تلاقي الأهداف:

دوافع تعميق الشراكة الأمريكية المغربية في مكافحة الإرهاب
تلاقي الأهداف:
23 ديسمبر، 2021

يمثل التعاون الاستخباراتي بين المغرب وأمريكا في توقيف عدد من الموالين للتنظيمات الإرهابية في البلدين، جزءاً من شراكة بين البلدين في مكافحة الإرهاب، بالصورة التي مكَّنت المغرب من شَغل موقع كبير في الرؤية الأمريكية، من حيث إمكانية اعتمادها عليه في مواجهة التنظيمات الإرهابية بإفريقيا، وتحديداً منطقة الساحل، باعتبار أن المغرب ينخرط في جهود مكافحة الإرهاب عالمياً، من خلال الانضمام إلى التحالف الدولي لمواجهة “داعش”، وتوقيع إطار عمل مع أمريكا للتعاون في مجال التدريب على أمن الحدود وتحقيقات الإرهاب في 2014، بهدف نقل الخبرات إلى دول الساحل، فضلاً عن الانضمام إلى شراكة مكافحة الإرهاب عبر الصحراء (TSCTP)؛ فالمغرب يمكن أن يلعب دوراً كبيراً، في ظل الخبرة الكبيرة بمكافحة الإرهاب، وموقعه المتميز في منطقة الساحل، والنجاحات التي حققها بالتعاون مع أوروبا، إضافة إلى زيادة الانخراط في التنسيق مع دول الساحل. ويحقق التعاون بين أمريكا والمغرب مصالح مشتركة، منها مواجهة النفوذ الروسي عبر شركة “فاجنر”، وتعزيز الشراكة الاستراتيجية بعد توقيع الاتفاقيات الإبراهيمية، ومواجهة النفوذ الجزائري في ضوء الخلافات التاريخية مع المغرب، وحرص المغرب على عدم ارتداد النشاط الإرهابي إلى داخل حدوده، فضلاً عن تحقيق الرؤية الأمريكية في الاعتماد بدرجة أكبر على الشركاء الإقليميين.

وقد أعلنت السلطات المغربية، 14 ديسمبر الجاري، عن اعتقال شاب موالٍ لتنظيم “داعش” الإرهابي، خطط للالتحاق بمعسكرات التنظيم خارج البلاد، قبل أن يقرر الانخراط في مشروع إرهابي داخلها باستخدام عبوات ناسفة. واللافت هو إشارة السلطات الأمنية إلى أن توقيف الشاب جاء تتويجاً لعلاقات التعاون والتنسيق الثنائي الوثيق بين مصالح المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (الاستخبارات المغربية) والمصالح الأمنية والاستخباراتية الأمريكية، في مجال مكافحة التطرف العنيف وتحييد مخاطر الإرهاب على الصعيد الدولي، وهو ما يفتح الحديث عن تأثيرات هذا التعاون على مواجهة الإرهاب في إفريقيا، وتحديداً منطقة الساحل، خاصةً مع اتجاه قوات التحالف الدولي إلى إنشاء مجموعة التركيز الخاصة بإفريقيا التي ستشارك المغرب في رئاستها.

شريك موثوق

لم تكن الواقعة المشار إليه التي تعاونت فيها الأجهزة الأمنية المغربية والاستخبارات الأمريكية، الأولى من نوعها بين الجانبين، لكنها تأتي في سياق التعاون المشترك بين المغرب وأمريكا في مجال مكافحة الإرهاب، سواء بشكل ثنائي، أو في إطار كيانات دولية وإقليمية، وهو التعاون الذي كانت أبرز ملامحه كالتالي:

1– دعم جهود مكافحة الإرهاب في كلا البلدين: تبادل المغرب وأمريكا معلومات تتعلق بنشاط متطرف على أراضيهما. وبخلاف الواقعة المشار إليها في المغرب، نشرت صحف أمريكية، خلال شهر يناير الماضي، تفاصيل تقديم جهاز الاستخبارات المغربي معلومات للجانب الأمريكي في سبتمبر 2020، حول نشاط جندي متطرف كان يخطط لتنفيذ هجوم إرهابي دموي؛ ما أسفر عن القبض عليه لتورطه في أنشطة تابعة لتنظيم “داعش”، بدأت خلال عام 2019. وفي شهر فبراير الماضي، أبدى مكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة الاستخبارات المركزية ترحيباً بالشراكة المتقدمة مع الاستخبارات المغربية. وفي شهر مارس الماضي، أعلنت الأجهزة الأمنية في المغرب تفكيك خلية إرهابية تابعة لتنظيم “داعش” في مدينة وجدة شمال شرق البلاد، في إطار تعاون مثمر بين أجهزة الاستخبارات في المغرب وأمريكا.

2– الانضمام إلى شراكة مكافحة الإرهاب عبر الصحراء (TSCTP): في عام 2005، انضم المغرب إلى أمريكا ودول أخرى، في شراكة مكافحة الإرهاب عبر الصحراء؛ لمساعدة الشركاء في غرب إفريقيا وشمالها، وزيادة قدراتهم الفورية والطويلة الأجل للتصدي للإرهاب والتهديدات، ومنع انتشار التطرف العنيف. ومنذ ذلك الحين، يشارك الجيش المغربي مع نظيره الأمريكي في تدريبات الأسد الإفريقي، إضافة إلى مساهمة المغرب في تعزيز قدرة الجيوش وأجهزة إنفاذ القانون على القيام بعمليات مكافحة الإرهاب.

3– توقيع إطار عمل مع أمريكا في مجال التدريب لمكافحة الإرهاب: في عام 2014، وقَّعت أمريكا والمغرب إطار عمل للتعاون في مجال التدريب من أجل الأمن لتطوير الخبرات المتبادلة في مجالات إدارة الأزمات وأمن الحدود وتحقيقات الإرهاب؛ لتعزيز القدرة الإقليمية على مكافحة الإرهاب. وتهدف الاتفاقية إلى تكوين خبراء مغاربة لتدريب النظراء بأسلوب مشترك في دول منطقة الساحل.

4– المشاركة في التحالف الدولي لمواجهة “داعش”: انضم المغرب إلى التحالف الدولي لمواجهة “داعش” بقيادة أمريكا، الذي تأسس في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما، عقب التوسع الكبير للتنظيم في العراق وسوريا عام 2014. وأخيراً عقب انسحاب القوات القتالية للتحالف من العراق، اتجهت أمريكا إلى التعاون مع إيطاليا لإنشاء مجموعة التركيز الخاصة بإفريقيا داخل التحالف الدولي، بمشاركة المغرب والنيجر في رئاستها مع أمريكا وإيطاليا.

دور متصاعد

بدا أن الولايات المتحدة تهتم بزيادة التعاون مع المغرب خلال السنوات القليلة الماضية، مع تصاعد العمليات الإرهابية في إفريقيا، وتحديداً في منطقة الساحل، وهو ما أشارت إليه وكالة المغرب العربي للأنباء، حينما أشارت إلى لقاء جمع وزير الخارجية الأمريكي السابق مايك بومبيو بالمدير العام للأمن الوطني عبد اللطيف حموشي، خلال زيارته الرسمية إلى المغرب في 2019، فضلاً عن إجراء السفير الأمريكي الأسبق في الرباط ديفيد فيشر، خلال سبتمبر الماضي، مباحثات مع حموشي حول آليات التعاون والتنسيق في مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف في منطقة شمال إفريقيا والساحل. ويؤهل المغرب لدور كبير في مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل، عدد من العوامل، كالتالي:

1– الخبرة الكبيرة بمكافحة الإرهاب: يمتلك المغرب خبرة طويلة بمكافحة التطرف والإرهاب على مدار سنوات طويلة، منذ أحداث 11 سبتمبر 2001؛ إذ تشير بعض التقارير الرسمية إلى تفكيك السلطات الأمنية نحو ألفي خلية إرهابية، والقبض على ما يزيد عن 3 آلاف شخص في قضايا مرتبطة بالإرهاب منذ 2002، كما أن المغرب لم يشهد حوادث إرهابية كبيرة منذ تفجيرات الدار البيضاء عام 2003.

2– الموقع المتميز في منطقة الساحل: يحتل المغرب موقعاً مهماً بالنسبة إلى دول الساحل التي تشهد نشاطاً إرهابياً ملحوظاً خلال السنوات القليلة الماضية، وهو الموقع الذي يُمكِّن المملكة المغربية من دعم جهود تلك الدول في مكافحة الإرهاب، خاصةً مع الحديث عن إمكانية استخدام قوات التحالف قواعد جوية مغربية، على الرغم من عدم إنشاء قاعدة أمريكية في المغرب.

3– تجربة مثمرة في التعاون مع أوروبا: يتخطى الدور المغربي في مكافحة الإرهاب حدود المملكة إلى التبادل المعلوماتي مع عدد من الدول الأوروبية وتحديداً أسبانيا، في إطار تجربة مثمرة، للتعاون وتوقيف عدد من المتورطين في خلايا إرهابية، كما أن هذه الجهود يمكن أن تكون فاعلة على مستوى مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل، في ضوء قواعد البيانات التي يمتلكها المغرب، نظراً إلى انخراط عدد من مواطنيه في التنظيمات المنتشرة بتلك المنطقة.

4– الانخراط في التنسيق مع دول الساحل: يواصل المغرب تقديم الدعم لدول منطقة الساحل في مكافحة التطرف والإرهاب؛ إذ جدد وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، في 3 ديسمبر الجاري، التزام بلاده بمحاربة الجماعات الإرهابية في إفريقيا، خلال اجتماع التحالف الدولي ضد “داعش”، لإطلاق مؤسسة فكرية إفريقية برئاسة مشتركة بين المغرب والنيجر وإيطاليا والولايات المتحدة، معرباً عن مخاوفه بشأن توسع الإرهاب في إفريقيا، بما يستدعي ضرورة مواجهة التهديد المتزايد للإرهاب في القارة.

مصالح مشتركة

ثمة مصالح مشترك بين أمريكا والمغرب من التعاون المشترك في مجال مكافحة الإرهاب في إفريقيا؛ وتتمثل فيما يلي:

1– مواجهة النفوذ الروسي: يُصنف المغرب بأنه شريك استراتيجي لأمريكا، ويمثل تعميق الشراكة بين الجانبين في مجال مكافحة الإرهاب، فرصة لأمريكا لمواجهة النفوذ الروسي المتنامي في إفريقيا بوجه عام، وفي مالي بوجه خاص، بعد المفاوضات مع شركة الأمن الروسية الخاصة “فاجنر” بشأن عملها في مالي خلال الفترة المقبلة، عقب تقليل فرنسا عدد قواتها في عملية “برخان”، وسط تحذيرات أمريكية وأوروبية من هذه الخطوة.

2– زيادة اعتماد أمريكا على الشركاء الإقليميين: يأتي تعميق التعاون بين أمريكا والمغرب، في إطار الاستراتيجية الأمريكية التي ترتكز إلى زيادة الاعتماد على الشركاء الإقليميين، ضمن جهود أمريكا في مكافحة الإرهاب، من دون استبعاد استمرار الانخراط العسكري في بعض المناطق التي تشهد نشاطاً للإرهاب.

3– منع ارتداد النشاط الإرهابي إلى المغرب: يمثل زيادة التعاون بين الجانبين، فرصة مهمة للمغرب في توجيه ضربات استباقية للإرهاب في منطقة الساحل على وجه الخصوص؛ لضمان استمرار تحجيم النشاط المتطرف على أراضيها، ومنع ارتداد هذا النشاط الإرهابي إلى الداخل المغربي، خاصةً مع انخراط عدد من المغاربة في هذه التنظيمات الإرهابية. ومن ثم فإن زيادة نفوذ هذه التنظيمات خلال السنوات المقبلة، سيؤدي إلى تأثير سلبي على المغرب.

4– تعزيز المغرب الشراكة مع أمريكا: يهدف المغرب إلى مزيد من تعزيز الشراكة مع أمريكا خلال الفترة المقبلة، عبر بوابة مكافحة الإرهاب، في ظل التقارب الكبير بين الجانبين، الذي تبلور بدرجة كبيرة خلال العام الماضي، بعد توقيع الاتفاقيات الإبراهيمية مع إسرائيل برعاية الولايات المتحدة، وما أعقبها من اعتراف أمريكا بسيادة المغرب على الصحراء الغربية.

5– مواجهة النفوذ الجزائري: كما تمثل الشراكة والتقارب مع أمريكا فرصة للمغرب في مواجهة النفوذ الجزائري بإفريقيا، في ضوء الخلافات التاريخية بين البلدين، على خلفية النزاع حول الصحراء الغربية، خاصةً أن التقارب مع أمريكا بمنزلة مصدر إزعاج مستمر للجانب الجزائري، وهو ما ظهر خلال عام 2020؛ إذ نقلت تقارير إعلامية وجود حالة غضب وتخوف من احتمالية إنشاء قاعدة أمريكية في المغرب، أو نقل مقر قيادة قوات “أفريكوم” إلى المغرب.

وختاماً، فإن المغرب يمتلك عدداً من المقومات التي تمكنه من لعب دور كبير في مواجهة الإرهاب في إفريقيا، وتحديداً في نطاق منطقة الساحل، في ظل الشراكة والتعاون مع أمريكا خلال السنوات الماضية، ولكن هذه المقومات برزت بدرجة أكبر خلال عام 2019، بعد تصاعد النشاط الإرهابي في إفريقيا ومنطقة الساحل على وجه الخصوص.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%aa%d9%84%d8%a7%d9%82%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%87%d8%af%d8%a7%d9%81/