توقعات متباينة:

رؤية مجلس الاستخبارات الوطني الأمريكي لمستقبل العالم 2040
توقعات متباينة:
18 أبريل، 2021

أصدر مجلس الاستخبارات الوطني الأمريكي تقرير “الاتجاهات العالمية لعام 2040.. عالم أكثر تنازعًا” الذي قدَّم رؤية قاتمة للنظام الدولي خلال السنوات المقبلة، مع توقعات بزيادة الانقسامات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتصاعد الاتجاهات السلبية بفعل تفشي جائحة كورونا التي من المتوقع أن تستمر خلال العقدين المقبلين.

وأشار التقرير إلى خمسة سيناريوهات للنظام العالمي بحلول عام 2040، يشير أحدهما إلى قيادة الولايات المتحدة الديمقراطيات الصاعدة، ووجود حالة من الازدهار، فيما يشير الآخر إلى حدوث كارثة بيئية وأزمة نقص غذاء في ظل غياب الولايات المتحدة عن قيادة النظام الدولي، بجانب 3 سيناريوهات أخرى تتراوح بين التعايش التنافسي بين واشنطن وبكين، وبروز عالم فوضوي، والتحول إلى صوامع منفصلة من جراء انهيار العولمة.  

أولًا: الاتجاهات الحاكمة المتوقعة لعالم 2040

1– تنامي عدم اليقين من جراء تفشي كورونا: اعتبر التقرير أن جائحة كورونا هي الحدث الأكثر أهميةً على مستوى العالم منذ الحرب العالمية الثانية، بما أفضى إليه من تداعيات صحية واقتصادية وسياسية وأمنية من المرجح أن تمتد آثارها السلبية لسنوات.

وترجع أهمية الوباء إلى تذكير النظام الدولي بمدى الهشاشة التي تتسم بها افتراضات الدول بالقدرة على التعامل مع الأزمات الطارئة وغير المتوقعة، إضافة إلى إثارته العديد من الشكوك لدى المواطنين حول قدرة الحكومة على التكيف وامتلاك المرونة للتعامل مع المتغيرات المفاجئة؛ الأمر الذي أدى إلى فقدان ثقة الأفراد بـ”الاقتصاد والحوكمة والجغرافيا السياسية والتكنولوجيا”.

فقد أسهمت الجائحة في تأكيد الفجوات الاقتصادية والاجتماعية والانقسامات السياسية الموجودة بين الأفراد في مختلف المجتمعات، وتغذية عدم العدالة الموجودة بالفعل، وساهمت في زيادة اتساع نطاقها والتسريع بظهورها، كما أسهمت في إجهاد الموارد الحكومية، وانخفاض ثقة المواطنين بقدرة مؤسساتهم الحكومية على الاستجابة الفعالة لحالات الطوارئ، فضلًا عن ظهور التمييز في القدرة على الوصول لتلقي الرعاية الصحية.

وربطت الاستخبارات الأمريكية بين تنامي الاستبداد في العديد من الدول واتخاذ القادة الظروف الوبائية التي خلقت حالة من الظروف الاستثنائية، ذريعةً لقمع المعارضة السياسية المحلية. وألقى التقرير الضوء على عدم قدرة الدول على الاستجابة العالمية الموحدة، وكشف نقاط الضعف في المؤسسات الدولية، مثل منظمة الصحة العالمية، والتشكيك في قدرة الدول على العمل الموحد والمشترك لمواجهة التحديات العالمية؛ حيث إن انتشار الفيروس ساهم في زيادة الاستقطاب السياسي بين الدول، ولا سيما في ظل تصارعها لإلقاء اللوم على الدولة المسؤولة عن نشر الفيروس، والتسبب في الاستجابة العالمية البطيئة.

كما ساهم الوباء في تحفيز بعض الاتجاهات الاقتصادية الموجودة سلفًا، مثل تنويع سلاسل التوريد العالمية، وزيادة الديون الوطنية، وتدخل الحكومة في الاقتصاد بدرجة متزايدة. وستساهم هذه الديون، ولا سيما في الدول النامية، في تقويض قدراتها الوطنية على مدار العديد من السنوات المقبلة. ومن جانب آخر، ستتمكن الشركات الصغيرة من النفاذ إلى الأسواق العالمية، وستُقاد الأسواق الكبيرة بواسطة الشركات التي تمارس نفوذًا متزايدًا عبر الإنترنت، وستصبح البيئة التجارية الحاكمة أكثر تجزئةً.

وكان للوباء دور كذلك في تعزيز القومية والاستقطاب، ولا سيما القومية الإقصائية؛ حيث اتجهت الدول إلى إلقاء اللوم على فئات معينة بالتسبب في نشر الفيروس. وتمثلت أحد تداعيات الفيروس كذلك في تعطيل عدد من الاتجاهات الإيجابية، والحد من البناء عليها، مثل التطورات المحرزة للحد من الفقر وتحقيق المساواة بين الجنسين.

2– زيادة التوترات الدولية بسبب التغيرات المناخية: يرتبط التغير المناخي بالعديد من الظواهر التي ستثير العديد من التحديات للدول في المستقبل؛ منها المخاطر الناجمة عن الهجرة الجماعية، ودور الاحتباس الحراري في تقسيم المجتمعات على المستوى المحلي، وانعدام الأمن المائي والغذائي لدى الدول، وخاصةً الدول الفقيرة؛ ما يسهم في تفاقم التوترات والصراعات الدولية.

إذ إن الاحتباس الحراري وارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض، من شأنه أن يسهم في ارتفاع مستويات سطح البحر، وغير ذلك من “الظواهر الجوية المتطرفة” التي ستترك آثارها السلبية على مختلف الدول.

وسينجم عن قضية التغير المناخي زيادة الخلافات بين الدول حول الإجراءات التي يجب أن تُتخذ للحد من انبعاثات الغازات المسؤولة عن الاحتباس الحراري والحفاظ على البيئة.

3– صعود ظاهرة التفكك المجتمعي: توقع التقرير تصاعد ظاهرة التشتت المجتمعي، بما يؤدي إلى تفاقم صعوبات مواجهة التحديات العالمية المستقبلية في ظل حالة التشرذم التي لن تعاني منها المجتمعات المحلية فحسب، بل ستمتد آثارها لتشمل الدول والنظام الدولي بمفهومه الواسع.

وعلى الرغم من زيادة الاتصال والتواصل بين الأفراد والمجتمعات، فإن التواصل المتزايد شكَّل عاملًا للتشرذم من خلال زيادة التوترات داخل وبين المجتمعات نتيجة لانقسام الأفراد حول الأهداف الرئيسية و”التفضيلات السياسية أو الوطنية أو الثقافية”؛ حيث يميل الأفراد إلى الانجذاب إلى أولئك الذين يحملون أفكارهم.

4– اتساع الفجوة بين احتياجات المواطنين والقدرات الحكومية: بناءً على المعطيات الحالية في النظام الدولي، وتزايُد التحديات التي تواجه المجتمعات، ولا سيما في ظل حالة التشرذم؛ يتوقع التقرير أن تتشكل فجوة هائلة بين التحديات الحالية والمستقبلية من جهة وبين قدرة الدول وإمكاناتها على الاستجابة لها من جهة أخرى؛ حيث أصبح الأفراد على درجة مرتفعة من الحذر بشأن ما تستطيع حكوماتهم أن تقدمه لهم بالفعل، وما ترغب في تقديمه، وهو ما سيُفضِي إلى اختلال التوازن في المجتمعات.

ويظهر هذا الاختلال بوضوح أيضًا فيما يتعلق بعدم قدرة المؤسسات الدولية والتحالفات على مواجهة “التحديات العالمية المعقدة”. وكنتيجة مباشرة لانعدام التوازن، سيظهر النزاع داخل المجتمعات وبين الدول بعضها وبعض.

5– تفاقم التوتر السياسي بفعل التكنولوجيا: الأدوات التكنولوجية سلاح ذو حدين؛ فعلى الرغم من أنها ستُستخدم لتعزيز النمو الاقتصادي والاتصالات، وتقديم حلول للعديد من التحديات التي تواجه الدول؛ حيث سيكون للذكاء الاصطناعي دور محوري في تعزيز الإنتاج الاقتصادي، ومساعدة الدول على مكافحة التحديات، وتقديم الخدمات، والتقليل من الديون والمساهمة في تغطية تكاليف رعاية كبار السن؛ فإنها ستمثل عنصر عدم استقرار سياسي في المستقبل.

وستقوم وسائل الإعلام الحقيقية أو الاصطناعية بالمساهمة في زعزعة استقرار المجتمعات من خلال “تشويه الواقع والحقيقة” بدرجة كبيرة، ونشر المعلومات المضللة. كما أن توزيع الذكاء الاصطناعي بقدرٍ غير متساوٍ بين الدول وداخل المجتمعات، من شأنه أن يبرز ويفاقم التفاوتات الموجودة بالفعل.

كما حذرت الاستخبارات الأمريكية من التهديدات المنبثقة عن الاستخدام المتزايد للعملة الرقمية؛ حيث إن العملات التقليدية –مثل الدولار الأمريكي، واليورو الأوروبي– من المتوقع أن تواجه تهديدات ملحة من قبل العملات الرقمية، مثل عملة البيتكوين، التي ستفضي إلى “تعقيدات في سلوك السياسة النقدية عن طريق الحد من سيطرة الدول على أسعار الصرف والإمدادات النقدية”.

6– استمرار التنافس بين الفاعلين من الدول وغيرها: سيشهد النظام الدولي تنافسًا بين الفاعلين من الدول ومن غير الدول للقيادة ولامتلاك اليد الطولى في التقدم التكنولوجي والعلوم، وهو ما سيترك العديد من الآثار المحتملة على أمن الدول على كافة المستويات الأمنية والاقتصادية والعسكرية.

ومن المحتمل أن تزادا الاختراقات الإلكترونية بما يؤدي إلى “تغيُّر الفهم الجماعي للمجتمع للتجربة الإنسانية”، كما أن هناك عاملًا إضافيًّا سيساهم في تحديد شكل الأعوام المقبلة، وهو التنافس بين الولايات المتحدة والصين، باعتبار أنه سيفضي إلى “وضع معايير عامة على البيئة الجيوسياسية، وسيفرض خيارات أكثر صرامةً على الجهات الفاعلة الأخرى”.

7– تكيف المجتمعات مع تغيرات النظام الدولي: من المرجح أن تنجح المجتمعات التي تتمكن من التكيف مع التغيرات الحادثة في النظام الدولي، وتحقق نوعًا من الإجماع الوطني حول كيفية الاستجابة للتغيرات، وتستعد للمستقبل بشكل جيد، لا سيما مع الآثار التي ستكون حتميةً، مثل التغير المناخي على سبيل المثال.

وبذلك ستتمكن الدول من حل الأزمات بشكل أكثر فاعليةً من غيرها، والتقليل من العواقب الناجمة. وتتطلب التكنولوجيا والتحولات الديموغرافية أيضًا نوعًا من التكيف والاستجابة من مختلف الدول، ولا سيما في الدول التي ترتفع بها نسبة الشيخوخة، مثل الصين وكوريا الجنوبية واليابان.

حيث لفت التقرير الانتباه إلى أن “التحديات العالمية المتتالية”، ستختبر قدرة الدول على المرونة والتكيف، لكنها “ستتجاوز قدرة الأنظمة والنماذج الحالية” في الغالب.

8– إعادة تشكيل الأمن القومي للولايات المتحدة: فوباء كورونا سيسهم في تشكيل السياسة العالمية، ومن المحتمل بشدة أن يعيد تشكيل مفهوم الأمن القومي للولايات المتحدة؛ إذ إن الحفاظ على الأمن القومي للدولة لن يتطلب فقط القيام بذلك الأمر بالمعنى التقليدي من خلال الاعتماد على الجيش والترسانات التسليحية، ولكن من خلال مدى قدرة الدولة على التكيف وتحمل التحديات العالمية المشتركة.

وعلى الرغم من الرؤية القاتمة التي قدمها التقرير للاتجاهات العالمية بحلول عام 2040، فإنه قدم عددًا من النقاط المضيئة، مثل تحقيق النمو الاقتصادي في دول أمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا.

9– تزايد الصراعات الجيوسياسية الدولية: من المتوقع أن تظل القوة العالمية موضعًا للنزاع والمزاحمة بين الدول، وهو الاتجاه السائد قبل تفشي الوباء، ولن يتبلور نظام أحادي القطب، بل ستتصارع الدول المتنافسة بعضها مع بعض، وسيزداد دور القوى الإقليمية لتخلق بذلك بيئة جيوسياسية أكثر عرضةً للصراع والتقلُّب المستمر مع انخفاض فرص التعاون الدولي.

ثانيًا: خمسة سيناريوهات متوقعة لعالم 2040

1– نهضة الديمقراطيات بقيادة أمريكية: ستعود الولايات المتحدة لقيادة النظام الدولي مرةً أخرى من خلال قيادة مجموعة من الديمقراطيات الصاعدة؛ وذلك بما ستحققه من تقدم في المجالين الاقتصادي والتكنولوجي، من خلال تعزيز النمو الاقتصادي مدفوعًا بالشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتجديد ثقة الأفراد بالمؤسسات الديمقراطية، والحد من الانقسامات الاجتماعية، والقدرة على الاستجابة الفعالة للتهديدات العالمية.

وستستفيد جميع الدول من هذه الإنجازات، بينما ستظل كل من الصين وروسيا تعانيان من تزامن النمو الاقتصادي المتعثر مع العوامل الديموغرافية الواضحة وتقويض الأنظمة السلطوية الناجمة عن ممارسة القمع الشديد، والاعتماد المفرط على المراقبة والضوابط الصارمة التي أفضت إلى قتل فرص الابتكار، وعدم القدرة على إتاحة الفرص لتنمية المواهب؛ لعدم الاستثمار في البنية التحتية المطلوبة لدعم الابتكار المستمر، فضلًا عن طلب رجال الأعمال وكبار العلماء اللجوء إلى الدولة الأمريكية.

وبناءً على ما سبق، ستتجه كل من موسكو وبكين إلى ممارسة العديد من الأعمال العدائية، ولا سيما مع الدول المجاورة لهما، وسيصبح سلوكهما أقل توقعًا، كما أن الصين ستعاني من ارتفاع معدلات الشيخوخة، وعدم التمكن من تحويل اقتصادها إلى اقتصاد استهلاكي، فضلًا عن ارتفاع معدلات الديون الخاصة، في حين ستتراجع روسيا بسبب الاعتماد الكبير على الطاقة المستوردة، وصراع النخب المحتمل في فترة ما بعد بوتين.

والجدير بالذكر أن العوامل الرئيسية التي ستدفع إلى تحقيق هذا السيناريو، تتمثل في قدرة الولايات المتحدة على دعم فرص الابتكار التكنولوجي ودعم البحث العلمي، بما يسهم في دفع النمو الاقتصادي، ومن ثم القدرة على مواجهة التحديات المحلية، وتلبية احتياجات المواطنين، وبالتبعية ستتاح لها الفرصة لمعالجة التحديات العالمية. وفي حالة تحقق هذا السيناريو، ستؤكد الولايات المتحدة قدرتها على مواجهة التحديات العالمية من خلال التنسيق مع الحلفاء والشركاء، والانخراط في المؤسسات الدولية المتعددة الأطراف.

2– بروز عالم فوضوي بلا اتجاهات حاكمة: وفي هذا السيناريو، سيتسم النظام الدولي بكونه فوضويًّا بلا ملامح واضحة، أو اتجاهات محددة، في ظل تجاهل قواعد النظام الدولي من قبل مجموعة من الفواعل، على رأسها الصين واللاعبون الإقليميون، فضلًا عن الفواعل من غير الدول. وهنا ستعجز التكنولوجيا عن إيجاد حلول للمشكلات، ولا سيما في ظل محدودية التعاون الدولي؛ الأمر الذي سينتهي بإتاحة الفرصة للجماعات الإرهابية والإجرامية للعب دور متزايد، وتشكيل تحديات أمام مختلف المجتمعات، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا.

وستستغل الصين حالة الفوضى القائمة في ظل تباطؤ النمو الاقتصادي للدول، وتنامي الانقسامات السياسية والاجتماعية لتوسيع نفوذها الدولي، وخاصةً في قارة آسيا. وعلى الرغم من صعود الصين لقيادة النظام الدولي، فإنها لا تمتلك القدرات العسكرية اللازمة التي تمكنها من إيجاد حلول للعديد من التحديات العالمية الملحة، وعلى رأسها التغير المناخي، وحالة عدم الاستقرار في الدول النامية، وهو الأمر الذي سيتفاقم في ظل إحجام الدول عن اتخاذ إجراءات جماعية مشتركة وغياب الحافز.

وبحلول عام 2035، من المحتمل أن تكون الصين قد أجبرت الحكومة التايوانية على مناقشة قضية التوحيد من خلال إجبارها على الانخراط في محادثات معها، ومن ثم ستتجه إلى التوسع في عدد من الأقاليم الأخرى؛ إذ ستكون الصين بحلول هذا العام، قد تمكنت من اكتساب مكانة دولية مهمة في النظام العالمي، ولن يكون بمقدور أي دولة إقليمية مجابهة الصعود الصيني.

3– تعايش تنافسي بين واشنطن وبكين: ستتنافس واشنطن وبكين في إطار “منافسة القوى العظمى”؛ حيث ستزدهر كل دولة، وستتمكن من تحقيق النمو الاقتصادي، وستتنافسان لقيادة النظام الدولي في ظل عالم منقسم. ووفقًا لهذا السيناريو، سيتشكل نوع من الترابط الاقتصادي بين الدولتين، وستقوى العلاقات التجارية بينهما بالتوازي مع التنافس على النفوذ السياسي وعلى الاستحواذ على الأسواق العالمية، وتحقيق التفوق التكنولوجي، والسعي إلى ترويج نظام الحكم الأمثل، وصولًا إلى تحقيق ميزة استراتيجية في إطار التنافس المحتدم بينهما.

لكن هذا التنافس سيكون في إطار من الاحترام والقبول المتبادل للقواعد الحاكمة لتفاعلاتهما في هذه المجالات؛ ما يؤدي إلى انخفاض احتمالات اندلاع حرب كبرى، وخاصةً في ظل تنامي فرص إدارة وحل المشكلات الدولية من خلال التعاون العالمي، وتزايد الابتكار التكنولوجي، ولجوء الدول إلى التجسس وشن الهجمات الإلكترونية للتمكن من تحقيق الأهداف دون الحاجة إلى خوض حروب كبرى.

وبصفة عامة، تظل تحديات التغيرات المناخية قائمةً لتمثل عنصرًا لعدم الاستقرار على المدى البعيد. وفي هذا السيناريو، ستقل الانقسامات الاجتماعية داخل الدول، نظرًا إلى إدراك المواطنين ضرورة تكوين حشد مجتمعي واسع النطاق خلف حكوماتهم للتمكن من المنافسة الدولية.

وستتم إعادة توجيه الميزانيات الوطنية للاستجابة للأوبئة العالمية والتعافي الاقتصادي، والمساعدة في مشاريع البنية التحتية للدول. ووفقًا للتقرير، يعتبر التنافس بين كل من واشنطن وبكين أقل أهميةً في جميع السيناريوهات، نظرًا إلى مواجهة هذه الدول مجموعة من التحديات العالمية الأكثر خطورةً في ظل عدم امتلاك الدولتين الهياكل والأسس اللازمة التي تمكنها من مجابهتها.

4– انهيار العولمة والتحول إلى “صوامع منفصلة”: وفقًا لهذا السيناريو، ستنهار العولمة وستظهر العديد من التكتلات الاقتصادية والأمنية لحماية الدول من التهديدات المتزايدة، وتحقيق الاكتفاء الذاتي. وستتمحور هذه التكتلات حول كل من الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي وروسيا فضلًا عن عدد من الدول الإقليمية.

وستتعطل حركة التجارة الدولية، وستفقد العديد من القطاعات أهميتها وقدرتها على الربح، مثل قطاع السياحة على سبيل المثال. وعلى الرغم مما يتضمنه هذا السيناريو من إعادة توجيه سلاسل التوريد، وجعل الدول أقل عرضةً للاضطرابات الناجمة عن هذه السلاسل، فإنها ستجعل الاقتصاديات أقل كفاءة، كما ستتدفق المعلومات لكل تكتل على حدة. وهذه التكتلات من شأنها أن تعصف بالدول النامية التي ستجد نفسها عالقة بينها، بما ينذر بتحول بعضها إلى دول فاشلة، وبالطبع لن تهتم هذه التكتلات بالتعاون لحل التحديات العالمية، ولا سيما أزمة تغير المناخ التي قد لا يتم مناقشتها على الإطلاق.

ويُذكر أن التكتلات –التي تتكون من دول قادرة على أن يتكيف بعضُها مع بعض بقدر أكبر عن غيرها لاعتبارات تتعلق بوفرة الموارد والقدرة على الدفاع عن الحدود ولا سيما في ظل وجود عدد قليل من الأعداء المجاورة كما هو الحال في كل من الولايات المتحدة وكندا– ستكون أشد قوةً.

كما أن القدرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي تجعل الدول أكثر مرونةً. وفي هذا السيناريو، تتضاءل الفرص لتعزيز الابتكار التكنولوجي، وخاصةً في ظل الإحجام عن التعاون الدولي، وتتعثر محاولات العمل الجماعي لمخاطبة التحديات العالمية، وتتجه الدول إلى التعامل والتكيف بشكل مستقل مع الكوارث العالمية والتداعيات الناجمة عنها، وقد تندلع بعض الحروب الصغيرة لمحاولة الحكومات لفتَ انتباه الرأي العام إلى المشاكل المحلية وتعبئتهم لمواجهة الأعداء، كما ستنتشر الأسلحة النووية.

5– ثورة عالمية من القاعدة إلى القمة: في حالة عدم تمكن الولايات المتحدة من قيادة النظام الدولي، من المتوقع أن تندلع ثورة من “القاعدة إلى القمة” ستحدث عقب تغيرات عالمية “مدمرة”؛ حيث ستتفاقم أزمة نقص الغذاء، نظرًا إلى حدوث كارثة بيئية كبيرة على المستوى العالمي، نتيجة تدهور بيئي كأحد تداعيات التغير المناخي، وسيكون الشباب غير واثق بقدرة حكوماتهم على حل المشكلات استنادًا إلى إخفاقها في التعامل مع الوباء الحالي.

وفي هذا السيناريو، سيصبح الاتحاد الأوروبي متحالفًا مع كل من الصين وعدد من المنظمات غير الحكومية لمعالجة تغير المناخ وانتشار الفقر ونضوب الموارد، وسيتعاون الاتحاد الأوروبي مع الأمم المتحدة لتوزيع المساعدات الإنسانية على نطاق واسع.

والجدير بالذكر أن الصين لن تحجم عن المساهمة في هذه الجهود، في محاولة لاحتواء الأزمة، ولا سيما في ظل انتشار المجاعة في مختلف المدن الصينية. ومن ثم، ستتجه إلى تعزيز تقنيات الطاقة النظيفة، والتعاون مع الاتحاد الأوروبي.

وختاماً، تتجه الدول الغنية إلى مساعدة الدول الفقيرة لإدارة الأزمة من خلال تقديم الدعم للتحول إلى استخدام الطاقة النظيفة، وتقليل انبعاثات الغازات الحرارية. وفي هذا السيناريو، قد تحظى معالجة التحديات العالمية بالأولوية لدى الدول بدلًا من الاتجاه إلى تحقيق مصالحها الذاتية، ويزداد دور المنظمات غير الحكومية، ولا سيما لحث الدول على العمل والتعاون المشترك، وحشد الموارد اللازمة للتغلب على الأزمات، وخاصةً في ظل الرفض المتوقع للدول المعتمدة على الوقود الأحفوري للمشاركة في الثورة العالمية.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%aa%d9%88%d9%82%d8%b9%d8%a7%d8%aa-%d9%85%d8%aa%d8%a8%d8%a7%d9%8a%d9%86%d8%a9/