تعثر الصناعة:

كيف تزايدت أزمات الاقتصاد الألماني في الآونة الأخيرة؟
تعثر الصناعة:
31 يوليو، 2022

منذ مطلع العام الجاري، تعرض الاقتصاد الألماني لأزمات متلاحقة انعكست بشكل واضح على انخفاض حجم الصادرات والانخفاض الحاد في أسعار الأسهم في بلد هي الأكثر اكتظاظاً بالسكان من بين دول القارة الأوروبية، والأكبر اقتصاداً وهي الدعامة المركزية للاتحاد الأوروبي. وفي الفترة الحالية، يقف الاقتصاد الألماني في مفترق طرق بين ضغوطات الأزمات الجيوسياسية والمناخية والاقتصادية، لتشكل بذلك فترة من أكثر الفترات العاصفة في تاريخ الاقتصاد الألماني منذ توحيد الدولة. وقد أدى الضغط الروسي الأخير على إمدادات الطاقة نتيجة الموقف الأوروبي المُدين للحرب الروسية في أوكرانيا إلى رفع مستوى الاستنفار في جميع أنحاء أوروبا وخاصة في ألمانيا، باعتبارها الأكثر اعتماداً على الغاز الروسي ولارتباطها بمصالح مشتركة مباشرة مع روسيا، أضف إلى ذلك المخاطر التي يحملها انخفاض منسوب نهر الراين للاقتصاد الألماني، وهو ما بات يهدد مستقبل الصناعة الألمانية الرائدة.

مؤشرات الأزمة

يشهد الاقتصاد الألماني أزمة اقتصادية تبدو مؤشراتها جلية من خلال الآتي:

1- اللجوء إلى خفض الإنتاج: بحسب بول سميث Paul Smith الخبير الاقتصادي في إس بي جلوبال S&P Global، فإن الأحداث المتلاحقة في شهر يوليو الجاري دفعت الاقتصاد الألماني إلى الانكماش، وقد انعكس ذلك في شكل تراجع في حجم الإنتاج على نطاق واسع مع تعمق التباطؤ في التصنيع، وتراجع نشاط قطاع الخدمات إلى منطقة الانكماش للمرة الأولى منذ ديسمبر من العام الماضي. هذا وقد تعرضت شركة الكيمياويات العملاقة الألمانية “BASF SE “، التي تعتمد على الغاز الطبيعي في الإنتاج والكهرباء لخسائر تقدر بنحو 30 مليون يورو؛ ما دفعها إلى الإعلان عن أنها قد تضطر إلى خفض الإنتاج في ظل نقص الغاز الروسي.

2- تفاقم المخاوف من الركود وانخفاض الثقة بالأعمال: يزيد النقص المستمر في الغاز من مخاطر ركود وشيك في ألمانيا، قد يدعمه لجوء الدولة إلى تقنين الطاقة، تحت وطأة أزمة الغاز الروسية وارتفاع الأسعار، وهو الأمر الذي تلوح مؤشراته في الأفق مع انخفاض الثقة بالأعمال إلى أدنى مستوى لها منذ عامين؛ فقد أصبحت الشركات في جميع أنحاء ألمانيا أقل تفاؤلاً بشأن وضعها الحالي، كما انخفضت التوقعات للأشهر الستة المقبلة، وفقًا لمؤشر”Ifo Institute” لمناخ الأعمال، خلال شهر يوليو الجاري من 92.2 في يونيو الماضي إلى 88.6، وهو أدنى مستوى له منذ يونيو 2020، وهي نتائج جاءت أسوء مما كان يتوقعه الاقتصاديون من أن ينخفض المؤشر إلى 90.5 فحسب؛ ما يوحي بكون الأزمة تسير في مسار غير متوقع.

3- تقلص الاقتصاد وتراجع التوقعات بشأن النمو: تقلص الاقتصاد الألماني للمرة الأولى هذا العام مع ضغط التضخم على الشركات والأسر؛ حيث انخفض مؤشر مديري المشتريات الصادر عن إس بي جلوبال S&P Global – وهو مؤشر مهتم بقياس نشاط القطاع الخاص – إلى أدنى مستوى منذ 25 شهراً في يوليو الجاري؛ وذلك بمعدل أكبر مما توقعه الاقتصاديون، انخفاضاً إلى ما دون العتبة التي تفصل بين التوسع والانكماش.

فرغم التوقعات الاقتصادية لألمانيا التي بدت جيدة في بداية العام، فإن صندوق النقد الدولي خفض توقعاته بشأن النمو الاقتصادي؛ حيث سينمو وفق التوقعات الجديدة بنسبة 1.2% في عام 2022، بانخفاض عن توقعات 2% في أوائل مايو الماضي؛ أي بفارق شهرين فقط. كما من المتوقع، بحسب تقرير صندوق النقد الدولي، أن يتراجع النمو الاقتصادي في عام 2023 بمعدل أكبر ليصل إلى 0.8%. وفي ظل ذلك، تزيد التحذيرات من قبل النقابات العمالية بمزيد من الإضرابات للضغط من أجل زيادة الأجور، فيما ينتقد تقرير صندوق النقد الدولي نموذج التقشف الألماني ويوصي بمزيد من المرونة المالية لمعالجة الأزمة الاقتصادية.

4- انخفاض قيمة اليورو مقابل الدولار: في 12 يوليو الجاري،هبط اليورو إلى مستويات قياسية مقابل الدولار ووصل إلى معدل 0.999 مقابل الدولار، وهو أدنى مستوى له منذ عام 2002، وهو ما أعقبه تراجع في عوائد السندات الألمانية ذات أجل العامين، التي تعد من الأكثر حساسية تجاه التغيرات في السياسة النقدية، بنحو 18 نقطة أساس إلى 0.50%.

5- زيادة الواردات عن الصادرات للمرة الأولى: في سابقة لم تحدث منذ نحو ثلاثة عقود، استورد البلد ذو الاقتصاد الأكبر في أوروبا أكثر مما يصدر، محطماً بذلك سلسلة الانتصارات منذ إعادة توحيد الدولة بصفته بطل التصدير “Exportweltmeister”، لتكون النتيجة في النهاية أرباحاً مخيبة للآمال على عكس المعتاد؛ إذ ثمة عقيدة مترسخة كانت هي السبب في صعود ألمانيا إلى مصاف النخبة الاقتصادية العالمية، وهي أن يكون البيع أكثر من الشراء، ومن ثم فإن حدوث عكس ذلك ليس بهين على الاقتصاد الألماني الأكثر تفوقاً في أوروبا.

6- تبني إجراءات طارئة لتقنين الطاقة: اتجه المسؤولون في برلين في 23 يوليو الجاري إلى الإعلان عن خطة طارئة في ظل أزمة الغاز الحاضرة عقب تخفيض الشحنات الروسية، وعلى خلفيتها بدأ الملاك والمدارس والبلديات بالفعل في تقنين استخدام الماء الساخن وإغلاق حمامات السباحة وإغلاق مكيفات الهواء وتشغيل الإضاءة الخافتة للشوارع والحث على فوائد الاستحمام البارد. ويتوقع المحللون في هذا الصدد ركوداً وشيكاً قد يضر السلام الاجتماعي ومصالح الشركات الكبرى مع التخوف من أن تتحول بيئة الأعمال في ألمانيا إلى بيئة طاردة للاستثمارات.

تحديان رئيسيان

يقف الاقتصاد الألماني بين شقي رحى تحديين رئيسيين؛ هما: التغيرات المناخية وتداعيات الحرب الروسية في أوكرانيا، ويمكن تناول مخاطرهما على الاقتصاد الألماني من خلال ما يلي:

1- الضغوط الروسية على ألمانيا: تعد ألمانيا من الاقتصادات الأكثر تضرراً من الغزو الروسي لأوكرانيا؛ نظراً إلى اعتمادها الضخم على الكرملين في إمدادات الغاز الطبيعي؛ حيث يقوم الاقتصاد الألماني على عمالقة الصناعات الكيمياوية والسيارات والزجاج والصلب، التي تستهلك كميات هائلة من الوقود؛ إذ تستخدم الصناعات الكيمياوية والصيدلانية وحدها 27% من إمدادات الغاز إلى ألمانيا. ورغم المصالح الألمانية الروسية المباشرة بشأن خط أنابيب نورد ستريم1، فإن ذلك لم يمنع ألمانيا من إدانة الغزو الروسي لأوكرانيا، وهو الأمر الذي دفع روسيا إلى انتهاج عدد من السياسات الضاغطة على أوروبا وألمانيا على وجه الخصوص لثنيها عن موقفها المعارض والمدين للحرب في أوكرانيا.

لقد سعت روسيا في هذا الصدد إلى تخفيض شحنات الغاز في شهر يونيو الماضي حينما عمدت إلى تخفيض كميات شحنات الغاز إلى ألمانيا مرتين، بحجة أن خط أنابيب الغاز لا يمكنه العمل بصورة طبيعية بدون توربين كان يتم إصلاحه في كندا. وبالفعل اتفقت كل من ألمانيا وكندا على إرجاع التوربين إلى روسيا. وفي يوم 25 يوليو 2022، أعلنت شركة “غازبروم” الروسية عن نيتها تخفيض التدفق اليومي للغاز الروسي إلى ألمانيا عبر خط الأنابيب “نورد ستريم 1” الذي يمثل أهم خط إمداد إلى ألمانيا، اعتباراً من الأربعاء 27 يوليو 2022، إلى 20%، بما يعادل 33 مليون متر مكعب من الغاز، انخفاضًا من 40%.

وقد جاء الخفض هذه المرة بحجة إصلاح توربين آخر، في موقف يشير إلى تصعيد روسي جديد بعد تهديدات سابقة من جانب الرئيس الروسي “بوتين” بتقليص عمليات توريد الغاز عبر نورد ستريم1،  وهي الخطوة التي أسفرت عن قفزة في أسعار الغاز الطبيعي الأوروبية بأكثر من 10% في يوم الأربعاء (27 يوليو 2022) الذي حددته شركة غاز بروم للبدء في تقليل تدفقات الغاز إلى ألمانيا عبر خط أنابيب نورد ستريم.

2- انعكاسات انخفاض منسوب نهر الراين على الصناعة الألمانية: على الجانب الآخر، تواجه الصناعة الألمانية مخاطر جمة بفعل انخفاض منسوب مياه نهر الراين المقارب منها، الذي تحتاج إليه كافة السفن المسافرة إلى جنوب غرب ألمانيا المعروف بالصناعة الثقيلة للعبور من خلاله؛ وذلك إلى 0.7 متر فقط، وهو أقل بكثير من 1.2 متر التي تتطلبها معظم السفن النهرية كحد أدنى لها، وهو الأمر الذي يهدد الاقتصاد الألماني من عدة جوانب رئيسية تتمثل فيما يلي:

أ- إعاقة نقل سلع أساسية: يمثل النقل النهري في ألمانيا نحو 6% من إجمالي حجم النقل، غير أنه يلعب دوراً كبيراً في نقل المواد الخام الأساسية؛ حيث يتم من خلاله شحن نحو 30% من الفحم والنفط الخام والغاز الطبيعي، ونحو 20% من مصانع فحم الكوك والمنتجات البترولية. وبحسب تقرير صادر عن معهد كيل للاقتصاد العالمي Kiel Institute for the World Economy في عام 2020، فإن نهر الراين ينقل الغالبية العظمى من تلك البضائع، علاوة على 11% من المواد الكيميائية المستخدمة في الصناعة الألمانية.

وهو الأمر الذي يضع التصنيع الألماني في مأزق؛ وذلك في توقيت يواجه التصنيع الألماني بالفعل نقصاً في تلك السلع الأساسية. ومن المفارقات في ذلك السياق، أنه في الوقت الذي تحاول فيه ألمانيا إيجاد بدائل للطاقة الروسية – وهو ما زاد من الاهتمام الألماني بالفحم كبديل مناسب – بات هو أيضًا من الصعب الوصول إليه.

ب- الإضرار بمصالح ميناء روتردام: بفضل نهر الراين، نما ميناء روتردام Rotterdam على بحر الشمال ليصبح أكبر ميناء في أوروبا، والميناء الأوروبي الوحيد ضمن قائمة أكبر 10 موانئ في العالم، الذي بفضله تم تمكين القوة الصناعية الألمانية والفرنسية والسويسرية والبلجيكية والهولندية خلال القرنين الماضيين من خلال النقل النهري الرخيص على نهر الراين؛ ما ساعد على خفض تكاليف المواد الخام المستوردة. ومن ثم، فإن نقص منسوب النهر يعوق النقل بما يخلق اضطرابات من شأنها انخفاض كبير في النشاط الاقتصادي في ألمانيا في ظل الظروف الراهنة التي تضغط بقوة على الاقتصاد.

ج- زيادة التوقعات بتقلص الإنتاج الصناعي في ألمانيا: من المتوقع في غضون شهر مع انخفاض منسوب المياه على نهر الراين، أن يتقلص الإنتاج الصناعي الألماني بنسبة 1%. ذلك الوضع لاحظته الرابطة الأوروبية للملاحة الداخلية والممرات المائية Association for European Inland Navigation and Waterways في تقرير لها في عام 2021؛ حيث أشارت إلى خطورة مستويات المياه المنخفضة في النهر على ألمانيا؛ ما دفعها إلى التوصية بضرورة اتخاذ تدابير تكيفية، كإعادة تشكيل السفن الحالية، وبناء نماذج جديدة وبناء المزيد من السدود والقناطر.

ركود وشيك

إجمالاً.. تواجه الصناعة الألمانية والإنتاج الصناعي ومستقبل التصنيع في ألمانيا وكذلك موقعها الريادي من بين الدول المصدرة على مستوى العالم، تحديات هائلة؛ فرغم كونها تبدو أكثر استقراراً من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا على الصعيد السياسي، فإن التوترات الاقتصادية تضغط بقوة خلال الوقت الراهن، وليس مستبعداً أن يخلق ذلك حالة من عدم الاستقرار السياسي، في ضوء أزمة غاز مرتقبة في الشتاء المقبل، بفعل تخفيضات إمدادات الغاز الروسي إلى ألمانيا إلى 20%، والمخاوف بشأن احتمالية قطع روسيا إمداداتها نهائياً عن ألمانيا، التي تعتمد في صناعتها على الغاز الطبيعي بمعدل كبير، وهو ما قد يضر بالقوة الاقتصادية لألمانيا وثروتها الهائلة التي انتجتها على مدار عقود. علاوة على انخفاض منسوب نهر الراين الذي يهدد الصناعة الألمانية ويزيد من اليقين بقرب دخول ألمانيا في مرحلة ركود اقتصادي بفعل تعطل الصناعة على صعيد قلة إمدادات الغاز الروسي وانخفاض منسوب النهر الذي يعطل شحنات السلع الأساسية من ألمانيا وإليها.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%aa%d8%b9%d8%ab%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%86%d8%a7%d8%b9%d8%a9/