تقسيم أدوار:

لماذا تُوجِّه الولايات المتحدة رسائل مزدوجة قبل مفاوضات فيينا؟
تقسيم أدوار:
7 نوفمبر، 2021

لا يبدو أن الجولة السابعة من مفاوضات فيينا التي سوف تُجرى في 29 نوفمبر الحالي، سوف تكون شبيهة بالجولات السابقة أو استكمالًا لها. فالخلافات بين الأطراف المشاركة فيها تراكمت، وبدأت التحذيرات تتوالى من احتمال انهيار المفاوضات بكل ما يفرضه ذلك من عواقب وخيمة على مستقبل الاتفاق النووي. واللافت هنا هو أن الولايات المتحدة الأمريكية بدأت بدورها تؤكد أن انفتاحها على المحادثات وترحيبها بإعلان إيران استئنافها لا يعني في الوقت نفسه أنها ستوافق على الشروط الإيرانية الجديدة، أو أنها سوف تقدم تنازلات كبيرة في المفاوضات.

وفي هذا السياق، أكد عدد من أعضاء الحزب الجمهوري، في رسالة وجهوها إلى الإدارة الأمريكية، ونشرتها صحيفة “واشنطن فري بيكون” في 5 نوفمبر الجاري؛ أن الدبلوماسية الحالية التي تتبعها الإدارة في التعامل مع إيران قد تعرض القوات الأمريكية في المنطقة للخطر، وأن الوصول إلى اتفاق جديد في فيينا يرفع العقوبات الاقتصادية عن إيران سوف تضعف القدرة الأمريكية على محاربة النظام الإيراني الذي يوجه ضربات عسكرية أو يوعز بها ضد القوات الأمريكية.

دوافع واضحة

هذه الرسالة التي بدأ الحزب الجمهوري يوجهها قبيل استئناف المفاوضات يمكن تفسيرها في ضوء اعتبارات عديدة يتمثل أبرزها فيما يلي:

1– ممارسة ضغوط مضادة على النظام الإيراني: لا يمكن استبعاد أن تكون تلك الرسالة انعكاساً لتفاهمات بين الإدارة الأمريكية والجمهوريين، في إطار سياسة تقسيم الأدوار؛ لممارسة ضغوط مقابلة على إيران، ومن ثم دفعها إلى تقليص الشروط التي تتبناها للوصول إلى صفقة جديدة تعزز احتمال استمرار العمل بالاتفاق النووي. وبمعنى آخر، فإن واشنطن ترى أن طهران بدورها حريصة على تصدير رسائل مزدوجة تتراوح بين سعيها إلى استئناف المفاوضات والوصول إلى صفقة وبين حرصها على تطوير برنامجها النووي وتلميحها إلى عدم تعويلها كثيرًا على الاتفاق النووي في الأساس.

2– الرد على التطور المتسارع ع لـ “نووي إيران”: كان لافتاً أن التشدد الذي أبداه أعضاء الحزب الجمهوري، أعقب مباشرة الإعلان الإيراني عن رفع مستوى عمليات تخصيب اليورانيوم؛ إذ قال المتحدث باسم منظمة الطاقة الذرية الإيرانية بهروز كمالوندي، في 4 نوفمبر الجاري، إن إيران أنتجت 25 كيلوجرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وأضاف بعد ذلك بيوم واحد أن كمية اليورانيوم المخصب بنسبة 20% وصلت إلى 210 كيلوجرامات. وهنا، فإن هذه الخطوة أثارت مخاوف عديدة من اقتراب إيران من مرحلة امتلاك القدرة على إنتاج القنبلة النووية، وربما تدفعها إلى الإصرار على تبني سياسة أكثر تشددًا في المفاوضات، وهو ما يحاول الجمهوريون الرد عليه بتأكيد أن الخيارات ليست واسعة أمام الرئيس الأمريكي جو بايدن في التعامل مع هذا التحدي.

3– التوظيف لصالح التجديد النصفي بالكونجرس: يحاول أعضاء الحزب الجمهوري استغلال الضغوط التي تتعرض لها إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن في المرحلة الحالية من أجل تعزيز موقع الحزب قبل انتخابات التجديد النصفي التي سوف تجرى في العام القادم. وفي هذا السياق، يحاول أعضاء الحزب الترويج لكون السياسة التي تبنتها الإدارة الأمريكية في التعامل مع الأزمات الإقليمية والدولية المختلفة –على غرار إدارة عملية الانسحاب العسكري من أفغانستان، والارتباك الواضح في مواجهة إيران– كانت سبباً رئيسياً في إخفاقها. ومن دون شك، فإن ما يزيد أهمية تلك الانتخابات هو أنها تحدد الطرف الأكثر سيطرةً على مجلسي الشيوخ والنواب في العامين الأخيرين من الفترة الرئاسية الأولى للرئيس بايدن، ومن ثم ستكون مقدمة للانتخابات الرئاسية القادمة في عام 2024.

4– توجيه انتقادات ضمنية للاجتماع الرباعي في روما: أثار البيان الصادر عن الاجتماع الرباعي الذي عُقد في روما، على هامش قمة مجموعة العشرين، في 30 أكتوبر الماضي؛ ردود فعل متشددة من جانب أعضاء الحزب الجمهوري، لا سيما بعد أن أشار إلى “التزام الرئيس بايدن الواضح بعودة الولايات المتحدة إلى الامتثال الكامل بالاتفاق النووي مع إيران والبقاء في حالة امتثال كامل، ما دامت إيران تفعل الشيء نفسه.

ويعني ذلك، في رؤيتهم، أن الولايات المتحدة الأمريكية تستجيب للشرط الأصعب الذي تتبناه إيران، وهو البقاء الدائم في الاتفاق، وعدم الانسحاب منه مجدداً، وهو ما ينزع ورقة ضغط مهمة في يد واشنطن، تستطيع التلويح بها باستمرار لدفع طهران إلى الالتزام ببنود أي صفقة محتملة، مع تهديدها بتكرار ما أقدم عليه الرئيس السابق دونالد ترامب في حالة ما إذا وجدت الإدارة الحالية، أو أي إدارة مقبلة، أن هناك تقاعساً أو تعمداً من جانب إيران للالتفاف على بنود الاتفاق أو انتهاكها من جديد.

5– رفض الفصل بين الملف النووي والتدخل الإقليمي: ربما لا ينفصل ذلك عن الجدل المستمر حول مدى أهمية توسيع نطاق المفاوضات القادمة لتشمل التدخلات الإقليمية وبرنامج الصواريخ الباليستية، بجانب الاتفاق النووي؛ إذ يبدو أن إدارة الرئيس بايدن استقرت على أن تركز المفاوضات القادمة على الاتفاق النووي حصراً، باعتبار أن له الأولوية، في رؤيتها، بسبب التطور الكبير في النشاط النووي الإيراني، الذي وصل إلى مرحلة خطيرة، وهو ما لا يتوافق مع رؤية أطراف أخرى ترى أنه لا يمكن الفصل بين الملفات، باعتبار أن إيران سوف تستغل أي صفقة جديدة في تعزيز دورها الإقليمي، وتطوير برنامجها الصاروخي.

وربما يسعى مؤيدو هذا الاتجاه، في الفترة القادمة، إلى الترويج لخطورة عدم تضمين هذه الملفات في المفاوضات، لا سيما أن هناك قيداً مهماً سوف يُرفَع عن إيران في عام 2023، في حالة عدم تغير بنود الاتفاق الحالي، وهو القيد الخاص بتطوير الصواريخ الباليستية، على نحو سوف يدفع طهران إلى اتخاذ خطوات إجرائية أكثر استفزازاً وعلى نحو علني ودون المجازفة بالتعرض لعقوبات أو مواجهة اتهامات بانتهاك الاتفاق؛ إذ “يدعو” الاتفاق الحالي إيران إلى عدم إجراء أي أنشطة خاصة بتطوير برنامج الصواريخ الباليستية القادرة على حمل أسلحة نووية لمدة ثمانية أعوام؛ ما يعني أن هذه المهلة سوف تنتهي بعد عامين تقريباً من الآن. ومن هنا، يمكن تفسير حرص الرسالة على التركيز على الهجمات التي تتعرض لها القوات الأمريكية في المنطقة، لا سيما الهجمات الأخيرة التي وقعت في قاعدة التنف التي تضم قوات التحالف الدولي ضد “داعش” بقيادة أمريكية، والتي أشار مسؤولون أمريكيون إلى أنه استخدمت فيها طائرات من دون طيار إيرانية الصنع.

6– التماهي مع السياسة الإسرائيلية تجاه طهران: ربما يمثل التجاذب الحالي حول الاتفاق النووي ومفاوضات فيينا انعكاساً للضغوط القوية التي تمارسها إسرائيل داخل الولايات المتحدة الأمريكية؛ من أجل دفع الإدارة الأمريكية إلى تبني أجندة أكثر توافقاً مع مصالح وحسابات تل أبيب في مفاوضات فيينا. فرغم التنسيق البارز بين الإدارة وحكومة نفتالي بينيت، حول هذا الملف، فإن الأخيرة ربما ينتابها قلق من المعطيات الاستراتيجية التي يمكن أن تنتهي إليها أي صفقة محتملة في فيينا، والتداعيات التي يمكن أن تفرضها على مصالحها وأمنها القومي.

في كل الأحوال، يمكن القول إن ذلك التجاذب يعكس في مجمله صعوبة المفاوضات القادمة التي سوف تجرى في فيينا، خاصةً أن التصعيد الإيراني على المستوى النووي، بالتوازي مع الضغوط الداخلية والإقليمية التي تتعرض لها الإدارة الأمريكية؛ سوف تفرض خيارات وحرية حركة محدودة، على نحو يضفي مزيداً من الغموض على المسارات المحتملة لتلك المفاوضات.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%aa%d9%82%d8%b3%d9%8a%d9%85-%d8%a3%d8%af%d9%88%d8%a7%d8%b1/