تصعيد مضاد:

لماذا تنامت هجمات حركة "شباب المجاهدين" في الصومال؟
تصعيد مضاد:
5 ديسمبر، 2022

لا تزال حركة “شباب المجاهدين” حريصة على توسيع نطاق عمليات استهدافها لأماكن حيوية ومنشآت ومدن استراتيجية بالأراضي الصومالية، من خلال شن المزيد من العمليات الإرهابية النوعية؛ ليس فقط ضد القوات العسكرية والأمنية وإنما وجهت عملياتها أيضاً تجاه مؤسسات الدولة، على غرار وزارة التعليم الصومالية وبعض أماكن تمركز مسؤولي الحكومة؛ إذ شهد شهرا أكتوبر ونوفمبر 2022، تصاعداً في هجمات حركة الشباب (ممثل تنظيم القاعدة في شرق أفريقيا) بداخل الصومال، وكان آخرها صباح يوم 28 نوفمبر الجاري؛ إذ هاجم مسلحو الحركة فندق “فيلا روزا” (يرتاده سياسيون ومسؤولون حكوميون وضيوف دول خارجية) بالقرب من القصر الرئاسي في العاصمة الصومالية مقديشو، وهو ما نجم عنه – وفقاً للإحصائيات الأخيرة التي أعلنها المتحدث باسم الشرطة الصومالية “صادق دوديش” – مقتل 8 مدنيين وإصابة عدد من المسؤولين الحكوميين، واستطاعت القوات الأمنية السيطرة على الفندق وإنهاء حصار مسلحي الحركة الذين تحصنوا بالفندق منذ 27 نوفمبر الجاري.

يأتي هذا الهجوم بعد يومين من عملية عسكرية واسعة النطاق شنتها قوات الحكومة الصومالية في وسط البلاد، نجم عنها مقتل 100 من أعضاء حركة الشباب؛ وهذا رداً على العمليات الإرهابية التي شنها مسلحو الحركة خلال الأسابيع القليلة الماضية؛ ففي 25 نوفمبر الجاري، هاجم متشددون من “الشباب” قاعدة عسكرية في منطقة جلجدود بوسط الصومال، وفي 29 أكتوبر الماضي تبنت الحركة الإرهابية هجوماً شنته بسيارتين مفخختين بالقرب من مبنى وزارة التعليم في العاصمة الصومالية مقديشو ونجم عنه مقتل 121 شخصاً وإصابة 333 آخرين، وفي 23 أكتوبر الماضي، استهدف مسلحون فندقاً بمدينة كسمايو الواقعة جنوب الصومال ونجم عنه مقتل أشخاص وإصابة 47 آخرين.

سياقات مُحفزة

إن عمليات التصعيد التي تقوم بها الحركة الإرهابية في الوقت الراهن، خاصة داخل الأراضي الصومالية مع تراجع بسيط في هجماتها الخارجية، ترتبط بمجموعة من الأحداث التي شهدها البلد الأفريقي، سواء على مستوى الحركة أو الحكومة، وهو ما يمكن توضيحه على النحو التالي:

1- استهداف قيادات بارزة بـ”شباب المجاهدين”: يأتي التصعيد الملحوظ في العمليات الإرهابية التي تنفذها الحركة في الوقت الراهن، بعد ضربات عدة تلقتها على يد القوات العسكرية الصومالية خلال أكتوبر الماضي، في إطار استراتيجية الرئيس الصومالي “حسن شيخ محمود” التي أعلن عنها في مايو الماضي لشن “حرب شاملة” ضد الحركة الإرهابية بالتعاون مع رجال القبائل والعشائر المحلية وبعض القوى الخارجية، وهو ما نجم عنه مقتل القيادي “عبد الله نذير” الاسم الثاني في التسلسل القيادي للحركة.

وكان من الأسماء المرشحة لخلافة زعيم الحركة الحالي “أحمد ديري” الملقب بـ”أبو عبيدة”؛ وذلك في 3 أكتوبر الماضي نتيجة غارة جوية في إقليم جوبا الوسطى بجنوب الصومال، وبعدها بيوم قبضت الأجهزة الأمنية الصومالية على “علي عبد الصمد ليبان محمد” مسؤول قاعدة البيانات والمعلومات لـ”شباب المجاهدين” في دائرة وسط الصومال. وفي 8 أكتوبر الماضي، نجحت القوات الصومالية في قتل “محمد نور شري” المسؤول الأول للحركة و13 قيادياً أيضاً في إقليم “شبيلي السفلى” بالقرب من مقديشو.

2- تدشين قنوات إعلامية جديدة لاستهداف الحركة: ركز “شيخ محمود” خلال الأشهر القليلة الماضية على تطوير الأدوات الإعلامية للدولة من أجل التضييق الإعلامي على حركة الشباب التي لا زالت تتمتع بدعم تنظيم القاعدة من جهة، ومراقبة منصات التواصل الاجتماعي التابعة للحركة التي تضم العديد من الحسابات على هذه المواقع للترويج لأنشطتها الإرهابية من جهة أخرى؛ ولذلك أطلقت الحكومة في 24 نوفمبر الجاري قناة تلفزيونية جديدة تسمى SNTV Daljir (التلفزيون الوطني الصومالي)، لمواجهة جميع أنواع التغطيات المتعلقة بالفكر الإرهابي وأعمال التطرف من قبل الجماعة التي تحمل الفكر الأصولي السلفي الجهادي. وتأتي هذه الخطوة أيضاً بعد أسابيع من حظر الحكومة استخدام اسم “الشباب”، ودعت المواطنين للإشارة إلى الجماعة الإرهابية التي لها صلات بتنظيم القاعدة باسم “الخوارج” (المنحرفين عن الحاكم).

3- عودة القوات الأمريكية إلى الأراضي الصومالية: ارتفعت الهجمات الإرهابية لـ”شباب المجاهدين” بالتزامن مع إعلان الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس “جو بايدن” في أواخر مايو الماضي إعادة نشر 500 جندي في الصومال لمساعدة الرئيس الصومالي “شيخ محمود” في إنجاح استراتيجيته للقضاء على هذه الحركة المتشددة، خاصة أن قرار الرئيس الأمريكي السابق “دونالد ترامب” سحب القوات الأمريكية في ديسمبر 2020، ساهم في تغلغل الحركة داخل وخارج البلاد مستغلة الفراغ الأمني الناجم عن انسحاب القوات الأمريكية؛ حيث ارتفع عدد هجمات حركة الشباب من 1771 إلى 2072 في العام التالي لانسحاب واشنطن بزيادة قدرها 17، وفقاً لمركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية. وعليه فإن القيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم)، قالت عقب إعادة قوات واشنطن إلى الصومال: “وجود عسكري أمريكي صغير ومستمر، سيكون بمنزلة إغاثة للصوماليين الذين عانوا من تصاعد الهجمات الإسلامية منذ رحيلهم، لملء الفراغ الأمني ​​الناجم عن قرار الرئيس ترامب”.

دوافع متعددة

هناك جملة من الدوافع وراء تصعيد الحركة هجماتها الإرهابية في الداخل خلال الشهور الأخيرة؛ وذلك كما يلي:

1- تأكيد الحضور وإبراز القدرات النوعية للحركة: تريد حركة “شباب المجاهدين” من خلال تلك الهجمات النوعية المتواصلة إيصال جملة من الرسائل إلى الحكومة الصومالية، أولها إبراز قدرتها التكتيكية على استهداف أبرز الأماكن الحيوية في العاصمة مقديشو بهجمات واسعة النطاق وبطرق متنوعة، سواء باستخدام العبوات الناسفة والسيارات المفخخة، أو الهجمات الانتحارية وصولاً إلى القذائف الصاروخية والقنابل والأسلحة المتطورة. والرسالة الثانية، أن عمليات الحركة لم تعد تركز على استهداف العسكريين والقواعد العسكرية فقط، بل أصبح المدنيون وأعضاء الحكومة والمنشآت الحيوية ضمن أهدافها خلال الفترة المقبلة. أما الرسالة الأخيرة فتوجهها للحكومة وتحديدا لـلرئيس “شيخ محمود” لادعاء أن استراتيجيته المعلنة لم تساهم في تراجع نشاطها ولم تقف حائلاً أمام قدرتها على تنفيذ عمليات على الساحة الداخلية، وداخل أكثر أماكن الإقامة أماناً في مقديشو: فندق “فيلا روزا” بالقرب من القصر الرئاسي.

2- استقطاب أعضاء جدد وتوسيع مناطق النفوذ: يعي قيادات “شباب المجاهدين” أن القيادة الصومالية الحالية عازمة على المضي قدماً في استراتيجية مكافحة الإرهاب، والنهوض بأوضاع البلاد التي تعاني من ظروف اقتصادية ومعيشية سيئة من جراء التأثيرات السلبية للتغيرات المناخية على منطقة القرن الأفريقي بأكملها التي تسببت في ندرة الأمطار وزيادة معدلات الجفاف.

وعليه، فإن الهجمات الإرهابية للحركة، هدفها عرقلة أي محاولة لـ”شيخ محمود” لإصلاح أوضاع البلاد، ومن ثم حشد المزيد من المؤيدين وضمهم للحركة بمنحهم إغراءات مالية مستغلة ظروفهم المعيشية السيئة، خاصة أن منظمة الأمم المتحدة كشفت في وقت سابق أن عائدات حركة الشباب تصل إلى نحو 10 ملايين دولار شهرياً، تتحصل عليها من أعمال غير مشروعة، كتجارة المخدرات وأعمال القرصنة والجريمة المنظمة، وجمع الضرائب، وهذا بدوره سيسهم في توسيع مناطق نفوذ الحركة التي تسيطر على الريف القاحل في الوسط والجنوب، ولا سيما مقاطعة جوبا لاند وسط الصومال.

3- الترويج لتماسك الجبهة الداخلية رغم الخسائر: تريد الحركة الجهادية من عملياتها المتلاحقة القول إن جبهتها الداخلية لم تضعُف رغم مقتل عدد من قياداتها البارزين وخسائرها سواء البشرية أو المادية التي تلقتها على يد القوات الأمنية الصومالية بدعم أمريكي، وأن استمرار عملياتها الإرهابية بشكل أكبر يدل على وجود “هيكل تنظيمي قوي”، لا يواجه أي انقسامات، وسيعمل خلال الفترة المقبلة على رفع نشاط الحركة العملياتي سواء في الداخل أو الخارج، لتأكيد أن “شباب المجاهدين” لا زالت تتمتع بسيطرة ونفوذ وتأثير على الأرض، وأنها التنظيم الأكثر نفوذاً في الصومال بل في منطقة شرق أفريقيا بأكملها.

4- توجيه ضربات مضادة لمصالح القوى الخارجية: تسعى الحركة إلى إيصال رسالة لإدارة “بايدن” مفادها أن عودة القوات الأمريكية إلى البلاد لن يثنيها عن ارتكاب هجمات إرهابية وعمليات نوعية سواء داخل الصومال أو خارجها، وأنها نجحت في شن عمليات إرهابية متنوعة رغم التحالف الذي دعمته واشنطن وتركيا بالطائرات المسيرة منتصف نوفمبر 2022 الذي يضم قوات الجيش الصومالي، وقوات النخبة المدربة من قبل تركيا، بجانب عدد من جنود من بعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية في الصومال (أتميس) وبعض العشائر المحلية. وتشير تلك الهجمات أيضاً إلى توجه الحركة للاستفادة من الصراعات التي تشهدها الساحة الإقليمية في محاولة منها لبث الاضطرابات وعدم الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي تحديداً التي تعد منطقة نفوذ استراتيجي بين عدد من القوى الكبرى كـ(الصين، وروسيا، وأمريكا) وحلفائها أيضاً.

استراتيجية متعددة

خلاصة القول أن الفترة المقبلة ستشهد تصعيداً من قبل حركة “شباب المجاهدين” التي لا زالت تؤمن بأن “أفريقيا هي القارة الأنسب لإقامة حلم الخلافة الإسلامية”، وهو ما سيضع على الحكومة الصومالية عبء توظيف جميع أدواتها السياسية والعسكرية والأمنية وأيضاً الاقتصادية بشكل مناسب يمكنها من إيقاف أي محاولة من قبل هذه الحركة للتمدد والانتشار في مناطق نفوذ جديدة والعمل على تجفيف مصادر تمويلها المتعددة، وهذا سيتطلب أيضاً التعاون مع القوى الإقليمية والدولية المعنية بمواجهة الجماعات الإرهابية وفق استراتيجية فعالة لمكافحة الإرهاب في أفريقيا.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%aa%d8%b5%d8%b9%d9%8a%d8%af-%d9%85%d8%b6%d8%a7%d8%af/