توقيت حرج:

ما أهم الملفات المطروحة أمام قائد الجيش الباكستاني الجديد؟
توقيت حرج:
28 نوفمبر، 2022

تعاني باكستان من أزمة سياسية مستعصية؛ وذلك في أعقاب الخروج الدرامي لرئيس الوزراء الباكستاني السابق “عمران خان” عن رأس السلطة، وحلول “شهباز شريف” محله، وهو الأخ الشقيق لرئيس الوزراء الباكستاني الأسبق “نواز شريف” الذي يقيم في لندن، هرباً من حكم قضائي سابق يقضي بسجنه لمدة سبع سنوات، بفعل تورطه في عدد من قضايا الفساد. وقد انعكست تعقيدات المشهد السياسي المدني على أوضاع الجيش، الذي يلعب دوراً محورياً في النظام السياسي الباكستاني، خاصة قائد الجيش الذي يزعم البعض أنه يمتلك من السلطات خلف الكواليس، ما يتجاوز سلطات وصلاحيات رئيس الوزراء شخصياً. ومع الإعلان عن انتهاء خدمة قائد الجيش الحالي الجنرال “قمر جاويد باجوا” في التاسع والعشرين من نوفمبر، انتشرت التكهنات حول هوية الشاغل الجديد لهذا المنصب، حتى تم كشف النقاب عن اسم “عاصم منير” الرجل الذي يعرف بتدينه الشديد وتفضيله الابتعاد عن الأضواء ناهيك عن دخوله في عداوة ونزاع سابق مع “عمران خان”.

أبرز المحطات

على الرغم من عدم وجود الكثير من المعلومات عن القائد الجديد للجيش الباكستاني، فإن اسمه قد اقترن بعدد من المحطات والمناصب والأحداث السياسية الهامة في تاريخ باكستان، وهو ما يمكن تناوله على النحو التالي:

1- النشأة في كنف المؤسسة العسكرية: التحق “عاصم منير” بالخدمة العسكرية من خلال برنامج مدرسة تدريب الضباط في مانجلا، وفي نهاية سنواته الدراسية، تم منحه “سيف الشرف المرموق”، وهو سيف فخري يُمنح للطلاب الأكثر تميزاً وتفوقاً في الميدان العسكري. وقد بدأ حياته العسكرية ملازماً ثانياً في عام 1986، خلال فترة حكم الجنرال “ضياء الحق”. وعلى الرغم من عدم لجوئه للصحافة والإعلام من أجل زيادة شعبيته في أوساط المدنيين، وتجنب التعليق على عدد من القضايا الهامة لباكستان داخلياً وخارجياً، فإنه تمكن من الوصول إلى عدد من المناصب القيادية الهامة في باكستان، على غرار رئيس جهاز الاستخبارات الباكستاني، والملحق العسكري بالسفارة الباكستانية في المملكة العربية السعودية، ناهيك عن قيادته القوات الباكستانية في المناطق الشمالية، بما في ذلك كشمير المتنازع عليها مع الهند.

2- تبني أيديولوجية محافظة: يرى الخبراء المتخصصون في العلاقات المدنية العسكرية الباكستانية، أن وصول “منير” إلى عدد من المناصب القيادية في الجيش والجهاز الاستخباراتي، وابتعاده عن الصحافة والإعلام، يؤكد تمتعه بشعبية كبيرة في أوساط القيادات والتيارات المختلفة القائمة داخل الجيش الباكستاني، خاصة التيار الديني المحافظ. ويعرف “عاصم منير” بتدينه الشديد؛ حيث إنه يحفظ القرآن الكريم كاملاً، كما أنه يتبنى عدداً من الأفكار المحافظة المرتبطة ببنيان الدولة الباكستانية، ودور المرأة في المجتمع. وخلافاً لسابقيه من قادة الجيش الباكستاني، فإنه لم يتلقَّ أي تدريبات عسكرية في الولايات المتحدة أو بريطانيا، كما أن خبرته العسكرية الدولية الوحيدة، تمثلت في المملكة العربية السعودية؛ وذلك أثناء شغله منصب الملحق العسكري في السفارة الباكستانية بالرياض.

3- الصراع مع “عمران خان”: عين “عاصم منير” من قبل رئيس أركان الجيش الباكستاني الحالي الجنرال “قمر جاويد باجوا”، رئيساً لجهاز الاستخبارات الباكستاني “آي إس آي”، في أكتوبر عام 2018، لكنه لم يستمر إلا قرابة ثمانية شهور في منصبه؛ وذلك في أعقاب إصرار رئيس الوزراء الباكستاني السابق “عمران خان” على عزله من منصبه، وإسناد رئاسة الاستخبارات إلى “فائز حميد”. وفي حين لم تكن هناك أي معلومات رسمية عن سبب دفع “عمران خان” نحو إقالة “عاصم منير” عن رئاسة الجهاز الاستخباراتي في باكستان، أشارت جريدة “ذا هيندو” الهندية، إلى مقطع صوتي مزعوم لـ”عليم خان” الزعيم السابق لحزب عمران خان “حركة الإنصاف الباكستانية(PTI)” اتهم فيه رئيس الوزراء السابق بإقالة “منير”، لفضحه فساد زوجته “بشرى بيبي”.

ملفات شائكة

يواجه “منير” العديد من التحديات الداخلية والخارجية، التي يتمثل أهمها في تنظيم العلاقات المدنية-العسكرية، والتعاطي مع تحركات “عمران” خان المعادية للحكومة الجديدة، بالإضافة إلى العلاقة مع الهند وإدارة أفغانستان وتحقيق التوازن بين الولايات المتحدة والصين.

1- استعادة الاستقرار الداخلي: لعل أبرز التحديات التي ستواجه “منير” في منصبه الجديد، ستتمثل في كيفية إدارته العلاقات العسكرية المدنية، في ظل معاناة البلاد من حالة اقتصادية متدهورة، واستمرار التبعات السلبية للفيضانات الأخيرة التي تخيم على البلاد، ناهيك عن ضمانه استقرار الحكومة الحالية، وإفشال مساعي “عمران خان” لإقامة انتخابات برلمانية مبكرة. ويرى الكثيرون أن “منير” لن ينجح في تهدئة العلاقة المشتعلة بالفعل بين الجيش الباكستاني ورئيس الوزراء السابق؛ حيث إنه ذاته يمتلك تاريخاً سيئاً مع “عمران خان”، وينظر إليه باعتباره أداة، سعى من خلالها رئيس الوزراء الحالي “شهباز شريف” إلى معاقبة “خان”.

2- التعامل مع التحدي الأمني الحدودي: تمثل أفغانستان تحدياً آخر يجب على قائد الجيش الجديد التعامل معه؛ فمن ناحية تسعى إسلام أباد إلى إقامة علاقات جيدة مع طالبان، لكنها في ذات الوقت، تخشى من تحول البلاد إلى مسرح جديد للعمليات الإرهابية للجماعات الموالية أو المتنافسة مع طالبان أفغانستان. وعلى صعيد آخر، فإن أزمة اللاجئين تخيم على المعابر الحدودية بين البلدين، بين الحين والآخر، وهو الأمر الذي يدفع باكستان إلى إغلاق حدودها بصورة كلية بما يخلق أزمة انسانية ويضاعف حدة الخلاف بين الحكومة الباكستانية وإدارة طالبان التي ترفض التفاوض والتوصل إلى أي اتفاق أمني جديد، يحافظ على الاستقرار في المعابر الحدودية القائمة بين الدولتين.

3- مواجهة التهديدات الإرهابية المتصاعدة: يشكل التعامل مع التهديدات الإرهابية قضية أولوية في ظل تصاعد الهجمات التي تعرضت لها الأراضي الباكستانية، والتي استهدف أغلبها المؤسسات الأمنية؛ فعلى سبيل المثال، أعلنت حركة طالبان باكستان تنفيذها هجوماً، يوم 16 نوفمبر الجاري، على سيارة شرطة قرية شهاب خيل في إقليم خيبر بختونخوا، وهو الهجوم الذي أدى إلى مقتل ستة شرطيين. كما أعلن الجيش الباكستاني في اليوم ذاته عن مقتل جنديين في تبادل لإطلاق النار مع مسلحين في منطقة باجور المتاخمة لأفغانستان في شمال غرب البلاد.

4- إدارة العلاقة مع الهند: يتوقع المحللون أن يستمر الجيش الباكستاني تحت قيادة “عاصم منير” في تبني نهج مهادن تجاه الهند، وتجنب الرد على أي استفزازات على الحدود فيما بين البلدين؛ حيث إن أي تصعيد للموقف بين نيودلهي وإسلام أباد في الوقت الحالي، سيعني تكبد باكستان الكثير من الخسائر، ناهيك عن الوضع الاقتصادي المتدهور الذي تعاني منه البلاد في الوقت الحالي، فإنها ليست في وضع دبلوماسي ودولي قوي، يسمح لها بحشد الحلفاء والمساندين ضد الهند التي عززت وزنها الدبلوماسي والسياسي في منطقة الهندو-باسفيك وآسيا الوسطى، في أعقاب تدهور العلاقات الأمريكية-الصينية والتدخل الروسي في أوكرانيا، ونجاح نيودلهي في لعب دور وسيط بين الأطراف الثلاثة.

وعلى الرغم من ذلك، فإن نظرة سريعة على الصحف الهندية، كفيلة بتأكيد أن نيودلهي ليست سعيدة بالقادم الجديد على رأس الجيش الباكستاني؛ وذلك لطبيعته المحافظة دينياً، ناهيك عن توجيه الحكومة الهندية فيما سبق أصابع الاتهام له ولعدد من القيادات الباكستانية القائمة على إدارة الاستخبارات الهندية، بتدريب وإعداد جماعة “جيش محمد” التي نفذت عدداً من العمليات التخريبية ضد الهند في أواخر عام 2019، وهي العملية التي أصبحت تعرف باسم “هجوم كشمير 2019”.

5- الموازنة بين الصين والولايات المتحدة: تسعى باكستان إلى المحافظة على نوع من التوازن في علاقتها الخارجية مع كل من الصين والولايات المتحدة الأمريكية؛ فمن ناحية، تحرص إسلام أباد على استمرار إنجاح الممر الاقتصادي الصيني في باكستان، والتغلب على أزمة الديون الباكستانية المستحقة لبكين، لإنجاح المشاريع الصينية المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق عبر أراضيها، إلا أنها من ناحية أخرى، تطمع في استمرار الدفء في علاقتها مع واشنطن؛ لضمان قدرتها على عقد عدد من صفقات الأسلحة الأمريكية، حتى لا تنفرد نيودلهي بالتنسيق الأمني الموسع مع واشنطن، وتبقى إسلام أباد في منأى عن التحالفات الإقليمية التي تقيمها الولايات المتحدة في الوقت الحالي، لمجابهة النفوذ الصيني في المنطقة.

وعلى الرغم من ذلك، يدفع غياب الاحتكاك بالثقافة الغربية، وعدم تلقي أي تدريبات عسكرية لدى الولايات المتحدة، والخلفية المحافظة، “منير” إلى تفضيل التعاون مع الصين على حساب الولايات المتحدة، بيد أن وجود تفاهم واضح بين واشنطن وحكومة “شهباز شريف” تجعل المجال مفتوحاً أمام كسر الجليد في العلاقة بين القائد الجديد للجيش الباكستاني والقيادات الأمريكية. 

خلاصة القول أن اختيار القائد الجديد للجيش يأتي في توقيت حرج بالنسبة لباكستان؛ إذ تتعرض الدولة لأزمة سياسية حادة في ظل التحركات التي يقودها رئيس الوزراء السابق “عمران خان” ضد الحكومة الحالية، بالإضافة إلى الأزمات الاقتصادية الحادة التي تواجهها الدولة. وفي هذا الإطار، سيظل الجيش طرفاً فاعلاً في توازنات الأوضاع السياسية في باكستان؛ فمع اختيار “عاصم منير” قائداً جديداً للجيش، سيكون عليه التعاطي مع معضلة موازنة علاقات الجيش مع الحكومة والمعارضة، ومن ثم الانخراط في وساطة لتحقيق نوع من التفاهم بين الحكومة وخان لتقليل التوترات وتجنب الاضطرابات. ولكن مع ذلك، ستظل علاقة “عمران خان” بالقائد الجديد موضع شكوك هائلة، وخصوصاً أن “خان” اعتاد استخدام خطاب سلبي تجاه الجيش في الشهور الماضية، كما أن بعض احتجاجات المعارضة استهدفت منشآت عسكرية.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%aa%d9%88%d9%82%d9%8a%d8%aa-%d8%ad%d8%b1%d8%ac/