تفشي العنصرية:

ما أبعاد الأزمات الداخلية في الجيش الكندي؟
تفشي العنصرية:
29 أبريل، 2022

تعاني إدارات القوات المسلحة الكندية من عدد من الأزمات الداخلية، يأتي على رأسها التفشي المتصاعد للعنصرية الممنهجة. وتكمن أبرز مظاهر هذه العنصرية في “صد” المُجنَّدين الجدد من ذوي الخلفيات العرقية المختلفة، وهو ما انعكس على بعض الوظائف وتركها شاغرة على النحو الذي يؤثر بالسلب على الأمن القومي الكندي. وفي هذا السياق، رفعت وزيرة الدفاع الكندية أنيتا أناند، في 25 أبريل الجاري، السرية عن تقرير أعدته لجنة استشارية حكومية مؤلفة من أربعة أعضاء، يحقق في تقصير المؤسسة العسكرية في مكافحة العنصرية؛ وذلك بتوضيح أسباب استمرار تفشي هذه المعضلة، بالإضافة إلى تقديم بعض التوصيات لعلاج هذه الإشكالية.

تقرير كاشف

منذ ديسمبر 2020، وصلت الأزمات الداخلية داخل أروقة الجيش الكندي إلى ذروتها؛ الأمر الذي أدى إلى أزمة ثقة بالصفوف العليا، خاصةً عقب بروز مزاعم عن عنصرية ممنهجة في الجيش الكندي، بل صلات مزعومة بين أفرادٍ في القوات المسلحة من جهة وجماعاتٍ من اليمين المتطرف ودعاة تفوق العرق الأبيض من جهة أخرى.

وبناءً عليه، خضعت الثقافة العسكرية للجيش الكندي لحالة من التدقيق الشديد والمستمر، من قِبل المجموعة الاستشارية المكونة من أعضاء متقاعدين من القوات المسلحة الكندية، للوقوف على أسباب “تسمم” البيئة العسكرية للجيش الكندي. لكن على الرغم من هذا، فإن التداعيات السلبية لهذه البيئة ظلت آخذةً في التصاعد؛ الأمر الذي خلق حالة من أزمة الثقة بين الرُّتب العسكرية؛ لذلك تم استدعاء المجموعة الاستشارية المكونة من أربعة أعضاء للتحقيق وإيضاح أسباب عدم جدوى كافَّة التوصيات السابقة في معالجة الأزمات الداخلية للجيش الكندي، بما في ذلك أزمة “العنصرية”.

وعلى الرغم من حصول وزيرة الدفاع “أنيتا أناند” على تقرير المجموعة الاستشارية منذ أوائل يناير الماضي، فإن توقيت كشفها عن نتائجه، يوم 25 أبريل الجاري، يكشف عن دافعَيْن رئيسيَّيْن؛ أولهما تزايد الأزمات الداخلية في الجيش؛ حيث يأتي الكشف عن نتائج هذا التقرير في وقت تواجه فيه القوات الكندية بالفعل ما أطلق عليه الخبراء مراراً وتكراراً “أزمة” وجودية؛ وذلك من خلال الانتشار الواسع لثقافة تزدهر فيها إساءة استخدام السلطة في كثير من الأحيان دون رادع، بما في ذلك العنصرية ضد السكان الأصليين وذوي الأصول الإفريقية، وكراهية الإسلام ومعاداة السامية، فضلاً عن مزاعم سوء السلوك الجنسي بين الرتب العسكرية.

ويتصل الدافع الثاني بضغوط أمين المظالم؛ إذ كان عدم كشف الوزيرة “أناند” عن نتائج تقرير المجموعة الاستشارية، الذي حصلت عليه منذ أوائل يناير الماضي، موضع استجواب من قبل أمين المظالم في القوات المسلحة جريجوري ليك؛ حيث علَّق المتحدث باسم المكتب أندرو برناردو، على هذا التأخر قائلاً: “لقد طلبنا مراراً، ومنذ أشهر، رؤية تقرير المجموعة الاستشارية من خلال قنوات متعددة قبل إصداره”، فضلاً عن إشارة برناردو إلى دراسة خاصة أعدها المكتب حول جهود المؤسسة العسكرية لزيادة التنوع في صفوفها، من المقرر أن تُصدر نتائجها أوائل مايو المقبل، ووصف نتائجها بأنها “ليست جيدة”.

أزمة ثقة

أقر تقرير المجموعة الاستشارية بمسؤولية المؤسسة العسكرية عن عدم التصرف بناءً على عشرات الدراسات والمراجعات السابقة حول العنصرية في الرتب على مدى العقدَيْن الماضيَيْن. كما أقر التقرير بأن “العنصرية في كندا ليست خللاً في النظام، لا بل إنه النظام نفسه”؛ لذلك قدم التقرير توصيات عبر 13 مجالاً من ثقافة وأنظمة الجيش، وفحص النطاق الكامل للعنصرية والتمييز بما في ذلك الحواجز التي تواجه ذوي الأصول الإفريقية والسكان الأصليين والنساء في الرتب، بالإضافة إلى الحواجز التي تواجه الكنديين ذوي الإعاقة. وأوضح التقرير – الذي يحقق في العنصرية بالجيش الكندي – الأساس المنطقي وراء السعي إلى إصلاح البيئة “السامة” في صميم قدرة الجيش على القيام بالمهام الحاسمة الموكلة إليه.

وفي هذا الصدد، يمكن الإشارة إلى أبرز أبعاد الأزمة الداخلية في الجيش الكندي؛ وذلك من خلال ما يأتي:

1– الإقرار بوجود العنصرية: أشار تقرير المجموعة الاستشارية إلى أن الشعوب الأصلية والأقليات الظاهرة والنساء ممثلات تمثيلاً ناقصاً على نحو ملحوظ في القوات المسلحة الكندية؛ الأمر الذي حذر التقرير من تداعياته لأنه يؤدي إلى الانفصال المتزايد بين تركيبة الجيش الكندي الذي تتكون رتبته أساساً من الرجال أصحاب البشرة البيضاء بنسبة 71%، وبقية سكان البلاد بنسبة 29%.

2– تجاهل تنفيذ التوصيات: أدان التقرير عدم تنفيذ التوصيات السابقة بقوله: “التوصيات التي قُدِّمت على مدار العشرين عاماً الماضية لجعل القوات المسلحة الكندية مكاناً شاملاً خالياً من العنصرية لم يتم تنفيذها بدرجة كافٍ”؛ لذلك خلص التقرير إلى ضرورة تأمين متابعة أفضل لهذه التوصيات، ووضع عملية مراجعة للتوصيات لضمان عدم بقاء أي منها على الرف، كما طالب بإعادة تحديد العلاقة بالسكان الأصليين.

3– تزايد جرائم الكراهية: وجد التقرير أن هناك أزمات أخرى بجانب العنصرية تمكنت من مفاصل الجيش الكندي؛ حيث ذكر أنه “بالإضافة إلى سوء السلوك الجنسي والعنف، فإن جرائم الكراهية والسلوكيات المتطرفة والانتماء إلى مجموعات التفوق الأبيض تتزايد بمعدل يُنذر بالخطر”، وأشار إلى أن أعضاء الجماعات المتطرفة أصبحوا أفضل في إخفاء أنشطتهم وانتماءاتهم؛ وذلك باستخدام التشفير وDarknet على سبيل المثال، في حين أن جهود الجيش للكشف عن جيوب أو أفراد متطرفين “لا تزال منعزلة وغير فعالة إلى حد كبير”، فضلاً عن تزايد عدد المتعصبين من أصحاب البشرة البيضاء والمتطرفين العنيفين الآخرين داخل الجيش الكندي “بمعدل يُنذر بالخطر”؛ وذلك دون وجود جهود كافية من قبل قادة الجيش لمواجهة هذه المشكلات.

4– عزوف المتقدمين للجيش: على الرغم من إشارة واضعي التقرير إلى أنه جرى العمل على تجنيد أفراد من مجتمعات السكان الأصليين في الجيش، فإنه أوضح أيضاً أن هذه الجهود غير كافية إلى حد كبير، مؤكداً أنه “عندما ينضم هؤلاء المجندون من السكان الأصليين إلى القوات المسلحة، لا تنتشر المبادرات الهادفة إلى الحفاظ على ثقافة السكان الأصليين أو دمجها، كما هو معلن في البرامج الصيفية”؛ لذلك حذر التقرير من تزايد ظاهرة “صد” المجندين الجدد نتيجة انتشار العنصرية المنهجية، التي أدت إلى خلق أزمة ثقة لديهم، قائلاً: “لن يهتم المزيد من الكنديين بالانضمام إلى الجيش إلى أن يصلح الجيش قضاياه المترابطة منذ فترة طويلة والمتعلقة بالعنصرية وإساءة استخدام السلطة والتمييز بين الجنسين وسوء السلوك الجنسي”. وكجزء من ذلك، يقول التقرير إن الضباط العسكريين يجب أن يقبلوا باستقالة الأعضاء المتورطين، أو إقالتهم.

ردود فعل غاضبة

على الرغم من النتائج المتوقعة التي أتى بها هذا التقرير، الذي أقر بمشكلات البيئة الداخلية للجيش الكندي، فإن ردود الفعل شهدت تبايناً بين من يطالب بجدية التنفيذ والتطهير، وبين من يعد بتحسين البيئة العسكرية، ويتضح ذلك من خلال ما يأتي:

1– المطالبة بجدية التنفيذ: أشارت ساندرا بيرون عضوة اللجنة الاستشارية، إلى أنه على مدار العشرين عاماً الماضية، تم تنفيذ نحو 258 توصية نابعة من عشرات الاستفسارات لمعالجة التنوع والشمول والاحترام والسلوك المهني في الجيش، ولكن عندما حاولت اللجنة تحديد التقدم المحرز في تنفيذ تلك التوصيات، وجدت أن العديد منها “نُفِّذ تنفيذاً سيئاً، أو وُضِعَ على الرف أو حتى جرى التخلص منه”. واتفق معها أمين المظالم في القوات المسلحة جريجوري ليك، الذي أصر على عدم تكرار الأخطاء نفسها، مطالباً المؤسسة العسكرية بفعل الأشياء بأسلوب مختلف، مهما كانت المبادرات الجديدة التي تم طرحها نتيجة تقرير المجموعة الاستشارية.

2– أولوية التطهير الداخلي: بعض الآراء اعتبرت أن التعامل مع المشكلات داخل الجيش الكندي يستلزم إصلاحاً جذرياً من خلال إقصاء كافة العناصر المسؤولة عن نشر الكراهية. ولعل هذا ما عبر عنه عضو اللجنة الاستشارية إد فيتش، الذي قال إن “القادة العسكريين يظلون غير ملمين بما يكفي من المعلومات عن هذه الجماعات، ومن هم، وأين هم”؛ لذلك طالب بجهود متضافرة “لتطهير هذه المنطقة البغيضة بالكامل”.

وفي السياق ذاته، ذكر رئيس أركان الدفاع الجنرال واين إير، أن التحدي الأكبر هو أنه “بمجرد أن يسلط الضوء على هذه المجموعات، يغيرون أسمائهم ورموزهم، مطالباً باليقظة بقوله: “عندما تصبح مجموعات الكراهية هذه سائدة في مجتمعنا، يجب أن نكون يقظين للغاية، وأن نستمر في تثقيف أنفسنا بشأن ماهية هذه العلامات والرموز”.

3– تعهدات بإصلاح الوضع: علَّقت وزيرة الدفاع الكندية “أناند” على التقرير قائلةً: “الحقيقة هي أن العنصرية المنهجية موجودة في مؤسستنا، ونحن بحاجة إلى استئصالها والقضاء عليها.K وأشارت إلى أنه تم تخصيص ما مجموعه 326.5 مليون دولار كندي (256 مليون دولار أمريكي) في الميزانيتَيْن الفيدراليتَيْن الأخيرتَيْن “لتغيير الثقافة في الجيش”، كما أكدتأناند” أنها مصممة على بذل كل الجهود الضرورية لجعل القوات المسلحة ووزارتها مكاناً شاملاً للجميع، وكذلك وعدت بوضع خطة عمل لتنفيذ توصيات التقرير، قائلةً: “بصفتي وزيرة للدفاع الوطني، فإنني ملتزمة بشدة ببناء المؤسسات التي يتم فيها إشراك الكنديين من جميع الخلفيات، والترحيب بهم”.

محاولات غير مجدية

إجمالاً.. على الرغم من محاولة وزيرة الدفاع الكندية التصدي للأزمات الداخلية للجيش الكندي، بما فيها معضلة العنصرية، فإن من المتوقع أن تظل هذه المحاولات بلا جدوى، نظراً إلى تمكن هذه الأزمات من مفاصل المؤسسة العسكرية، ولأن تغيير الثقافة العسكرية ليس بالأمر الهين، بل يحتاج إلى وقت طويل تجنى ثماره عبر الأجيال، وليس بشكل سريع قصير المدى، بالإضافة إلى أن هذا التقرير لم يأتِ بجديد، ولم يقترح آليات لحل الأزمات، بل اكتفى برصد وإقرار أزمات متفق عليها منذ زمن بعيد؛ لذلك من المتوقع أنه لن يساهم في علاج هذه الأزمات، بل سيزيد عدد التقارير والدراسات التي توثق معاناة الجيش الكندي فقط.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%aa%d9%81%d8%b4%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%86%d8%b5%d8%b1%d9%8a%d8%a9/