تراجع الديمقراطيين:

لماذا عاد الجدل حول تورط "هانتر بايدن" في قضايا فساد؟
تراجع الديمقراطيين:
23 مارس، 2022

بعد اعتراض العديد من وسائل الإعلام الأمريكية، وحظر وسائل التواصل الاجتماعي تقريراً نشرته صحيفة نيويورك بوست في 14 أكتوبر 2020، قبل أيام قليلة من تصويت الناخبين في الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي أجريت في نوفمبر 2020، حول تورط الابن الأصغر للرئيس الأمريكي هانتر بايدن، في عديد من قضايا الفساد، وهو ما كان من شأنه التأثير على فرص المرشح الديمقراطي جو بايدن آنذاك؛ أضحت قضية فساد “هانتر” محور تركيز الداخل الأمريكي مجدداً بعد تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز”، في 16 مارس 2022، أشار إلى أن تحقيق وزارة العدل بشأن نجل الرئيس الأمريكي ليست متعلقة بمسألة ضريبية، بل تبين أن المدعين العامين يحققون في ميله إلى الاستفادة من النفوذ السياسي لوالده حينما كان يشغل منصب نائب الرئيس في إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، والحصول على مدفوعات مالية من كيانات خارجية لم تُسجَّل بوصفها وكيلاً أجنبيّاً وفقاً للقانون الأمريكي الذي يتطلب الكشف لوزارة العدل عن ممارسة الضغط أو تقديم خدمات العلاقات العامة نيابةً عن عملاء أجانب داخل الولايات المتحدة.

تضمَّن تقرير الصحيفة الأمريكية التي كانت داعمة لـ”بايدن” في الانتخابات الرئاسية لعام 2020 والمرشحة الديمقراطية “هيلاري كلينتون” في الانتخابات الرئاسية لعام 2016 ضد المرشح الجمهوري دونالد ترامب؛ العديد من التفاصيل حول تورط نجل الرئيس في قضايا فساد مع أوكرانيا والصين وكازاخستان، في وقت تقود فيه الإدارة الأمريكية الجهود الدولية لعزل روسيا دوليّاً بعد هجماتها العسكرية ضد أوكرانيا، التي بدأت في 24 فبراير الماضي، والتي لا تزال مستمرة إلى يومنا هذا، وتخوض فيه بدايات السباق الانتخابي بين الحزبَيْن الجمهوري والديمقراطي لانتخابات التجديد النصفي للكونجرس المقرر لها في نوفمبر المقبل.

ارتدادات سياسية

سيكون لعودة الحديث بقوة عن تورط نجل الرئيس الأمريكي في قضايا فساد، بعد أكثر من عام على توليه منصبه رسميّاً، ومع العديد من الأزمات التي تواجهها الإدارة الأمريكية راهناً؛ العديد من التداعيات على الرئيس الأمريكي وحزبه (الديمقراطي) الذي يرغب في الحفاظ على هيمنته الهشة على مجلسي الكونجرس (النواب والشيوخ). وتتمثَّل أبرز تلك التداعيات المحتملة فيما يأتي:

1– تأكيد اتهامات استغلال “هانتر” منصب والده: على الرغم من نفي الإدارة الأمريكية –على لسان المتحدثة باسم البيت الأبيض، أكثر من مرة– استغلال نجل الرئيس وجود والده في البيت الأبيض لتحقيق مكاسب شخصية، ولا سيما بعد تصاعد الحديث حول أن هانتر استغل تولي والده رئاسة الولايات المتحدة لبيع بعض لوحاته بأسعار أولية تصل إلى 500 ألف دولار. وهذا المبلغ مُبالَغ فيه لفنان يبيع أولى لوحاته. وقد أثيرت المخاوف حول أن العديد من الأشخاص الذين يرغبون في التودد للرئيس بايدن سيدفعون هذا المبلغ الكبير مقابل فن ابنه، الذي لا يستحق هذا المبلغ.

ويأتي تقرير صحيفة نيويورك تايمز الأخير ليؤكد تعدد محاولات هانتر بايدن لاستغلال منصب والده منذ كان نائباً للرئيس، وبعد توليه منصب الرئاسة لتحقيق مكاسب شخصية، وأن الضغوط من أجل كشف فساد بايدن ليست بهدف نيل الجمهوريين من الرئيس بايدن، بل لتحقيق العدالة والشفافية التي تنادي بها الإدارة الأمريكية، وكذلك أنها لم تكن مؤامرة روسية أو يمينية لخسارة بايدن الانتخابات الرئاسية في نوفمبر 2020.

2– التأثير على فرص الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي: في الوقت الذي يواجه فيه حزب الرئيس (الحزب الديمقراطي) أزمات متعددة الأوجه للحفاظ على أغلبيته الهشة في مجلسي النواب والشيوخ بالانتخابات التي ستُجرَى في نوفمبر من العام الجاري؛ لتاريخ خسارة حزب الرئيس الأغلبية في الكونجرس خلال أول انتخابات تجديد نصفي للكونجرس، وتراجُع شعبية جو بايدن بين الناخبين الأمريكيين عقب عملية الانسحاب الفوضوية من أفغانستان –وهي الأغلبية التي يصل متوسطها إلى 42%– وارتفاع تكلفة معيشية الأمريكيين عقب العمليات العسكرية الروسية ضد أوكرانيا وما أعقبها من ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي في السوق العالمية، وارتفاع معدلات التضخم إلى مستويات لم تشهدها الولايات المتحدة منذ أربعة عقود.. بالتزامن مع كل ذلك جاء الكشف عن تورط هانتر بايدن في قضايا فساد لتضيف المزيد من الأزمات على كاهل الحزب الديمقراطي، وتقوض فرص الرئيس لتقديم الدعم للعديد من المرشحين الديمقراطيين في انتخابات مجلسي الشيوخ والنواب.

3– تدعيم انتقادات الجمهوريين للحزب الديمقراطي و”بايدن”: يمنح كشف الإعلام مزيداً من المعلومات حول تورط نجل بايدن في قضايا فساد، فرصة للجمهوريين لتوجيه المزيد من الانتقادات للرئيس بايدن وحزبه، بتورط الرئيس في قضايا فساد قام بها ابنه، وأنه مارس –بدعم من الديمقراطيين السابقين في الإدارات الأمريكية– ضغوطاً على وسائل الإعلام الموالية لهم لعدم تناول قضية فساد هانتر، والترويج بأنها مؤامرة روسية للتدخل مجدداً في الانتخابات الرئاسية لعام 2020، بعد تدخلها في انتخابات 2016. ويستغل الجمهوريون تقرير صحيفة نيويورك تايمز لتعزيز انتقاداتهم لسياسة جو بايدن تجاه الأزمة الأوكرانية؛ حيث يرجعون أسباب عدم تبني الرئيس جو بايدن سياسات قاسية تجاه روسيا في حين كانت تُجهز لعملياتها العسكرية على الأراضي الأوكرانية، إلى تضارب المصالح لعائلة بايدن؛ حيث أشار الرئيس السابق دونالد ترامب، إلى تلقي هانتر 3,5 مليون دولار من زوجة عمدة موسكو السابق.

4– إجراء المزيد من التحقيقات الجمهورية ضد إدارة “بايدن”: أعلن عدد من كبار المشرعين الجمهوريين بمجلس الشيوخ، أنهم إذا استعادوا الأغلبية في الكونجرس خلال انتخابات التجديد النصفي المقبلة، فسيُجرُون المزيد من التحقيقات في قضايا فساد نجل الرئيس الأمريكي، بجانب قضايا أخرى، كسياسة الإدارة للتعامل مع الجائحة، وأزمة الهجرة غير الشرعية على حدود الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي يجعل الرئيس بايدن خلال آخر عامين له في البيت الأبيض، عاجزاً عن تمرير أجندته التشريعية، وإنهاء حالة الانقسام الحزبي التي وعد بإنهائها خلال أولى أيامه في البيت الأبيض.

5– تقويض قدرة الولايات المتحدة على مواجهة الفساد: عملت إدارة الرئيس جو بايدن منذ اليوم الأول لها في البيت الأبيض على تصوير نفسها بأنها الإدارة التي لديها أعلى معايير أخلاقية من أي إدارة في التاريخ الأمريكي، ووضعت المبادئ الأخلاقية على أجندتها بعد تغاضي الإدارة السابقة للرئيس دونالد ترامب عنها لمدة أربع سنوات لخدمة مصالحه الشخصية –بحسب تصريحات الديمقراطيين– وأفراد أسرته وتعاملات شركاته. ولكن اتهام نجل الرئيس الأمريكي في قضايا فساد، والانتقادات الجمهورية بتورط الرئيس فيها، من شأنها تقويض الجهود الأمريكية لمكافحة الفساد حول العالم، بل داخل الولايات المتحدة ذاتها.

6– تركيز الإعلام الأمريكي على قضية فساد “بايدن”: اعترضت العديد من وسائل الإعلام الليبرالية، والموالية للحزب الديمقراطي، على تقرير صحيفة نيويورك بوست خلال الانتخابات الرئاسية لعام 2020 عن تورط هانتر بايدن في قضية فساد، بحجة أنه يتضمن بصمات التضليل الروسي، وفقاً لمجموعة من مسؤولي الاستخبارات الأمريكية السابقين. ولكن بعد نشْر تقرير صحيفة نيويورك تايمز وحالة الجدل داخل الولايات المتحدة حول ما كشفه من معلومات أكدتها ما نشرته صحيفة نيويورك بوست، فإن الإعلام الأمريكي بعد وصفه بعدم المهنية، سيزيد من تغطيته لما سيتم الكشف عنه من معلومات حول فساد نجل الرئيس بايدن، ومدى ارتباط الرئيس الأمريكي بها، وخصوصاً أنها ستكون قضية انتخابية بامتياز خلال انتخابات التجديد النصفي للكونجرس.

7– الكشف عن تسييس وسائل التواصل الاجتماعي: حظرت كبرى شركات التكنولوجيا التي تمتلك منصات التواصل الاجتماعي، تداول تقرير نيويورك بوست عن فساد نجل الرئيس قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية اعتماداً على رسالة لـ51 مسؤولاً استخباراتيّاً؛ حتى لا يتم التأثير على نتائج الانتخابات الرئاسية لعام 2020 كما حدث في انتخابات عام 2016 فيخسر المرشح الديمقراطي لصالح فوز الجمهوري الذي تفضِّله روسيا. وبعد تقرير نيويورك تايمز الذي أكد ما نُشر في أكتوبر 2020، بدأ الحديث بقوة داخل الأوساط الأمريكية عن تسييس وسائل الإعلام الأمريكية، وعدم مهنيتها، وهو الأمر الذي قد يدفع نحو المزيد من القيود على عمل شبكات التواصل الاجتماعي وتسييسها، ومنعها حرية تداول المعلومات والتعبير عن الرأي التي ينص عليها الدستور الأمريكي.

8– عودة الحديث عن الدولة العميقة الأمريكية: أعاد كشف صحيفة نيويورك تايمز عن فساد هانتر بايدن، الحديث عن الدولة العميقة داخل الولايات المتحدة التي توصف بأنها دولة المؤسسات، ومدى تأثيرها في العملية السياسية الأمريكية؛ حيث تمت الإشارة إلى دور الـ51 مسؤولاً السابقين في الاستخبارات الأمريكية الذين شككوا في تقرير صحيفة نيويورك بوست قبل الانتخابات الرئاسية السابقة؛ لتوقع أنه محاولة من محاولات التدخل الروسي في تلك الانتخابات. وقد ساهم كل هذا في عودة الحديث عن دور الدولة العميقة الأمريكية مجدداً في تقويض نزاهة الانتخابات الرئاسية الأمريكية، ووصول رئيس متهم هو وابنه في قضايا فساد وفقاً للعديد من كبار الحزب الجمهوري، وأنها كانت تقف وراء عدم قيام ترامب بإنجازات كبرى خلال سنوات حكمه الأربعة، ناهيك عن عملها ضد مصلحة الأمريكيين؛ لمعارضتها وصول ترامب إلى السلطة. ويُشار إلى أنه على الرغم من أن المسؤولين الاستخباراتيين السابقين عملوا في إدارات جمهورية وديمقراطية سابقة، فإن أغلبيتهم كانوا من الديمقراطيين.

صعود ترامب

وختاماً، فإن تأكيد تقرير صحيفة نيويورك تايمز ما جاء في تقرير صحيفة نيويورك بوست في 14 أكتوبر 2020 قبل موعد الانتخابات الأمريكية لعام 2020، والضغوط المتعددة لمنع تركيز وسائل الإعلام عليه حتى لا يؤثر على فرص فوز المرشح الديمقراطي (جو بايدن) عند ذهاب الناخبين لاختيار رئيسهم الجديد في نوفمبر 2020؛ سيكون له تأثير على شعبية الرئيس جو بايدن المتراجعة.. وليس ذلك فقط، بل سيؤثر على حزبه الديمقراطي الذي يسعى إلى تجنب خسارة أغلبيته الهشة في مجلسي الكونجرس (الشيوخ والنواب) في وقت يواجهان فيه العديد من التحديات والأزمات الداخلية، فضلاً عن امتداد هذا التأثير إلى عمل المؤسسات الأمريكية، ودورها في مكافحة الفساد داخل الولايات المتحدة، والجهود الأمريكية الدولية لمكافحة الفساد عالميّاً، وكذلك إلى مدى ثقة الناخبين بالنخبة الأمريكية ورجال الاستخبارات السابقين بعد تخليهم عن مهنيتهم واستقلاليتهم الحزبية ودورهم في تحقيق المصلحة القومية الأمريكية والحفاظ عليها، لصالح دعم مرشحٍ في الانتخابات الرئاسية الأمريكية ابنُه متهم باستغلال منصب أبيه السياسي في قضايا فساد مع دول أجنبية، وهو ما يعزز قوة القاعدة الانتخابية لدونالد ترامب التي تتحدث عن فساد المؤسسات والنخبة السياسة الأمريكية، فيتعزز دوره في الحياة السياسية الأمريكية، وداخل الحزب الجمهوري.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d8%ac%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%85%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%b7%d9%8a%d9%8a%d9%86/