توقيت مقصود:

لماذا فرضت واشنطن عقوبات على "الدرونز" الإيرانية؟
توقيت مقصود:
31 أكتوبر، 2021

أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية، في 29 أكتوبر 2021، فرض عقوبات جديدة على برنامج الطائرات من دون طيار الذي تمتلكه إيران. وتضمنت العقوبات الجديدة القيادي في البرنامج التابع للحرس الثوري سعيد أغاجاني، ورئيس منظمة “الجهاد” للأبحاث في الباسدران عبد الله محرابي، بجانب كل من محمد إبراهيم زركر، ويوسف أبوطالبي، كما شملت العقوبات شركتي “كيميا بارت سيفان”، و”أوجي بارافاز مادور”؛ حيث تم اتهامهما بالمساعدة على تطوير هذا البرنامج من خلال مده بالمكونات اللازمة.

اعتبارات عديدة

هذا التصعيد من جانب الولايات المتحدة الأمريكية، يشير إلى مدى اتساع نطاق التوتر مع إيران، خاصةً مع تعمدها تأخير موعد انعقاد الجولة السابعة من المفاوضات حتى نهاية نوفمبر، حسب تصريحات مساعد وزير الخارجية للشؤون السياسية الإيراني علي باقري كني. ويمكن تفسير ذلك في ضوء اعتبارات عديدة يتمثل أبرزها فيما يلي:

1– الرد على هجمات قاعدة “التنف” الأخيرة: لم يعد سيناريو فشل المفاوضات النووية في فيينا –ومن ثم عودة أزمة البرنامج النووي إلى مربعها الأول– مستبعداً، لا سيما أن فشل المفاوضات سوف يؤثر بالسلب على الاتفاق النووي، وقد يؤدي إلى انهياره في النهاية. وهنا، فإن إيران قد تعود إلى سيناريو التصعيد الإقليمي مجدداً لرفع كلفة الإجراءات العقابية الأمريكية، خاصةً في العراق وسوريا ولبنان.

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل العقوبات الجديدة عن الهجمات الأخيرة التي تعرضت لها المصالح الأمريكية في العراق وسوريا. ففضلاً عن الهجمات المستمرة في الأولى، فقد تعرضت قاعدة التنف في سوريا –التي تستضيف قوات من التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش” بقيادة واشنطن– لهجمات بواسطة طائرات من دون طيار، في 21 أكتوبر 2021، وبعد ذلك بخمسة أيام، كشف مسؤولون أمريكيون أن “الدرونز” المستخدمة في الهجمات إيرانية الصنع وإن لم تنطلق من إيران.

2– توجيه تحذيرات غير مباشرة إلى إيران: دفع تعمُد إيران تأجيل استئناف المفاوضات في فيينا، ومواصلة تطوير برنامجها النووي، وتقليص مستوى التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى تأكيد أنها لن تتوانى في اتخاذ إجراءات عقابية جديدة ضد إيران إذا واصلت هذه السياسة خلال المرحلة القادمة، وأنها سوف ترفع سقف العقوبات على نحو غير مسبوق إذا لم يتم التوصل إلى تسوية في مفاوضات فيينا.

وقد كان لافتاً أن العقوبات الجديدة توازت مع التحذيرات التي أطلقتها الإدارة الأمريكية من أنها سوف تبدأ النظر في “خيارات غير دبلوماسية” في التعامل مع التحدي الإيراني، في إشارة إلى آلية العقوبات التي سبق أن فرضتها إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب. ويُتوقع في هذه الحالة أن تواصل الإدارة الحالية تبنيَها؛ فقد قال المبعوث الأمريكي إلى إيران روبرت مالي، في 25 أكتوبر الجاري، إن واشنطن سوف تستخدم أدوات غير دبلوماسية لمنع إيران من تطوير السلاح النووي.

3– اقتراب الاتفاق النووي من حافة الانهيار: تُلقي الإجراءات العقابية الجديدة التي فرضتها الإدارة الأمريكية، الضوء على مخاطر اقتراب الاتفاق النووي من حافة الانهيار، وهي المخاطر التي يفرضها استمرار إيران في تطوير برنامجها النووي على هذا النحو المتسارع. فقد أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في تقريرها الصادر في 7 سبتمبر الفائت، أن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% وصل إلى 10 كيلوجرامات، وأن مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 20% بلغ 84%. ومع أخذنا في الاعتبار بأن رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية محمد إسلامي قال، في 10 أكتوبر الجاري، إن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 20% وصل إلى 120 كيلوجرامًا، فهذا معناه أن إيران زادت الكمية المخصبة بهذه النسبة بنحو الثلث منذ التقرير الأخير للوكالة في 7 سبتمبر أي خلال شهر تقريباً.

وهنا، فإن ذلك يعطي دلالة على أن إيران زادت كمية اليورانيوم المخصب بنسبة 60% أيضاً، دون أن تفصح عن ذلك، أو أنها فضَّلت عدم زيادة هذه الكمية؛ لكيلا يمثل استفزازاً قد لا يُحتمل بالنسبة إلى الدول الغربية. لكن في النهاية، فإن ذلك في مجمله يعني أنها تواصل تطوير برنامجها النووي بشكل يقربها من المرحلة التي يمكن أن يصبح معها الاتفاق النووي والقيود التي يتضمنها بلا معنى. ومن هنا، فإن واشنطن حاولت عبر العقوبات الجديدة تأكيد خطورة السياسة الجديدة التي تتبناها طهران، والتي يمكن أن تكون لها عواقب وخيمة في الفترة القادمة.

4– الضغط في ملف التدخلات الإقليمية لطهران: تعمدت الإدارة الأمريكية تفسير خطواتها العقابية الأخيرة في ضوء اتهام الحرس الثوري الإيراني (المسؤول عن إدارة العمليات الخارجية) بنقل تلك التكنولوجيا إلى مناطق الصراع، مثل اليمن ولبنان وإثيوبيا. ويعني ذلك أن واشنطن تريد أن تؤكد أنها لن تتغاضى عن الأدوار التدخلية التي تقوم بها إيران على مستوى الإقليم، وأنها سوف تواصل ممارسة ضغوط من أجل تقليص مستوى تلك التدخلات. ولا ينفصل ذلك –من دون شك– عن محاولات ضم ملف التدخلات الإقليمية إلى المفاوضات، باعتبار أنه ملف مرتبط بالملفات الأخرى، ويؤثر مباشرةً على المسارات المحتملة التي قد يتجه إليها الاتفاق النووي.

5– رفع واشنطن مستوى التنسيق مع إسرائيل: ربما تؤشر هذه الإجراءات العقابية على اتجاه الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل إلى رفع مستوى التنسيق بينهما، فيما يتعلق بالمواجهة مع إيران؛ إذ تسعى إدارة الرئيس بايدن إلى تأكيد جديتها في استيعاب المصالح الإسرائيلية في السياسة التي تتبناها إزاء طهران. وقد انعكس هذا التنسيق بين الطرفين في التزامن اللافت بين الإجراءات العقابية الأخيرة التي اتخذتها واشنطن، والضربات التي تواصل تل أبيب توجيهها إلى مواقع تابعة لإيران وحزب الله داخل سوريا، وكان آخرها في 30 أكتوبر 2021، بالقصف الصاروخي الذي شنته إسرائيل على مواقع في ريف دمشق.

المصالح الأمريكية

توحي الإجراءات العقابية الأخيرة بأن الولايات المتحدة الأمريكية لا تزال تُقيِّم اتجاهات علاقاتها بإيران بناءً على مستوى التهديدات الذي تفرضه أنشطة الأخيرة على مصالحها في المنطقة في المقام الأول. ورغم أنها بررت تلك الإجراءات بالتوسع في استخدام تكنولوجيا “الدرونز” في مناطق الصراعات بالمنطقة، فقد كان لافتاً أنها اتخذتها بعد تعرض قاعدتها في “التنف” لهجوم بهذه الآلية. وقد سبق أن تبنت واشنطن المقاربة ذاتها في تعاملها مع تطورات سابقة؛ ما يوحي في النهاية بأن واشنطن، في إطار إدارة علاقاتها بطهران، لم تعد تتسامح مع المعطيات الموجودة على الأرض.

وختاماً؛ فإنه بجانب استمرار واشنطن في اتباع سياسة مزدوجة في التعامل مع إيران، بتخفيف العقوبات في أحيان ثم رفعها في أحيان أخرى؛ فإنها حريصة على تأكيد أنها لا تتخذ إجراءات حاسمة في حالة تعرض مصالح حلفائها للخطر من جراء هذه الأنشطة الإيرانية المستمرة. وربما يستمر هذا التوجه في المستقبل، سواء وصلت المفاوضات التي تُجرَى في فيينا إلى تسوية محتملة لأزمة الاتفاق النووي، أو أخفقت في تحقيق ذلك، بما يعني أن مخاطر الأنشطة الإيرانية سوف تتواصل في المرحلة القادمة، وربما تتزايد بشكل متعمد من جانب طهران.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%aa%d9%88%d9%82%d9%8a%d8%aa-%d9%85%d9%82%d8%b5%d9%88%d8%af/