تصفية حسابات:

لماذا يشن الحرس الثوري الإيراني حملة ضد "روحاني"؟
تصفية حسابات:
17 يناير، 2022

بدأ الحرس الثوري الإيراني في شن حملة جديدة ضد الرئيس السابق حسن روحاني، الذي انتهت فترته الرئاسية الثانية، في 3 أغسطس 2021، إلا أنه لا يزال حاضراً داخل دوائر صنع القرار، لا سيما في مجلس خبراء القيادة. ويعود ذلك إلى اعتبارات عديدة، أهمها تصاعد الجدل من جديد حول الجهة المسؤولة عن إسقاط الطائرة الأوكرانية، وتزايد التيار المعارض للوصول إلى صفقة نووية في فيينا، والمعطيات الجديدة التي يمكن أن يفرضها لقاء “روحاني” مع المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي، واستمرار الجدل حول دور الحرس الثوري في تحديد اتجاهات السياسة الخارجية الإيرانية في الخارج، فضلاً عن توجيه رسائل ضمنية إلى الرئيس الحالي إبراهيم رئيسي، بأهمية التوافق مع الحرس في السياسات الداخلية والخارجية.

حملة ممنهجة

فعلى الرغم من أن الساحة الإيرانية لا تزال مهتمة بالذكرى الثانية لمقتل قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، التي حلت في 3 يناير 2022، خاصةً بعد أن حذر عدد من المسؤولين الإيرانيين من “الانتقام” لمقتله، بالتوازي مع نشر موقع تابع للمرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي، على الإنترنت فيديو بالرسوم المتحركة عن عملية لاغتيال الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب أثناء ممارسته رياضة الجولف، في 14 يناير 2022؛ فإنه كان لافتاً أن الحرس الثوري بدأ يشن حملة قوية ضد الرئيس السابق حسن روحاني، ووزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف، وبعض مسؤولي حكومته ومكتبه.

إذ قال قائد القوة الجوفضائية التابعة للحرس أمير علي حاجي زاده، في مقابلة مع صحيفة “كيهان”، في 11 يناير 2022، إن قاسم سليماني وجَّه تحذيرات قوية إلى “روحاني”، خلال اللقاء الذي جمع بين الرئيس السابق وقادة الحرس، قُبَيل بدء فترته الرئاسية الثانية، “من تداعيات تشويه المرشد خامنئي”، مضيفاً أن “سليماني” وجَّه حديثه إلى “روحاني” بقوله: “يجب ألَّا تعتقد أنه يمكنك مواصلة التشويه وأن نلتزم الصمت”، في إشارة إلى حرص “روحاني” في تلك الفترة على الإشارة إلى وجود تباينات في المواقف مع المرشد، لا سيما حول التصريحات التي يُدلي بها الأخير أو قادة الحرس، والتي تقلل من أهمية الاتفاق النووي أو تشير إلى إصرار إيران على مواصلة سياستها في برنامج الصواريخ الباليستية ودعم الوكلاء في المنطقة.

واللافت في هذا السياق، هو أن هذه الحملة تتوازى مع حملة سياسية مماثلة في مجلس الشورى يقودها تيار المحافظين الأصوليين؛ من أجل فتح ملفات قضائية ضد بعض مساعدي “روحاني” وبعض المسؤولين في مكتبه بتهم تتعلق بفساد مالي خلال فترتَيْه الرئاسيتَيْن، من بينهم شقيقه حسين فريدون الذي كان له دور في المفاوضات النووية وفي اللقاءات المباشرة مع المسؤولين الأمريكيين خلال فترة التفاوض في عام 2015، كما اتُهم بارتكاب عمليات “اختلاس” خلال الفترة الرئاسية الثانية لروحاني.

دوافع عديدة

يمكن تفسير هذه الحملة القوية التي يقودها الحرس الثوري ضد الرئيس السابق حسن روحاني وبعض أعضاء حكومته ومكتبه في ضوء اعتبارات عديدة يتمثل أبرزها في:

1- تزايُد الجدل حول ملف الطائرة الأوكرانية: لا يزال الجدل مستمراً حول ملف الطائرة الأوكرانية التي تم إسقاطها، في 8 يناير 2020، بعد قيام إيران بتوجيه ضربات صاروخية ضد قاعدتين عراقيتين توجد بهما قوات أمريكية، رداً على قيام واشنطن بشن ضربة عسكرية أسفرت عن مقتل قاسم سليماني قبل ذلك التاريخ بخمسة أيام. وإلى الآن، لم تتضح الأسباب التي أدت إلى إسقاط الطائرة، إلا أنه لا يمكن فصل ذلك عن حالة التحفز التي كانت عليها إيران في تلك الليلة، لا سيما أنها كانت تتوقع أن تقوم واشنطن بالرد عليها عسكرياً.

وقد بدأت الدول المعنية بالملف –سواء التي تمتلك الطائرة أو التي ينحدر منها المسافرون– تهدد إيران بمقاضاتها دولياً، بسبب التباين حول قيمة التعويضات المالية التي يجب على الأخيرة دفعها إلى أسر الضحايا. لكن اللافت في هذا السياق، هو أن خلافاً وقع بين “روحاني” وقادة الحرس، بعد إسقاط الطائرة، بسبب محاولة “الباسدران” التعتيم على الحدث وعدم الاعتراف بمسؤوليته عنه، وهو ما دفع الرئيس إلى التهديد بالكشف عن ذلك علانيةً؛ ما كان سيشكل أزمة مستحكمة بين الطرفين، وهو ما دفع الحرس في النهاية إلى الاعتراف بإسقاط الطائرة بسبب “خطأ فردي”. ويعني ذلك في المقام الأول أن الحرس يسعى إلى تصفية الحسابات مع “روحاني”، حتى بعد خروجه من الرئاسة.

2- تصاعد تأثير التيار الرافض للصفقة النووية: رغم أن تقارير عديدة تشير إلى أن احتمال الوصول إلى صفقة نووية في فيينا يتزايد، في ظل استمرار الجولة الثامنة وتصريحات المسؤولين المشاركين فيها حول حدوث تقدم فيها؛ فإن ذلك لا ينفي أن ثمة تياراً معارضاً داخل إيران لتلك الصفقة، يقوده الحرس الثوري. ووفقاً لرؤية هذا التيار، فإن الاتفاق أصبح “شراً لا بد منه”، بعد أن فرض على إيران التزامات وعرَّضها لعقوبات أمريكية قوية، بعد الانسحاب الأمريكي منه.

ومن هنا، فإن هذا التيار لا يزال حريصاً على تحميل الرئيس السابق حسن روحاني وفريقه السياسي، مسؤولية إخفاق الرهان على الاتفاق، بل إن ذلك التيار بات يرى أن اغتيال “سليماني” ما كان ليحدث لولا هذه الصفقة، بعد أن تسبب الانسحاب الأمريكي من الاتفاق في تصاعد التوتر بين طهران وواشنطن، ووصل إلى درجة أن قاسم سليماني وجَّه تهديداً مباشراً إلى الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، بقوله في 26 يوليو 2018: “حسابكم معي ومع فيلق القدس، لا مع كل القوات المسلحة الإيرانية، ونحن أقرب إليكم مما تتصورون”، مضيفاً أن “البحر الأحمر لم يعد آمناً للأمريكيين”.

3- قلق الحرس من لقاء “روحاني” و”خامنئي”: أثار اللقاء الذي عُقد بين المرشد الأعلى علي خامنئي، والرئيس السابق حسن روحاني، مؤخراً (لم يتم الكشف عن موعده بالتحديد)، قلقاً واضحاً لدى الحرس الثوري، الذي لم يستبعد بعض قادته أن يكون ذلك مقدمة لإعادة “روحاني” إلى الضوء مجدداً ببعض دوائر صنع القرار، مثل مجلس تشخيص مصلحة النظام. ورغم أن أحد الاتجاهات اعتبرت أن اللقاء كان عادياً، فإن وسائل الإعلام التابعة لتيار المعتدلين أشارت إلى أن اللقاء يمثل رسالة تفيد أنه “لا خلاف بين المرشد والرئيس السابق”.

وهنا، فإن الحرس يرى أن ذلك قد يتعارض مع محاولاته إقصاء كل التيار المؤيد للصفقة النووية من دوائر السلطة. وبالطبع، فإن ذلك لا ينسحب على الحكومة الحالية ولا فريق التفاوض، باعتبار أن الحكومة تشارك في المفاوضات مضطرة؛ حتى لا تتحمل مسؤولية انهيار الاتفاق النووي، بكل ما يمكن أن يرتبه ذلك من عواقب دولية لا تستطيع إيران تحمُّلها في الوقت الحالي.

4- استمرار التحفظات حول الدور الخارجي للحرس: رغم أن وصول إبراهيم رئيسي إلى رئاسة الجمهورية عزَّز التوافق القائم بين الحرس والرئاسة، على نحو كان غائباً خلال فترتَي “روحاني”؛ فإن التحفظات لا تزال قائمة، لا سيما على مستوى الشارع الإيراني، تجاه الدور الخارجي الذي يقوم به “الباسدران”، خاصة أن ذلك يتوازى مع تصاعد حدة الأزمات الداخلية، على غرار انقطاع الكهرباء في شهور الصيف، وجفاف الأنهار، وانخفاض المرتبات. وفي رؤية الجهات الداعمة للاحتجاجات التي اندلعت في إيران على مدى العام الفائت، فإن أحد الأسباب الرئيسية التي أدَّت إلى ذلك يتمثَّل في استنزاف الموارد الإيرانية على دعم الحلفاء الإقليميين، وهي المهمة التي يقوم بها الحرس الثوري.

5- توجيه تحذيرات ضمنية إلى الرئيس “رئيسي”: لا يُقلِّص التوافق الحالي بين الحرس والرئيس، من أهمية توجيه رسائل تحذير غير مباشرة إلى الأخير، من مغبَّة محاولة تبني سياسة أكثر استقلالية عن توجهات الحرس، خاصةً أنه لا يزال في فترته الرئاسية الأولى. وقد كان لافتاً في حديث حاجي زاده إلى “كيهان” أنه أشار إلى أن قاسم سليماني وجَّه سؤالاً إلى “روحاني” مفاده: “هل تريد أن تكرر تجربة أحمدي نجاد؟”، وهي إشارة لها مغزاها، وتتمثل في أن الحرس لا يريد للرئيس أن ينفرد بعملية صنع القرار، ولو على المستوى الداخلي، كما حاول أن يفعل الرئيس الأسبق أحمدي نجاد. وبمعنى آخر، فإن “الباسدران” يريد أن يوجه رسالة إلى رئيسي أن قدرته على تنفيذ برنامجه، واستمراره في منصبه ونجاحه في تجديد ولايته الرئاسية في الانتخابات القادمة؛ كل ذلك مرهون بمساحة التوافق التي سيصل إليها مع الحرس.

اللحظة الأهم

وختاماً، فإن ما سبق في مجمله يشير إلى أن الحرس الثوري الإيراني يسعى إلى تكريس نفوذه على الساحتين: الداخلية والخارجية، بصرف النظر عما إذا نجحت مفاوضات فيينا أو فشلت. وهنا، فإن الحرس يبدو أنه يستعد للحظة الأهم، وهي تحديد شكل وهوية النظام في مرحلة ما بعد المرشد الأعلى للجمهورية؛ حيث لا يرغب في أن تزاحمه أي مؤسسة أخرى في النظام في تحديد اتجاهات النظام خلال المرحلة القادمة، ولو كانت مؤسسة قريبة من توجهاته.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%aa%d8%b5%d9%81%d9%8a%d8%a9-%d8%ad%d8%b3%d8%a7%d8%a8%d8%a7%d8%aa/