عن ذلك تصريح لوزير الدفاع الأمريكي بأن هناك أهمية لتواجد عسكري أمريكي أكثر مرونة في المحيطين الهندي والهادئ استجابة لقدرات ونهج الصين العدواني.

4– التركيز على مناطق ومجالات جديدة للتنافس: في ظل استعداد الولايات المتحدة لمنافسة القوى العظمى فإنه من المتوقع أن تُعيد القوات الأمريكية الموازنة بين مناطق ومجالات واعدة للتنافس مثل الفضاء الخارجي، ومناطق كانت ذات أهمية متراجعة في الماضي مثل القطب الشمالي الذي سيصبح منطقة تنافس بين القوى العظمى لتعظيم مواردها، والمناطق التقليدية مثل منطقة الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وإفريقيا، وتخصيص موارد محدودة لمناطق أخرى.

5– تقليل الانخراط في منطقة الشرق الأوسط: في الوقت الذي تركز فيه الولايات المتحدة على مواجهة روسيا والصين باعتبارهما التحدي الاستراتيجي للولايات المتحدة، واستراتيجية الإدارة لإنهاء الحروب اللا نهائية والانسحاب من أفغانستان، والتخطيط لإنهاء الوجود العسكري الأمريكي في العراق بنهاية العالم؛ يُتوقع أن تقلل مراجعة الموقف العالمي الأمريكي الالتزامات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، والوجود العسكري الدائم بالمنطقة، مع بعض الاستثناءات بما يحافظ على المصالح الأمريكية وأمن حلفائها في المنطقة.

6– استمرار الاهتمام بمواجهة الإرهاب العالمي: مع انتهاء الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، يتوقع المسؤولون العسكريون الأمريكيون أنها ستكون ملاذاً للتنظيمات الإرهابية، ولا سيما مع تزايد العمليات الإرهابية التي ينفذها تنظيم داعش خراسان في أفغانستان والتي أودت بحياة 13 جندياً أمريكياً في هجوم نفذه في 26 أغسطس الفائت.

وفي جلسة استماع عُقدت بلجنة الخدمات المسلحة بمجلس الشيوخ الأمريكي في 28 سبتمبر الماضي، حذر رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال “مارك ميلي”، وقائد القيادة المركزية الأمريكية الجنرال “كينيث ماكنزي”، من أن علاقة حركة طالبان، التي تُعتبر من وجهة النظر العسكرية منظمة إرهابية، والتي تسيطر على الأراضي الأفغانية بعد انسحاب القوات الأمريكية، مع تنظيم القاعدة لم تنقطع خلال الفترة الماضية. ويتوقع “ميلي” أن تنظيمي القاعدة وداعش قد يمثلان تهديداً للولايات المتحدة في أقل من 12 شهراً.

وقد قال المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية في أعقاب الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، إن تأثير التنظيمات الإرهابية التي كانت توفر لها أفغانستان ملاذاً آمناً لا يزال مستمراً في مناطق أخرى. وقد أكد وزير الدفاع أن الولايات المتحدة ستظل تركز على مجابهة التهديدات الإرهابية أينما ظهرت، ولكنّ ذلك سيأتي في مرتبة تالية لمواجهة الولايات المتحدة خصومها ومنافسيها الاستراتيجيين.

7– مواصلة دعم حلفاء واشنطن حول العالم: في ظل إعلان الرئيس الأمريكي عن عودة الولايات المتحدة إلى القيادة العالمية بعد تراجعها خلال سنوات حكم الرئيس “دونالد ترامب”، وإعادة الشراكات والتحالفات لتعزيز قوة الولايات المتحدة لمواجهة التحديات العالمية، حيث تمكنها الشبكة العالمية من الحلفاء والشركاء من معالجة أوجه القصور في قدراتها ومضاعفة نقاط قوتها؛ فإن المراجعة ستركز على تعزيز الإدارة الأمريكية لقدرة الحلفاء لبذل المزيد من الجهود للحفاظ على توازن القوى المستقر في المناطق الرئيسية حول العالم، ولا سيما في آسيا وأوروبا.

في الختام، إن مراجعة الموقف العالمي الأمريكي هو جزء من جهود الإدارة الأمريكية لتحديد مسار القوات المسلحة الأمريكية التي لا تزال عالقة في العديد من الصراعات الدموية لعقود، وتواجه تحديات ومشكلات داخلية كالعنصرية والتطرف. وسيدفع السياق الذي تجري فيه عملية المراجعة لتقليل الالتزامات العسكرية الأمريكية في الخارج، والبحث عن طرق بديلة للتواجد العسكري الأمريكي الدائم في قواعد عسكرية، والتركيز على مجالات التنافس غير التقليدية بين الولايات المتحدة وخصومها الاستراتيجيين في ظل تنامي منافسة القوى العظمى.

وسيفرض ثقل الالتزامات العسكرية الأمريكية التي جاءت على حساب القوة الاقتصادية الأمريكية ضرورة مراجعة الولايات المتحدة لعمليات الانتشار التي لا تحقق المصالح الأمريكية، والتفكير الاستراتيجي القائم على عقلية الحرب الباردة والحرب على الإرهاب، مع إعادة انتشار القوات الأمريكية بصورة لا ترهق الموازنة الأمريكية ولا القوة العسكرية الأمريكية من خلال الموازنة وتقاسم الأعباء مع الشركاء، وتخفيض القوات في المناطق التي تراجعت أهميتها للولايات المتحدة، مع الاعتماد على قوات صغيرة منتشرة حول العالم متغيرة من فترة لأخرى، ولكنها مستعدة للدخول في حروب والتعامل السريع مع تهديدات خصوم ومنافسي الولايات المتحدة حول العالم.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%aa%d8%ae%d9%81%d9%8a%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b2%d8%a7%d9%85%d8%a7%d8%aa/