تصعيد مزدوج:

ما هي سيناريوهات التوترات الأمريكية الصينية حول تايوان؟
تصعيد مزدوج:
8 نوفمبر، 2021

تتصاعد الخلافات بين الصين والولايات المتحدة في إطار ما يصفه البعض بـ”الحرب الباردة” بينهما؛ حيث ترغب كل قوة في إثبات قدراتها سواء العسكرية أو الاقتصادية، كما تسعى واشنطن من جانبٍ إلى الدفاع عن قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتخشى هيمنة نموذج الحكم الصيني على النظام العالمي، فضلاً عن تقويض صعود الصين، وتأمين منطقة بحر الصين الجنوبي، والحفاظ على صورة الولايات المتحدة لدى حلفائها الآسيويين، وتغيير دفة اهتمامات الولايات المتحدة من الشرق الأوسط إلى المحيطين الهادئ والهندي، والحفاظ على واردات الولايات المتحدة من أشباه المواصلات.

وفي ظل تلك المنافسة بينهما، تبرز قضية تايوان التي باتت محل خلاف بين الدولتين خلال السنوات الأخيرة؛ حيث تكثر التهديدات والوعود حولها. وفي هذا الإطار، انقسمت الآراء حول احتمالية حدوث مواجهة عسكرية مباشرة بين الصين وواشنطن للدفاع عن تايوان؛ فقد رجح البعض المواجهة بين الطرفين، في حين رأى آخرون صعوبة أن تدفع واشنطن بنفسها لتكرار تجربة شبيهة بالتجربة الأفغانية.

مؤشرات التوتر

شهدت الفترة الأخيرة حالة من التصعيد الأمريكي–الصيني المتبادل حول تايوان واستقلالها عن بكين، وتتمثل أبرز ملامح هذا التصعيد فيما يلي:

1– تهديدات شديدة اللهجة بين بكين وواشنطن: قالت الحكومة التايوانية، يوم الأحد 7 نوفمبر 2021، إن الصين أرسلت 16 طائرة داخل منطقة الدفاع الجوي للبلاد، مسجلة بذلك رقماً قياسياً جديداً منذ الموجة الأخيرة من طَلَعات الطائرات الحربية اليومية في أوائل أكتوبر الماضي. وتابعت الوزارة أن سلاح الجو التايواني أصدر تحذيرات عبر الراديو، وتم تفعيل أنظمة الدفاع الجوي الصاروخية لمراقبة تحركات الطائرات.

وقد شهدت الأشهر الماضية توجيه كل من الولايات المتحدة والصين، انتقادات شديدة اللهجة إلى الأخرى، وصلت إلى حد التهديدات؛ حيث أعلنت واشنطن عن استعدادها للدفاع عن تايوان عسكريّاً إذا تعرضت لغزو عسكري من بكين. بينما شدَّدت الأخيرة على أنه لا مساس بسياسة “الصين الواحدة”، مشيرةً إلى أن تايبيه جزء من أراضيها لا يجب المساس به. وعلى إثر ذلك، سيَّرت طائرات عسكرية اخترقت المجال الجوي التايواني خلال الأشهر الماضية.

2– غموض الاستراتيجية الأمريكية تجاه تايوان: عند النظر إلى التصريحات الرسمية للولايات المتحدة، يمكن القول إن هناك “غموضاً استراتيجياً” يخلق حالة من الضبابية حول رد الفعل الذي قد تتخذه واشنطن تجاه بكين إذا اعتدت على تايوان؛ فبالرغم من أن واشنطن لم تُجزم بإمكانية تدخلها عسكريّاً، وقد أعلنت أن سياستها تجاه تايوان تأتي في إطار قانون العلاقات مع تايوان لعام 1979، الذي توفر الولايات المتحدة بموجبه الأسلحة لتايبيه؛ لإعانتها على الدفاع عن نفسها، والحفاظ على سيادتها؛ فإن الرئيس الأمريكي “جو بايدن” قد أدلى بتصريحات عن استعداد واشنطن للدفاع العسكري عن تايوان، وهو الأمر الذي حاول البيت الأبيض التملص منه لاحقاً بإعلانه عن حفاظ الولايات المتحدة على سياستها الثابتة تجاه بكين، والتزامها بمبدأ “الصين الواحدة”، في محاولة من جانبها لطمأنة الجانب الصيني.

3– رفض بكين تطور العلاقات بين تايبيه وواشنطن: تقدمت تايوان بطلب لتغيير اسم مكتبها التمثيلي بالولايات المتحدة من “مكتب الممثل الاقتصادي والثقافي لتايبيه” إلى “المكتب التمثيلي لتايوان”، وهو أمر إذا تحقق سيزيد توتر العلاقات الأمريكية الصينية، لا سيَّما أن السفارة الصينية في واشنطن قد أعربت عن رفضها الشديد لحدوث تفاعل رسمي بين واشنطن وتايبيه؛ لأنه يُرسل رسالة مفادها “استقلال تايوان”. ومن الجدير بالذكر أنه عقب اجتماع وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر، مع رئيس الوزراء الصيني حينذاك شو أونالاي، في يوليو 1971، تم تقليص الوجود العسكري الأمريكي بجزيرة تايوان، وحلَّت الصين محل تايوان في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، كما تم الاتفاق على تنمية العلاقات الدبلوماسية بين بكين وواشنطن.

أهداف واشنطن

ويمكن القول إن هناك مجموعة من العوامل التي تفسر تزايد الاهتمام الأمريكي بقضية تايوان؛ وذلك على النحو التالي:

1– محاولة أمريكية لتقويض الصعود الصيني: في إطار الحرب التجارية التي تشنها الولايات المتحدة على جمهورية الصين الشعبية، يتم استخدام ورقة تايوان للضغط على بكين. فخلال إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، نشطت حركة عبور السفن الحربية الأمريكية عبر مضيق تايوان، وهو ما وصفته بكين حينها بأنها “محاولة فاشلة لاحتواء الصين”. ومن جهة أخرى، وافق الكونجرس على إعطاء الرئيس “سلطة مشروطة” للجوء إلى القوة العسكرية إذا اعتدت بكين على تايبيه؛ وذلك في إطار سعي الولايات المتحدة إلى تقويض الصعود الصيني وتحدي القوة والنفوذ الأمريكي عالمياً وفي آسيا على وجه الخصوص.

2– تأمين منطقة بحر الصين الجنوبي والشرقي: تسعى الولايات المتحدة إلى زيادة حضورها العسكري في منطقة بحر الصين الجنوبي لتأمين أحد ممرات التجارة العالمية من جهة، وللحفاظ على مكانتها لدى حلفائها في منطقة جنوب شرق آسيا؛ حيث اليابان وكوريا الجنوبية وغيرهما من جهة أخرى. وقد نشطت التدريبات الصينية العسكرية في تلك المنطقة خلال السنوات الأخيرة، كما تم نشر أنظمة صواريخ صينية مختلفة على طول مضيق تايوان؛ الأمر الذي يثير المخاوف العالمية من توسع النفوذ الصيني بالمنطقة، وتحكمها في عبور التجارة العالمية، فضلاً عن زيادة قدرتها على استهداف اليابان والقواعد العسكرية الأمريكية الموجودة بها، وتمكنها من غلق منطقة بحر الصين الشرقي.

3– الحفاظ على صورة الولايات المتحدة بين حلفائها: ساهم الانسحاب الفوضوي الأمريكي من أفغانستان وسقوطها تحت حكم حركة طالبان، في توجيه ضربة لصورة واشنطن في القارة الآسيوية؛ حيث شرعت الدول الحليفة للولايات المتحدة في التفكير في إمكانية تخليها عنهم بسهولة كما حدث في كابول؛ لذلك تسعى واشنطن من خلال دعمها لتايوان إلى تحسين صورتها بين الحلفاء، واستمالتهم تجاهها، لا سيَّما أن بكين تسعى إلى تعزيز علاقتها بالدول الآسيوية وترهيبهم باستخدام الروابط التجارية معهم أحياناً، ومن خلال استعراض قوتها العسكرية التي تفوق قوة مختلف الدول بالمنطقة في أحيان أخرى.

4– تغيير دفة واشنطن إلى المحيطين الهندي والهادئ: أبدت واشنطن رغبتها في تغيير وجهة اهتماماتها من منطقة الشرق الأوسط إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وهو الأمر الذي تجلى مؤخراً في جُملة من التحركات والسياسات، أبرزها “اتفاقية أوكوس” الموقعة مع أستراليا والمملكة المتحدة التي تضمنت تزويد أستراليا بغواصات نووية، فضلاً عن اهتمامها بتعزيز علاقاتها بدول التحالف الأمني الرباعي المتمثلة في الهند واليابان وأستراليا؛ وذلك لتطويق الصين وكوريا الشمالية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وللاستفادة من المنطقة الآسيوية التي تحقق 60% من النمو الاقتصادي العالمي، والتي تساهم في خلق الوظائف في الولايات المتحدة بسبب الصادرات الأمريكية إلى دول تلك المنطقة.

5– الحفاظ على تدفق الواردات من أشباه الموصلات: تهيمن تايوان على صناعة أشباه الموصلات التي تستخدم في الصناعات التكنولوجية؛ لذلك تهتم الولايات المتحدة والصين، في إطار تنافسهما التكنولوجي، لتأمين الحصول على أشباه الموصلات التي تعتبر جزءاً لا يمكن الاستغناء عنه في الصناعات التكنولوجية.

6– سعي واشنطن إلى الاستفادة من الاقتصاد التايواني: إذا نجحت الصين في إخضاع تايوان لسيادتها، فإنها ستنجح في الاستفادة من الناتج المحلي الإجمالي التايواني الذي يصل إلى 600 مليار دولار، كما ستضم بذلك خامس أكبر شريك تجاري لها،بينما لا تمثل تايوان لواشنطن ثقلاً اقتصادياً كبيراً مقارنةً ببكين مثلاً؛ إذ تعد تايوان عاشر أكبر شريك اقتصادي لواشنطن، بشراكة تصل قيمتها إلى 85 مليار دولار.

سيناريوهات محتملة

في ضوء ما سبق، يمكن القول إن هناك عدداً من الاحتمالات المتعلقة بتطور الأوضاع في تايوان يمكن سردها كما يلي:

1استخدام بكين القوة العسكرية ضد تايوان: في عام 2005 صدَّقت الصين على قانون مناهضة الانفصال، الذي يدعم بكين في سعيها لـ”إعادة التوحيد الوطني السلمي”، والذي يجيز لها استخدم أساليب عسكرية خشنة للحفاظ على سيادتها الوطنية من مساعي القوى الانفصالية؛ ما يعني أنها قد تستخدم قوتها العسكرية بموجب هذا القانون، وغيره من القوانين التي صدرت مؤخراً لحماية حدودها المائية والبرية والجوية. وفي هذا الصدد، أعلن قائد القوات الأمريكية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ الأدميرال فيليب ديفيدسون، عن احتمالية الغزو الصيني العسكري لتايوان خلال ست سنوات؛ وذلك لزحزحة واشنطن عن موقعها كـ”أكبر قوة عسكرية في المنطقة”، مشيراً إلى أن هذه الخطوة قد تعزز احتمالية الاشتباك العسكري المباشر بين واشنطن وبكين.

2– سعي الأطراف إلى الحفاظ على الوضع القائم: تلجأ تايوان إلى دعم ثقلها العالمي من خلال تنمية علاقتها بالقوى الكبرى، فمثلاً خلال الأسبوع الماضي، استقبلت تايبيه أول وفد رسمي من البرلمان الأوروبي، وتم الحديث عن تأمين تايوان من التسلل الصيني، كما أبدى الوفد دعمه مساعيَ تايوان في الحصول على استقلالها. ولم يتوقف الأمر عند العلاقات الدبلوماسية؛ إذ تسعى تايوان إلى تعزيز قدراتها العسكرية من خلال رفع مخزونها من الأسلحة؛ فمثلاً في عام 2017، اشترت تايوان أسلحة بقيمة 1.4 مليار دولار من الولايات المتحدة. ومع ذلك، لا يمكن الجزم بقوة تايوان، خاصةً أنها تجابه انقسامات سياسية على الجبهة الداخلية من جهة، كما أن واشنطن سبق أن تخلت عنها دبلوماسيّاً في عام 1979؛ لذلك من غير المتوقع أن تغامر تايوان بحرب مع واشنطن ضد بكين المجاورة لها، التي ترتبط بها بعدد كبير من المصالح؛ لهذا فإن الأفضل لها هو الحفاظ على الوضع كما هو عليه.

3– تجنب واشنطن الصدام العسكري المباشر: بعد الانتقادات الواسعة التي طالت الإدارة الأمريكية عقب انسحابها من أفغانستان، وسوء سياستها في العراق وليبيا، وفي إطار رغبتها في الحفاظ على موقعها العالمي كأكبر اقتصاد عالمي، وأقوى قوة عسكرية؛ لن تسعى واشنطن إلى الاشتباك في حرب تكلفها خسائر مالية وعسكرية فادحة قد تصل قيمتها إلى مليارات الدولارات، لكنها عوضاً عن ذلك ستعتمد على نهج التركيز على بناء الداخل الأمريكي، وتعزيز التعاون مع الحلفاء فيما يتعلق بتحركاتها الخارجية. وما دامت مصالحها الوطنية محمية فمن غير المتوقع أن تحرك واشنطن جيشها للذود عن دولة أخرى. وما يقوض فرص انخراط الولايات المتحدة في حرب ضد الصين، امتلاك الأخيرة قدرات نووية وقدرات عسكرية هائلة، كالصواريخ فوق الصوتية التي تردع واشنطن عن الدخول معها في حرب قد تترتب عليها عواقب وخيمة؛ لذلك من غير المرجح –من وجهة نظر الصين– أن تُقدم واشنطن على الاصطدام بها عبر مضيق تايوان.

وختاماً، يمكن القول إن الصين والولايات المتحدة ستحاولان الحفاظ على أقصى درجة من ضبط النفس عند التعامل مع قضية تايوان، منعاً لحدوث صدام عسكري مباشر بينهما سيكلفهما خسائر كبيرة. وستقتصر الخطوات القائمة على تحريك السفن الأمريكية في مضيق تايوان، أو على تنمية العلاقات مع حلفائها الآسيويين، خاصةً أن إدارة جو بايدن لا تميل إلى استخدام القوة العسكرية خارج الأراضي الأمريكية، وترغب بدرجة أكبر في تطويع الأدوات الدبلوماسية لحماية المصالح الأمريكية. ومع ذلك، لا يمكن الجزم بعدم اشتعال الحرب بين القوتين التي قد تؤدي إلى تغييرات في النظام الدولي الراهن.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%aa%d8%b5%d8%b9%d9%8a%d8%af-%d9%85%d8%b2%d8%af%d9%88%d8%ac/