تصعيد المواجهة:

أين تقف توسُّعات حلف الناتو في الجوار الروسي؟
تصعيد المواجهة:
20 مايو، 2022

بعد اتخاذ حكومتَي السويد وفنلندا قراراً بالانضمام إلى حلف الناتو، وما استتبعه من ضرورة تقديم أوراق ترشُّحهما رسميّاً للحلف، بات من الواضح أن سياسة الحياد في أوروبا – التي طالما تبنَّتها الدول الساعية إلى الرفاهية – أصبحت على المحك، وأن الظرف التاريخي يُحتِّم عليها أن تكسر دائرة الصمت العسكري بإعلان واضح عن استعدادها للانخراط مع الولايات المتحدة وحلف الناتو في أي معركة محتملة ضد روسيا. وهنا تفرض مجموعة من التساؤلات نفسها على المشهد السياسي في أوروبا ما بعد الأزمة الأوكرانية؛ لعل أهمها توضيح المعايير التي يحدد الناتو على أساسها استراتيجيات توسُّعه والنطاق الجغرافي لهذه التوسعات، ومدى فاعلية هذه الاستراتيجيات في تحقيق أهداف الحلف.

تفسيرات مركزية

تخضع استراتيجيات التوسُّع الجغرافي لحلف الناتو على خلفية الصراع الأوكراني، لعدد من التفسيرات الرئيسية المتمثلة فيما يأتي:

1– الوصول إلى أقصى توسُّع ممكن: هنا تكون معايير توسُّع حلف الناتو جغرافيّاً غير خاضعة لحسابات عسكرية دقيقة، بقدر خضوعها لرغبة الحلف في إيصال رسائل سياسية إلى روسيا أن عمليتها العسكرية ضد أوكرانيا قد حوَّلت حتى الدول المحايدة إلى دول راغبة في الانضمام إلى الحلف، فضلاً عن سعي الحلف إلى كسب مزيد من الأراضي في المنطقة النوردية لاستخدامها عند الضرورة، دون تحديد استخدام معين مسبق لها. ويرتكز أنصار هذا التفسير على منطق مفاده أن ليتوانيا وإستونيا تُعتبَران ملاصقتَين للحدود الغربية الروسية. ومن ثم، فإن غرض التقارب العملياتي عن طريق مشاركة مناطق حدودية مع روسيا مُتحقِّق بالفعل، وهو ما يُعزِّز فرضية توسيع الحلف حدودَه لأقصى مدى دون امتلاك سيناريو واضح.

2– الاستجابة للاحتياجات الأمنية للدول الأوروبية: بعكس التفسير السابق الذي يتناول ظاهرة تمدُّد الحلف من منظور الحلف ذاته، فإن هذا المدخل يقوم على منطق مفاده أن تمدُّد الحلف إنما يأتي استجابةً لطلبات الدول الأوروبية نفسها التي باتت تستشعر خطراً كبيراً بوجود روسيا على حدودها بعد غزو أوكرانيا، سواء كان انضمامها مفيداً على نحو مباشر من الناحية الاستراتيجية عن طريق إمكانية استخدام أراضيها وإمكاناتها العسكرية في العمليات، أو على نحو غير مباشر عن طريق تفادي وقوعها ضحيةً في يد رجل الكرملين.

ويرتكز أنصار هذا التفسير على كون الدول المُطالِبة بالانضمام (وخاصةً في الحالتَين الفنلندية والسويدية) تعتبر دولاً ديمقراطية رصينة، تسعى فيها الحكومات إلى أن تعكس رغبات المواطنين، وتحرص على إخضاع مثل هذه القرارات لمجالسها النيابية، وهو ما يؤكد أن هذه القرارات نابعة من احتياجات أمنية حقيقية لهذه الدول، وليست محاولة من النخبة الحاكمة لكسب نفوذ غير مُبرَّر. هذا وتجدر الإشارة إلى أنه في كل من الحالتَين السويدية والفنلندية، يجب على الحكومة إخضاع قرار الانضمام للمراجعة البرلمانية؛ ففي حالة السويد لا يتطلب الأمر الحصول على موافقة صريحة من البرلمان قبل تقديم ملف العضوية رسميّاً، وإن كان يجب إخضاعه لمناقشات داخل اللجان المعنية. أما في الحالة الفنلندية فيجب الحصول على موافقة البرلمان صراحةً حتى يتسنَّى إكمال إجراءات طلب الانضمام (وقد صوَّت يوم 17 مايو الجاري 188 عضواً من أصل 200 بالبرلمان الفنلندي لصالح الانضمام إلى عضوية الحلف).

3– تعزيز قدرات وإمكانات الحلف: يقوم هذا التفسير على منطق مختلف قوامه أنه في مقابل احتياج بعض الدول إلى تعزيز قدراتها الأمنية في ظل ضعف قوتها العسكرية بسبب تبنيها سياسة حياد طويلة الأجل؛ فإن حلف “الناتو” يبارك ويُشجِّع انضمامها؛ لاحتياجه إليها من الناحية الفنية العملياتية البحتة. وبالنسبة إلى الحالتَين الفنلندية والسويدية، يبرر أنصار هذا التفسير منطقهم برغبة الحلف في توسيع نطاق خط المواجهة المباشِرة مع روسيا؛ نظراً إلى قصر طول الحدود الليتوانية–الروسية والإستونية–الروسية؛ ما يُصعِّب مهمة الحلف في حشد فرق مدرعة كبيرة العدد على خط المواجهة المباشِرة حال حدوثها؛ لذلك فإن انضمام فنلندا يضيف نحو 800 ميل من الحدود البرية إلى أراضي الناتو، وهو ما يعتبر ضِعف المسافة الحدودية التي يمتلكها حاليّاً.

يُضَاف إلى ما تقدَّم، رغبة الحلف في إحكام السيطرة على بحر البلطيق من كافة الاتجاهات – الذي يعتبر منفذاً بحريّاً محدوداً لروسيا مع البحر الأسود – حيث يُشكِّل انضمام كل من فنلندا والسويد إحكاماً للخناق المفروض على روسيا ليصبح البحر محاطاً بأعضاء الحلف من كافة الاتجاهات. أما بالنسبة إلى السويد، فبجانب أهميتها الاستراتيجية في إحكام السيطرة على البلطيق، فإن قربها الجغرافي من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا يوفر فرصاً كبيرة لانتقال الوحدات البرية والمدرعة حتى القوات الجوية بسرعة أكبر إلى خط المواجهة في فنلندا دون عوائق تُذكَر.

معضلات التوسع

ربما يتطلب تقييم مدى نجاح استراتيجية توسع حلف الناتو إلقاء الضوء على أهداف هذا التوسع، والنظر في الإشكاليات التي تواجه كل هدف. وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى ما يأتي:

1– إشكالية الشعور بالأمن: يعتبر زيادة الشعور بالأمن من أهم أهداف الدول الأوروبية من وراء سعيها للانضمام إلى الناتو، إلا أن النظرة المتعمقة على المشهد السياسي الداخلي في الدول المنضمة حديثاً – أو الساعية للانضمام – إلى الحلف يؤكد أن هذا الشعور لا يزال بعيد المنال؛ فتحالف اليسار في فنلندا – أحد أحزاب التحالف الحاكم – قد أعلن صراحةً معارضته انضمام فنلندا إلى الحلف، على اعتبار أن هذه الخطوة ستُحوِّل الحدود الشرقية لها إلى بؤرة تركيز روسي مستمر، ومن ثم ستصبح عقيدة التأهب العسكري عقيدة دائمة في السياسة الخارجية لفنلندا، بما يترتب على ذلك من شعور مستمر بعدم الأمن وزيادة مخصصات الإنفاق العسكري على حساب الرفاهية الاقتصادية.

2– كوابح تعزيز قدرات الناتو القتالية: إن كان انضمام دول أخرى إلى الحلف يُشكِّل – بالحسابات الرقمية – تعزيزاً لقدراته الهجومية والدفاعية، سواء من الناحية الاستراتيجية أو حتى من ناحية زيادة ميزانيته، فإن التعزيز الفعلي لهذه القدرات يخضع لشرط أساسي هو توافق دول الحلف على التوسعات الجديدة وتوظيفها جماعيّاً لتحقيق طفرة عملياتية فعلية.

وفي حقيقة الأمر، فإن إعلان الرئيس التركي “أردوغان” معارضة أنقرة لطلب انضمام فنلندا والسويد إلى الحلف نتيجة عدم تجريمهما الحركات الكردية المسلحة في تركيا؛ يضع هذا التوافق التام موضع التساؤل؛ فتركيا قوة فاعلة كبيرة في حلف الناتو بمشاركتها بأكبر عدد من القوات البرية، فضلاً عن تأثيرها الكبير داخل الحلف الذي تستخدمه لمساومة الولايات المتحدة في مختلف القضايا الخلافية بينهما. من هنا فإن تعزيز القدرات العسكرية للحلف بانضمام فنلندا والسويد سيكون مرهوناً بمدى قدرتهما على التوصل إلى تفاهمات ومواءمات سياسية مع أنقرة سواء بطريقة مباشرة أو عن طريق وساطة أمريكية معتادة.

3– شكوك حول احتواء وردع روسيا: من المعروف أن المُحصِّلة النهائية من وراء توسُّعات الناتو هو احتواء الخطر الروسي، وردع موسكو عن القيام بأي عمل عدائي مستقبلي ضد أي دولة من دول أوروبا. ويعتبر تحقيق هذا الهدف غير واضح المعالم في الوقت الراهن؛ نظراً إلى استمرار العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، وصمود نظام بوتين حتى الآن في مواجهة العقوبات الاقتصادية الغربية الصارمة، فضلاً عن عدم إعلان الحلف عن عقيدة ردع استراتيجي واضحة المعالم، وهو ما يصعب بسببه قياس الخطوط الحمراء التي يمكن قياس النجاح على أساسها.

في المقابل، فإن بعض المحللين يذهبون إلى رجاحة سياسة “الغموض الاستراتيجي Strategic Ambiguity” نظراً إلى إتاحتها كافَّة الخيارات أمام الحلف، بدلاً من التقيُّد بعقيدة واضحة قد تستغلُّها روسيا للمُراوَغة والتأويل. ومن ثم، يكون الحلف قد حقَّق أهدافه جزئيّاً من جرَّاء هذه التوسُّعات التي من شأنها أن تُدخِل الكرملين في دائرةٍ أكثر تعقيداً من محاولات تفسير أهداف حلف الناتو وآليَّاته المستخدمة لتحقيق هذه الأهداف.

خلاصة القول أنه في ظل التفسيرات المتباينة والتقديرات المُعقَّدة بشأن توسُّعات حلف الناتو الأخيرة، يبدو أن الإجابة عن التساؤل المثار بشأن حدود توقُّف توسُّعات الحلف ستكون مرهونة في الأساس بمتابعة رد الفعل الروسي على التوسُّعات الحاليَّة من جانب؛ وذلك لقياس مدى نجاح هذه التوسعات في تحقيق الأهداف المُشار إليها، وكذا متابعة سياسة الحلف في قبول طلبات العضوية الحالية والمستقبلية من جانب آخر – تسعى كل من البوسنة وجورجيا للانضمام إلى الحلف – علاوة على تمكُّن الحلف من صياغة إطار متماسك ومُوحَّد بين أعضائه الحاليين بشأن الموقف من طلبات العضوية الجديدة، وخاصةً في ظل اعتراض دولة مثل تركيا على انضمام السويد وفنلندا إلى الحلف.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%aa%d8%b5%d8%b9%d9%8a%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%a7%d8%ac%d9%87%d8%a9/