تهدئة الخلافات:

ما دلالات جولة ديفيد ساترفيلد في منطقة الشرق الأوسط؟
تهدئة الخلافات:
4 فبراير، 2022

قام المبعوث الأمريكي الخاص إلى منطقة القرن الإفريقي ديفيد ساترفيلد، بجولة شرق أوسطية تستهدف أربع دول بعينها؛ هي: مصر، والإمارات، وتركيا، وإسرائيل، بالإضافة إلى كينيا؛ حيث بدأ “ساترفيلد” جولته خلال الفترة 24 يناير – 4 فبراير 2022، وهو ما يمكن تفسيره بأنه مساع أمريكية حثيثة لتعزيز التفاهم والتنسيق مع الجانب المصري، لا سيما فيما يتعلق بالأزمة السودانية وأزمة سد النهضة، واهتمام أمريكي بالتشاور مع الإمارات التي تضطلع بدور ونفوذ سياسي على الساحة السودانية، ولعبت دوراً سابقاً في دفع الأطراف السودانية إلى التفاوض، ورغبة أمريكية في تحييد الدور التركي، لا سيما بعد تنامي دعمها العسكري لحكومة أبي أحمد في حربها ضد جبهة تيجراي، واهتمام أمريكي بتعزيز الدور الإسرائيلي على الساحة السودانية من خلال دمج إسرائيل في مساعي التسوية الجارية لحل الأزمة الراهنة، بما يساعد تل أبيب في النهاية على تعزيز علاقاتها بالكامل مع السودان.

أجندة جديدة

تولي واشنطن أهمية كبيرة لمنطقة القرن الإفريقي، لا سيما حماية مصالحها الأمنية والجيوسياسية في المنطقة، لكن جهودها الدبلوماسية لم تؤت ثمارها في تحقيق الاستقرار والتوصل إلى تسوية سياسية للعديد من الأزمات التي تمر بها المنطقة، لا سيما على صعيد الأزمتين السودانية والإثيوبية. وفي هذا السياق، جاء إعلان وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكين، في 6 يناير 2022، عن تعيين سفير واشنطن السابق لدى تركيا ديفيد ساترفيلد، مبعوثاً خاصاً إلى منطقة القرن الإفريقي خلفاً للمبعوث السابق جيفري فيلتمان. وتراهن الخارجية الأمريكية على خبرة ساترفيلد الدبلوماسية في تقريب وجهات النظر والتوصل إلى تسوية سياسية، لا سيما بين أطراف النزاع في السودان وإثيوبيا.

ومن ثم جاءت هذه الجولة عقب جولة ساترفيلد السابقة في المنطقة؛ حيث زار السعودية والسودان وإثيوبيا خلال 17–20 يناير 2022، بهدف لقاء تكتل ما يعرف بـ”أصدقاء السودان”، وهو تكتل سياسي يهدف إلى تجاوز الأزمة السودانية عقب استقالة عبد الله حمدوك. وتعكس الجولتان أجندة سياسية جديدة ومختلفة عما قبل؛ حيث يولي ساترفيلد أهمية كبيرة لتأسيس آلية للحوار والتنسيق مع القوى الفاعلة المنخرطة في المنطقة من أجل وضع حلول لأزماتها؛ فبالإضافة إلى الأزمتين السودانية والإثيوبية، تواجه واشنطن تحدي التوصل إلى اتفاق سياسي لحل أزمة سد النهضة بين مصر والسودان من جانب وإثيوبيا من جانب آخر، ناهيك عن أزمة الحدود السودانية–الإثيوبية.

دوافع مختلفة

يبدو أن هناك العديد من الملفات الشائكة الملقاة على عاتق المبعوث الأمريكي الجديد التي يبحث لها عن حلول غير تقليدية عبر التعاون والتنسيق مع الدول الحليفة والصديقة والمؤثرة في منطقة القرن الإفريقي؛ لذلك خص المبعوث الأمريكي دولاً محددة بهذه الزيارة، وهي مصر والإمارات وإسرائيل وتركيا، وهو ما يمكن قراءة دلالاته على النحو التالي:

1– تعزيز التفاهمات مع مصر في ملفَّي السودان وسد النهضة: حيث يدرك المبعوث الأمريكي أهمية وثقل الدور المصري في المنطقة كدولة عربية تتمتع بعلاقات جيدة مع جارتها السودان، بالإضافة إلى التقارب المصري–الصومالي الذي تطور خلال الفترة الأخيرة، والعلاقات المصرية الجيدة مع دول جوار السودان، لا سيما إريتريا. كما يدرك ساترفيلد أن مصر تولي اهتماماً كبيراً بتحقيق الاستقرار في السودان، لا سيما في سياق التعاون والتنسيق المصري–السوداني في المفاوضات مع الجانب الإثيوبي حول سد النهضة. ومع ذلك، يبدو أن أزمة سد النهضة لا تزال الشاغل الرئيس لصانع القرار المصري وتفرض نفسها على غيرها من الملفات.

لذلك ناقش ساترفيلد مع وزير الخارجية المصري سامح شكري خلال زيارته إلى مصر أزمة سد النهضة الإثيوبي والأزمة السياسية في السودان؛ حيث تأتي زيارة المبعوث الأمريكي إلى مصر في وقت أصبحت فيه الحاجة إلى استئناف المفاوضات أكثر إلحاحاً بعد أن كشفت إثيوبيا عن خطط لإزالة 17 ألف هكتار من الغابات حول السد قبل الملء الثالث للخزان. ومن المتوقع أيضاً أن يُطرح الموضوع على هامش قمة الاتحاد الإفريقي المقرر عقدها في الفترة من 5 إلى 6 فبراير.

2– التشاور مع الإمارات كدولة عربية ذات نفوذ قوي بالمنطقة: حيث تعد مصر وإسرائيل والإمارات من أهم الدول الشرق أوسطية الحليفة للولايات المتحدة. وتحافظ مصر على علاقات هادئة ومستقرة مع إسرائيل منذ توقيع اتفاقية السلام عام 1979. ويمكن الاستفادة من التعاون والتنسيق مع هذه الدول من أجل إقناع الأطراف المتنافسة في السودان بقبول تسوية سياسية تقترحها واشنطن أو يتم التوصل إليها عبر المبادرات الأممية المطروحة. ومن ثم كانت الإمارات من هذه الدول التي خصها ساترفيلد بزيارته في بداية توليه مهمة المبعوث الخاص للمنطقة.

ويدرك “ساترفيلد” أهمية الدور الإماراتي في تهدئة الأزمة السودانية في ضوء التفاهمات الأمريكية–الإماراتية لتسوية الأزمة، ففي الثامن من يناير الماضي، حثت الإمارات والسعودية والولايات المتحدة وبريطانيا، أطراف العملية السياسية في السودان على اغتنام فرصة الوساطة الأممية لحل الأزمة. وشددت هذه الدول على الالتزام بالوثيقة الدستورية واتفاق جوبا وإنهاء حالة الطوارئ، وشجعت على الحوار البنَّاء بين جميع الأطراف، وحثت على النظر إلى سلامة وأمن الشعب السوداني كأولوية قصوى. وقد حافظت الإمارات على حضور سياسي فاعل لردم هوة الخلافات بين الفرقاء في السودان منذ بداية الفترة الانتقالية، وسعت إلى دفع الأطراف نحو التفاوض، لا سيما الدور الذي لعبته الإمارات بين الحكومة الانتقالية والحركات المسلحة، والتوصل إلى اتفاق سلام أبوجا في أكتوبر عام 2020.

وقد لعبت الإمارات في وقت سابق دوراً محورياً في دعم اتفاق المجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحرية والتغيير على تشكيل هياكل السلطة الانتقالية عام 2019. ولم يتوقف هذا الدور عند حد التوصل إلى تسوية سياسية في البلاد، بل لعبت الإمارات دوراً رئيسياً في دعم السودان اقتصادياً، وقدمت له دعماً ماليّاً، ناهيك عن التنسيق الإماراتي–السعودي مع الجانب الأمريكي والأوروبي والإفريقي الذي كان له أثره في دفع المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير إلى الجلوس للتفاوض.

3– القلق الأمريكي من السياسات التركية لا سيما في إثيوبيا: فبرغم النفوذ الذي تتمتع به الدول الشرق أوسطية الأربع في المنطقة، لكن يبدو أن السياسة التركية حيال الأزمة الإثيوبية لا تزال مصدر قلق لواشنطن، لا سيما علاقاتها بحكومة أبي أحمد؛ حيث تشير تقارير عدة إلى دعم أنقرة الحكومة الإثيوبية في حربها ضد قوات تيجراي عبر تزويدها بطائرات “الدرونز”، وهو ما يتعارض مع الجهود الأمريكية التي تسعى إلى دفع الأطراف للجلوس على طاولة المفاوضات، وخاصةً أن إدارة “بايدن” تتجه إلى فتح قنوات للحوار مع حكومة أبي أحمد بعد أن شهدت العلاقات بين البلدين توتراً كبيراً على خلفية تصاعد الأزمة الإثيوبية عقب إعلان قوات تيجراي بالتحالف مع جيش تحرير الأورومو الزحف لإسقاط الحكومة الإثيوبية.

وتحرص واشنطن على تهدئة الأوضاع بما لا يهدد مصالحها في المنطقة. ولذلك تشير زيارة ساترفيلد إلى تركيا إلى رغبة أمريكية في التوصل إلى تفاهمات أمريكية–تركية حول دفع الطرفين المتصارعين في إثيوبيا إلى التفاوض. ويبدو أن اهتمام ساترفيلد بزيارة تركيا مرتبط بالملف الإثيوبي بشكل خاص أكثر من الملفات الأخرى؛ وذلك لأن النفوذ السياسي التركي على الأطراف المتنازعة في السودان لا يزال محدوداً برغم المحاولات التركية لتعزيز علاقاتها بالمكون العسكري. وفي الصومال، تواجه تركيا تحديات مستقبلية فيما يتعلق بالرئيس الصومالي القادم؛ إذ يبدو أن فرص حليفها الصومالي فارماجو، محدودة للفوز في الانتخابات القادمة. ويبدو أن ساترفيلد يحاول أن يستفيد من خبرته السابقة كسفير أمريكي في تركيا، لا سيما خبرته بتوجهات القيادة السياسية التركية التي تنخرط بقدر متنامٍ في منطقة القرن الإفريقي.

4– دفع جهود السلام القائمة بين إسرائيل والسودان: وذلك بما يساعد على دفع العلاقات بين الجانبين في اتجاه التقارب الكامل وتوقيع اتفاق سلام بينهما. ومن ثم تشير زيارة المبعوث الأمريكي إلى تل أبيب إلى تعزيز دورها من خلال الانخراط في محادثات ومباحثات مع الأطراف السودانية للتوصل إلى تسوية سياسية بما يساعد تل أبيب على تعزيز حضورها في المشهد السوداني. وتعمل تل أبيب بالفعل على تعزيز علاقاتها مع المكون العسكري. وقد شهدت الخرطوم خلال العام الماضي زيارة مكثفة لوفود سياسية وأمنية إسرائيلية لتعزيز العلاقات معها.

وأظهرت إسرائيل موقفاً محايداً تجاه الأزمة السودانية، وخاصةً بعد قرارات 25 أكتوبر 2021 التي اعتبرتها بعض القوى السودانية انقلاباً على الوثيقة الدستورية. وعقب استقالة عبد الله حمدوك، أعربت تل أبيب عن استعدادها للوساطة في الأزمة السودانية، وأعلنت هيئة الإذاعة الإسرائيلية الرسمية بالفعل عن زيارة وفد إسرائيلي إلى الخرطوم لعرض الوساطة الإسرائيلية في حل الأزمة السودانية. وقد سبق أن طلبت ممثلة واشنطن لدى الأمم المتحدة ليندا توماس جرينفيلد، في 17 نوفمبر 2021، من وزير الدفاع الإسرائيلي بيني جانتس “التدخل” في أزمة السودان من أجل العودة إلى “المرحلة الانتقالية”.

صيغ تفاهمات

ويمكن القول إن جولة المبعوث الأمريكي الجديد إلى الدول الشرق أوسطية الأربع: مصر والإمارات وإسرائيل وتركيا، تهدف إلى التنسيق مع قوى إقليمية مؤثرة في منطقة القرن الإفريقي؛ حيث تمتلك هذه الدول أو بعضها أوراقاً للضغط على أطراف النزاع أو أحد طرفيه في الأزمة السودانية أو الإثيوبية، أو أزمة الحدود بين السودان وإثيوبيا، أو أزمة سد النهضة بين أطرافها. وبرغم التحديات التي يواجهها “ساترفيلد”، لا سيما في إقناع تركيا، وخاصةً في ظل التنافس التركي–الأمريكي في إثيوبيا الذي أخذ اتجاهاً متصاعداً خلال الفترة الأخيرة، لكن بوادر التقارب المصري والإماراتي مع تركيا ربما يساهم في نزع فتيل العديد من الأزمات، وربما تلعب تركيا دوراً في دفع إثيوبيا إلى الجلوس على طاولة التفاوض، لا سيما فيما يتعلق بأزمة سد النهضة والأزمة الحدودية بين السودان وإثيوبيا بشرط التوصل إلى صفقات سياسية مرضية.

وختاماً؛ وبالمثل فإنه يمكن للمبعوث الأمريكي الاستفادة من الدورَيْن الإماراتي والإسرائيلي في دفع أطراف الأزمة السودانية للتفاوض. لكن يبدو أن التوصل إلى صيغة تفاهم مع الدول الأربع سوف يتطلب من ساترفيلد طرح صفقات ومقايضات سياسية بين هذه الدول، لا سيما تركيا ومصر، تضمن الخروج برؤية موحدة تجاه الأزمات في المنطقة؛ فبرغم التقارب المصري والإماراتي مع تركيا، لا يزال من السابق لأوانه القول بأن علاقة الأخيرة مع الأولى والثانية قد عادت إلى طبيعتها. ولا تزال العديد من الخلافات في ليبيا وفي شرق المتوسط تلقي بظلالها على السياسة التركية. وفي المقابل، يبرز دور إسرائيلي على الساحة السودانية تحاول واشنطن دفعه والاستفادة منه؛ لذلك من المتوقع أن تحاول واشنطن من خلال مبعوثها الجديد تعزيز التفاهمات مع الدول الأربع عبر صفقات ومقايضات سياسية للوصول إلى تسوية سياسية ممكنة في العديد من الملفات المدرجة على أجندة “ساترفيلد”.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%aa%d9%87%d8%af%d8%a6%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%84%d8%a7%d9%81%d8%a7%d8%aa/