تمدُّد الخصوم:

ماذا بعد سحب واشنطن النظم الدفاعية من الإقليم؟
تمدُّد الخصوم:
10 أغسطس، 2021

طالب النائب الجمهوري بريان ستيل، في أواخر يوليو 2021، الإدارة الأمريكية بإحاطة الكونجرس بقرار سحب المعدات العسكرية الأمريكية من الشرق الأوسط، الذي كانت وزارة الدفاع قد أعلنت عنه في منتصف يونيو 2021؛ إذ أعلنت عن بدء تخفيض أنظمة الولايات المتحدة الدفاعية الجوية الموجودة في منطقة الشرق الأوسط، بعد أن كانت قد عملت على تعزيزها خلال عامي 2019 و2020.وكشفت المتحدثة باسم وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاجون” جيسيكا ماكنولتي، في بيان لها؛ أن وزير الدفاع لويد أوستن قد “أمر بأن يتم، خلال هذا الصيف، سحب بعض القوات والقدرات من المنطقة”، وأشارت في بيانها إلى أن الأمر يتعلق “بدرجة رئيسية بمعدات الدفاع الجوي”.

وفي هذا الإطار، يمكن استعراض أبرز التداعيات المتوقعة إقليميًّا من جراء قرار البنتاجون تخفيضَ النظم الدفاعية الأمريكية الموجودة في الشرق الأوسط، وسحبَها من المنطقة إلى وجهات لم يُكشَف عنها بعدُ؛ وذلك على النحو التالي:
1–
تقليص الحضور العسكري الأمريكي بالشرق الأوسط: تأتي خطوة البنتاجون بتخفيض أنظمة الولايات المتحدة الدفاعية الجوية الموجودة في الشرق الأوسطـ، في إطار تأكيد استراتيجية واشنطن الراغبة في تقليص الحضور العسكري الأمريكي بالمنطقة، وهي الاستراتيجية التي يبدو أنها متعدية للإدارات وغير مرتبطة بما إذا كان ساكن البيت الأبيض جمهوريًّا أم ديمقراطيًّا؛ ففي أواخر حقبة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، وتحديدًا في 15 نوفمبر 2020؛ أعلن وزير الدفاع بالوكالة آنذاك كريستوفر ميلر، عن استراتيجية بلاده الرامية إلى تسريع سحب القوات الأمريكية من أفغانستان والشرق الأوسط، مؤكدًا أنه قد “حان وقت العودة إلى الوطن”.

وقد كشفت تقارير صحفية أمريكية أن البنتاجون قد سحب بالفعل 8 بطاريات مضادة للصواريخ من كل من العراق والكويت والأردن والسعودية، بالإضافة إلى منظومة “ثاد” المضادة للصواريخ التي كانت واشنطن قد نشرتها في السعودية على خلفية تزايد هجمات الحوثيين على منشآت نفطية وعسكرية سعودية خلال العامين الماضيين.

2– تمدد روسي وشيك لتعويض الانسحاب الأمريكي: جاءت الخطوة الأمريكية الجديدة امتدادًا لتوجه واشنطن المتزايد نحو التفرغ للتهديدات الروسية والصينية، اتساقًا مع وجهة النظر الحالية في البنتاجون، التي ترى أن التهديد الذي تمثله إيران قد تضاءل بقدر كبير، لا سيما في ظل انخراط إدارة الرئيس جو بايدن في إعادة العمل بالاتفاق النووي مع طهران، وإن كان ذلك بشكل معدل ليشمل قضايا وملفات إيرانية أخرى يجري التفاوض بشأنها في فيينا منذ أبريل الماضي.

لكن اللافت –حسب مراقبين– أن النهج الأمريكي الانسحابي المتسرع من منطقة الشرق الأوسط، من شأنه أن يصب –في الأخير– في مصلحة روسيا التي باتت أكثر رغبةً في الانخراط في عدد من الأقاليم الاستراتيجية المهمة حول العالم، لا سيما الشرق الأوسط وشمال القارة الإفريقية، وصولًا إلى منطقة الساحل وإفريقيا جنوب الصحراء.

3– استعاضة إقليمية بأنظمة دفاعية روسية بديلة: من المتوقع أن تزيد خطوة واشنطن بسحب أنظمتها للدفاع الجوي من الشرق الأوسط إلى تسارع خطوات دول إقليمية عدة إلى إبرام صفقات تسليحية ضخمة مع روسيا لحيازة منظومة “إس–400″، في إطار استراتيجيات تلك الدول لموازنة تداعيات الانسحاب الأمريكي، ومجابهة أي انكشاف استراتيجي محتمل لغطائها الجوي، لا سيما في ظل تزايد توظيف الميليشيات المسلحة، الصواريخ والطائرات المسيرة في هجماتها ضد أهداف اقتصادية وعسكرية مؤثرة.

وربما تكون المملكة العربية السعودية الأكثر حرصًا، خلال الفترة القادمة، على شراء منظومة “إس–400” الروسية؛ الأمر الذي يُنظر إليه باعتباره خطوة ذكية لتعزيز القدرات الدفاعية للمملكة، في ظل حالة عدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وتزايد الخلافات بين الرياض وطهران، وتزايد هجمات الحوثيين على المنشآت النفطية والعسكرية السعودية. لكن اهتمام الرياض بحيازة منظومة “إس–400” تُجابهه عقبةٌ مؤثرةٌ إلى حد كبير، تتمثل في رغبة المملكة المُلحِّة في نقل التكنولوجيا الخاصة بالمنظومة لإنتاجها في البلاد، في إطار استراتيجية السعودية الطامحة نحو توطين الصناعات الدفاعية في البلاد، وهو الأمر الذي قد لا ترغب فيه موسكو لاعتبارات عسكرية واقتصادية، وربما سياسية.

4– فتح الباب أمام حضور عسكري صيني عبر إيران: في ظل تسارع وتيرة الانسحاب الأمريكي المتزايد من منطقة الشرق الأوسط، يكون الباب مفتوحًا أمام روسيا.. ليس روسيا فحسب، بل أمام الصين أيضًا التي ربما تكون قد استبقت مشهد التراجع الأمريكي عن الانخراط بكثافة في أزمات المنطقة، بإبرامها اتفاقية غامضة للشراكة الاستراتيجية الشاملة مع إيران لمدة 25 عامًا، وهي الاتفاقية التي تكفل لبكين –حسب تسريبات وتحليلات مراقبين– بناء قواعد عسكرية على الساحل الإيراني المطل على الخليج، بحيث يصبح لها موطئ قدم في المكان الذي تعتبره البحرية الأمريكية بحيرة خاصة بها.

كما تشير بعض التقارير إلى أن الاتفاقية الإيرانية–الصينية احتوت على فقرات تتضمن منح جزر وقواعد عسكرية وجوية للصين مقابل استثمار الصين في جميع القطاعات الاقتصادية والأمنية والعسكرية في إيران، ودفع مبالغ مقدمة لطهران لشراء النفط الخام الإيراني. وكانت الصين قد أسست أول قاعدة بحرية لها خارج البلاد في جيبوتي عام 2017. وتطل تلك القاعدة على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وعلى بعد 10 كيلومترات فقط من مقر القيادة الإفريقية في الجيش الأمريكي، كما أجرى الجيش الصيني، في يوليو 2020، مناورات عسكرية بحرية في خليج عدن؛ حيث أجرت 3 سفن حربية صينية تدريبًا لاختبار قدرتها على التعامل مع التهديدات الأمنية المتعددة وإنجاز المهام العسكرية المتنوعة.

وأخيرًا؛ فإنه على الرغم من تأكيد المتحدثة باسم البنتاجون جيسيكا ماكنولتي، أن “قرار سحب الدفاعات الجوية الأمريكية من الشرق الأوسط قد اتُّخذ بالتنسيق الوثيق مع الدول المضيفة، وبرؤية واضحة للحفاظ على قدرتنا على الوفاء بالتزاماتنا الأمنية”، وتشديدها على أن “هذه التغييرات لن تؤثر على المصالح الوطنية للولايات المتحدة وشراكاتنا الإقليمية”– فإن السياقات الإقليمية والدولية الراهنة تؤشر على تداعيات تبدو سلبية على الأمن الإقليمي، في ظل الجنوح الأمريكي تحت قيادة بايدن نحو التهدئة مع إيران التي نجحت بدورها في توثيق علاقاتها الاستراتيجية بروسيا والصين اللتين يتوقع لهما أن تعملا على ملء الفراغ الأمريكي في المنطقة؛ الأمر الذي يعزز أوراق طهران الإقليمية والدولية لاتباع مزيد من السياسات التوسعية الضارة بدول المنطقة، وخاصةً في الخليج العربي.


https://www.interregional.com/%d8%aa%d9%85%d8%af%d9%91%d9%8f%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%b5%d9%88%d9%85/