تداعيات الحرب:

لماذا يُـتوقع أن تستمر أزمة الغاز الطبيعي المسال في العالم لسنوات؟
تداعيات الحرب:
26 مايو، 2022

عرض: إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية

ذهب تقرير نشرته وحدة الاستخبارات الاقتصادية بالإيكونوميست تحت عنوان “استمرار أزمة إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية لسنوات” في 24 مايو 2022؛ إلى أن الحرب الروسية الأوكرانية دفعت الاتحاد الأوروبي إلى زيادة وارداته من الغاز الطبيعي المسال باعتباره جزءاً من استراتيجيته لتقليل الاعتماد على الإمدادات الروسية من الغاز الطبيعي. وأوضح التقرير أنه على المدى القصير، تتم تلبية الطلب الإضافي من أوروبا عن طريق تحويل الشحنات المتجهة إلى وجهات أخرى، لا سيما إلى آسيا. ومع ذلك، يعتقد الخبراء أن إعادة الهيكلة الدائمة لسوق الغاز العالمية ستكون صعبة بدون زيادة كبيرة في إمدادات الغاز الطبيعي المسال. وعليه، توقع التقرير استثمارات إضافية جديدة لزيادة الطاقات الإنتاجية، وانخفاضاً مُحتملاً لأسعار الغاز في عام 2025، بالإضافة إلى استمرار اعتماد أوروبا على الغاز الروسي في الأجل القصير.

محددات الأزمة

تناول التقرير المحددات الحاكمة لتفاقم أزمة إمدادات الغاز الطبيعي على المستوى العالمي؛ وذلك على النحو الآتي:

1– ارتباط أزمة الغاز بزيادة الطلب وضعف الإمدادات: ذهب التقرير إلى أن أزمة “العرض” التي تواجهها أسواق الغاز العالمية، ترتبط على نحو رئيسي بزيادة الطلب مقابل ضعف الإمدادات العالمية؛ حيث زادت القارة الأوروبية من الطلب بناءً على القدرات والاستثمارات الحالية؛ وذلك بالتزامن مع عدم وجود إمدادات عالمية كافية لتعويض الانخفاض المفاجئ في شحنات الغاز الروسي إلى أوروبا، حتى لو كان التراجع في الواردات الصينية وارتفاع الأسعار سيُخففان من نمو الطلب العالمي على الغاز الطبيعي المسال على المدى القصير.

2– افتقار الدول المُصدرة إلى البنى التحتية والتمويل اللازم: أشار التقرير إلى أن بعض الدول المُصدرة للغاز المسال تفتقر إلى البنى التحتية والتمويل اللازم لهذه العملية، وهو الاعتبار الذي أضر على نحو رئيسي بالغاز المُصدَّر، وهو أمر يُفاقم الأزمة، ويزيد احتمالية حدوث اختناق في أوروبا، خصوصاً مع حاجة الدول الأوروبية إلى سد الفجوة على المدى القصير عبر زيادة استخدام الطاقة الإنتاجية للغاز الطبيعي المسال في البلدان المُصدرة.

3– صعوبة خلق طاقة إنتاجية جديدة في المدى القصير: أشار التقرير إلى أنه على المدى المتوسط ومع استمرار زيادة الطلب، لن يملأ الفراغ سوى بناء طاقة استيعابية جديدة، لكن هذا التوجه من غير المرجح أن يبدأ حتى 2024–2025، وسلط التقرير الضوء في هذا الصدد على عمل أستراليا على إدخال طاقة إنتاجية جديدة في الفترة 2025–2026، لكن هذا التوجه سيكون متبوعاً بالحد من نمو الصادرات من الدولة، بسبب زيادة الاحتياجات الداخلية.

وفي ذات السياق، أشار التقرير إلى أن واشنطن تبنت المسار نفسه؛ حيث وافقت السلطات الأمريكية على 15 مشروعاً إضافياً، تبلغ طاقتها 273 مليار متر مكعب في السنة، وهو توجُّه كان مرتبطاً بالإدراك الأمريكي بعدم قدرة المخزونات الحالية على مواكبة الطلب العالمي، وعلى المنوال نفسه، بدأت قطر تسعى إلى خلق طاقات إنتاجية جديدة، بما يضمن رفع القدرة الإنتاجية لها بحلول عام 2030 إلى 170 مليار متر مكعب.

4– توقعات بارتفاع أسعار الغاز المسال بنحو 62% عام 2022: لفت التقرير إلى أنه حتى اللحظة الراهنة فإن الزيادة في إمدادات الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا متوافقة إلى حد ما مع انخفاض الشحنات إلى الأسواق الأخرى، بما في ذلك انخفاض ربع سنوي غير شائع في الشحنات إلى الصين. وجاءت معظم الزيادة في المبيعات إلى أوروبا من الولايات المتحدة؛ حيث يتمتَّع المُشغِّلون بمرونة أكبر من المنتجين الرئيسيين الآخرين مثل قطر وأستراليا؛ حيث تسود العقود الطويلة الأجل، ولكن التقرير توقَّع أن يؤدي ارتفاع استهلاك الاتحاد الأوروبي إلى زيادة أسعار الغاز الطبيعي المسال بنحو 62% في عام 2022، بعد أن ارتفعت بنحو 30% في عام 2021.

تحديات أوروبية

بحسب التقرير، فإن هناك تحديات تُواجه القارة الأوروبية فيما يتعلق بتوفير احتياجاتها الداخلية من الغاز المسال، أو حتى استيراده؛ وذلك على النحو الآتي:

1– تحدي الاعتماد الكبير على واردات الغاز الروسية: أشار التقرير إلى أن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي استوردت نحو 344 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي في عام 2021، منها 155 مليار متر مكعب من روسيا (عبر خطوط الأنابيب على نحو أساسي، ولكن أيضاً بما في ذلك الغاز الطبيعي المسال)، وهو ما يمثل نحو 40% من الإمدادات. وجاء نحو 30% من داخل أوروبا، أما الباقي فجرى استيراده من الولايات المتحدة وقطر ونيجيريا ومصر.

وانخفضت واردات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي من الغاز الطبيعي المسال في عام 2021، بإجمالي يقدر بنحو 63 مليون طن (ما يعادل 86 مليار متر مكعب) بانخفاض بنسبة 12.5% عن عام 2019. ومن ثم يرى التقرير أن أحد التحديات التي تواجه الدول الأوروبية، ترتبط بمدى القدرة على الاستغناء عن واردات الغاز الروسية.

2– زيادة معدلات الاستهلاك داخل الدول الأوروبية: أشار التقرير إلى أن أحد التحديات التي تواجه الدول الأوروبية، يتمثل أساساً في زيادة الاستهلاك الداخلي للغاز. وعلى إثر هذه الإشكالية والإدراك الأوروبي لها، بدأت الدول الأوروبية تتحرك لزيادة الواردات بقدر كبير. وتعمل ألمانيا على إضافة سعة تبلغ 32 مليار متر مكعب/سنة، بما في ذلك تركيب أربع وحدات لتخزين الغاز المسال، ومن المتوقع أن يبدأ تشغيل أولها بحلول الربع الأخير من هذا العام وفقاً للحكومة الألمانية. وبجانب المشاريع الأخرى، يتوقع التقرير أن تصل قدرة الاتحاد الأوروبي الإجمالية إلى نحو 208 مليارات متر مكعب سنوياً بحلول عام 2026، مقارنةً بـ170 مليار متر مكعب سنوياً في الوقت الحالي.

3– مشاكل البُنى التحتية للغاز المُسال في الدول الأوروبية: بحسب التقرير، فإن بريطانيا وتركيا تُمثلان دولتين مصدرتين مهمتين للاتحاد الأوروبي، خصوصاً في الفترات المقبلة، في ضوء توجه أوروبا نحو زيادة نسبة وارداتها من الغاز، وهي الزيادة التي قد تصل إلى نسبة 50% بنهاية العام الحالي، لكن أحد الإشكاليات التي ستواجه الدول الأوروبية في هذا الصدد ترتبط بمشاكل البنى التحتية في الدول المُصدِّرة للغاز، سواء في الدول المصدرة، أو في أوروبا نفسها؛ حيث تقتصر روابط خطوط الأنابيب لنقل الغاز من إسبانيا والبرتغال إلى بقية أوروبا، على خط أنابيب واحد بسعة 5.5 مليار متر مكعب/السنة فقط؛ ما يعني أن الكثير من سعة الغاز المسال في هذه البلدان غير مجدية للشبكة الأوسع.

وبالإضافة إلى التحديات السابقة، أشار التقرير إلى أن محدودية القدرة الأوروبية على تخزين الغاز المسال، سوف تُمثل تحدياً إضافياً، خصوصاً مع محدودية محطات التخزين، وهو الأمر الذي يحد من القدرة الأوروبية على توفير احتياجاتها من الغاز.

أزمة مستمرة

تبنى التقرير بعض التوقعات فيما يتعلق بأزمة الغاز المسال، وهو ما يُمكن تناوله على النحو الآتي:

1– استثمارات إضافية متوقعة لزيادة الطاقات الإنتاجية: توقع التقرير أن تؤدي الأسعار المرتفعة إلى زيادة الاستثمارات في طاقة تصدير الغاز الطبيعي المسال على المديين المتوسط والبعيد. وبحسب التقرير، إذا قامت الولايات المتحدة وقطر بخلق طاقات وقدرات إنتاجية جديدة كما هو مخطط له، فسيكون الانتقال من صادرات الغاز المسال الروسي أكثر من ممكن على المدى البعيد.

2– انخفاض مُحتمل لأسعار الغاز في عام 2025: توقع التقرير أن تنخفض أسعار الغاز الطبيعي المسال بنحو 26% من أعلى مستوياتها الحالية بحلول نهاية عام 2025، خصوصاً حال قُدرة الدول المصدرة على خلق طاقات إنتاجية جديدة، والتعاطي بأسلوب جيد مع أزمات البنى التحتية والتمويل.

3– استمرار اعتماد أوروبا على الغاز الروسي في الأجل القصير: بالنسبة إلى ما تبقَّى من عام 2022 على الأقل، توقع التقرير أن يظل الاتحاد الأوروبي معتمداً على روسيا لتغطية احتياجاته من الغاز. ومع ذلك، إذا استمر الصراع في أوكرانيا وتشديد العقوبات على روسيا، فقد تواجه أوروبا نقصاً مزمناً في الغاز حتى عام 2025 على الأقل وزيادات أخرى في أسعار الطاقة. ومع ذلك قد يساعد زيادة استخدام الفحم وزيادة إنتاج مصادر الطاقة المتجددة قليلاً في التخفيف من حدة الأزمة.

وختاماً، ذهب التقرير إلى أن الخطر يكمُن في أن المُنتجين في الولايات المتحدة وقطر يأخذون في الحسبان الانخفاض المحتمل للطلب المتوقع في الاتحاد الأوروبي؛ حيث تُخفض القطاعات الصناعية المختلفة الإنتاج بسبب ارتفاع الأسعار أو اضطرابات العرض.

المصدر:

– “Global LNG supply crunch will last for years”, Economist Intelligence Unit, May 24, 2022.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%aa%d8%af%d8%a7%d8%b9%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d8%a8/