ثبات نسبي:

حدود تأثير حرب أوكرانيا على سياسة روسيا تجاه الشرق الأوسط (حلقة نقاشية)
ثبات نسبي:
24 مارس، 2022

عقد “إنترريجونال” للتحليلات الاستراتيجية، حلقة نقاشية، يوم 9 مارس الجاري، بعنوان “اللحظة الأوكرانية: اتجاهات تغير السياسة الخارجية الروسية تجاه الشرق الأوسط”، استضاف خلالها د. ديانا جاليفا الخبيرة الأكاديمية الزائرة بكلية سانت أنتوني في جامعة أكسفورد، والمتخصصة بالعلاقات الروسية الخليجية. وقد تناولت الحلقة النقاشية المداخل الرئيسية لفهم الاستراتيجية الروسية تجاه الشرق الأوسط، وأدوات موسكو لتعزيز حضورها في هذه المنطقة، واتجاهات تفاعل الشرق الأوسط مع حرب أوكرانيا، وحدود تأثير هذه الحرب على سياسة روسيا تجاه المنطقة.

 مداخل مفسرة

استهلت د. ديانا حديثها، في الحلقة النقاشية، بتأكيد أن استراتيجية روسيا تجاه الشرق الأوسط يمكن فهمها من خلال المنظور الأوسع لسياستها الخارجية بوجه عام. ويمكن استعراض هذا المنظور من خلال ما يأتي:

1التصاعد اللافت في تهديد حلف الناتو لروسيا: ذكر جون ميرشايمر مؤسس الواقعية الهجومية، في مقال له عام 2014 في مجلة فورين أفيرز خلال الأزمة الأوكرانية في هذا الوقت، أن التعامل الروسي مع شبه جزيرة القرم كان رد فعل على الخطر المتمثل في توسع الناتو شرقاً، واستراتيجية استبعاد أوكرانيا من نطاق تأثير روسيا وضمها إلى الحلفاء الغربيين. ويعتبر هذا المنظور هامّاً للغاية؛ ليس فقط من أجل فهم أحداث 2014، بل أيضاً لفهم الأزمة الحالية، وكذلك فهم سياسة روسيا الخارجية بوجه عام.

2وجود قيادة روسية رافضة لسياسات الغرب: من الضروري الاستفادة مما قدمه الواقعيون الجدد في علم السياسة لفهم السياسة الخارجية الروسية؛ حيث يُولون أهمية كبيرة لدور القيادة السياسية في فهم السياسة الخارجية. وبالقياس على الحالة الروسية، سنجد أن وصول الرئيس فلاديمير بوتين لرئاسة روسيا في عام 2012 أحدث تغييرات كبيرة على السياسة الخارجية الروسية. وتوضح طريقة تعاطي بوتين مع ما تُعرف بثورات الربيع العربي، مقارنة بسلفه ديميتري ميدفيديف، مدى تأثير بوتين الجذري على السياسة الخارجية.

إذ يمكن وصف سياسة روسيا تجاه أحداث الربيع العربي خلال حكم ميدفيديف في عامي 2011 و2012 بأنها غير تدخلية. وقد بدأ الاهتمام الروسي بهذه الأحداث على نحو لافت فور فوز بوتين بالرئاسة في 2012 حتى عام 2015. وتحولت روسيا منذ عام 2015 إلى فاعل نشط في الدول التي تعرضت لأحداث الربيع العربي. ويمكن وصف سياسة ميدفيديف في عام 2011 تجاه أحداث الربيع العربي بأنها كانت متسقة مع سياسة الغرب. ولكن تحولت هذه السياسة كليةً مع وصول بوتين إلى الرئاسة، ويدلل على ذلك التدخل العسكري الروسي في سوريا.

3رغبة موسكو في إعادة أمجاد الاتحاد السوفييتي: قد يكون من المفيد تطبيق نموذج نيكولاس كيتشن للاستراتيجية الكبرى Grand Strategy بناءً على أساسيات النظرية الواقعية الجديدة؛ لفهم السياسة الخارجية الروسية. وتتمثل أول خطوة في نموذج كيتشن في تحديد الدولة للتهديدات التي تواجهها. وبالقياس على الحالة الروسية، أكد بوتين في عام 2005 أن انهيار الاتحاد السوفييتي يعد الكارثة الجيوسياسية الأشهر في القرن التاسع عشر، كما تعهد في عام 2018 بأنه سيعيد إحياء الاتحاد السوفييتي إذا أتيحت له الفرصة؛ وذلك لتشكيل تاريخ روسيا المعاصر.

4الانخراط الروسي المتعدد الأشكال خارج الحدود: أشار نيكولاس كيتشن إلى أن هناك عاملاً ثانيًا هامّاً للغاية في الاستراتيجية الكبرى، وهو تسريع الأهداف Accelerated Goals. ويشمل هذا العامل استراتيجية الدولة خارج حدودها. وفي هذا السياق، تعتبر السياسة الخارجية الروسية في 2016 مثيرة للاهتمام؛ حيث تُولي أهمية لاستقرار منطقة الشرق الأوسط، على اعتبار أن ذلك يؤثر على روسيا تأثيراً مباشراً. وتسعى روسيا إلى تحقيق جملة من الأهداف السياسية والأمنية والاقتصادية من وراء انخراطها في الشرق الأوسط بأشكال مختلفة.

أدوات متعددة

رأت د. ديانا أن روسيا تستخدم جملة من الأدوات لتعزيز حضورها في الشرق الأوسط، في إطار ما تُعرف باسم استراتيجية القوة الذكية Smart Power Strategy، التي تجمع بين القوتين الصلبة والناعمة. ويمكن استعراض هذه الأدوات من خلال ما يأتي:

1التدخل العسكري بأشكال مختلفة في المنطقة: يعد التدخل العسكري الروسي في سوريا منذ عام 2015 –الذي يندرج بطبيعة الحال ضمن القوة الصلبة– أبرز مثال للتدخل العسكري الروسي في المنطقة؛ حيث حقق هذا التدخل مكاسب عديدة لموسكو، وكانت سوريا من أهم الدول التي أعادت إلى روسيا مكانتها كقوة عظمى على الأقل من الناحية العسكرية. وكما مهد التدخل الروسي في سوريا لعودة الدور الروسي إلى منطقة الشرق الأوسط، رسخت التطورات في ليبيا هذا الدور.

إذ دعم الجيش الروسي الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر، بالتوازي مع قيام روسيا في الوقت نفسه بالوساطة في محادثات بين عدة فصائل في الحرب الأهلية الليبية. ولا يقتصر التدخل العسكري الروسي في المنطقة على الشق التقليدي؛ حيث تستخدم روسيا القوة التقليدية والقوة غير التقليدية من خلال شركات عسكرية خاصة مثل شركة فاجنر، التي لعبت أدواراً بارزة في سوريا وليبيا.

2 التشبيك الاقتصادي الواسع مع دول المنطقة: يعتبر العامل الاقتصادي أداة رئيسية للقوة الصلبة، وقد نجحت روسيا في خلق اعتماد اقتصادي متبادل مع جميع دول المنطقة تقريباً. واستخدمت روسيا في سبيل تحقيق ذلك ما تُعرف باسم القوة اللاصقة Sticky Power، التي تعني اتباع مجموعة من السياسات لاجتذاب الدول إلى روسيا. وقد ساعد هذا التكتيك روسيا على التعايش مع آثار العقوبات المفروضة عليها منذ عام 2014، وكذلك التغلب نسبياً على تبعات انخفاض أسعار النفط. وتمكنت موسكو من بناء علاقات قوية مع دول المنطقة في ملفَّي الأسلحة والطاقة.

وثمة نهج لافت تتبعه روسيا على صعيد علاقاتها الاقتصادية مع دول المنطقة، وهو التعامل ببراجماتية وتحييد الخلافات. ويدلل على ذلك حالة العلاقات الاقتصادية بين تركيا وروسيا؛ حيث أخذت المؤشرات الاقتصادية بين روسيا وتركيا ترتفع مرة أخرى بعد حادث إسقاط الطائرة الروسية في عام 2015. واحتلت تركيا بحلول عام 2020 المركز السابع في التجارة مع روسيا. وبالرغم من هذا التجاذبات الجيوسياسية بين تركيا وروسيا في سوريا وليبيا والبحر الأٍسود والقوقاز وناجورنو كاراباخ، بالإضافة إلى الدعم التركي النسبي لأوكرانيا وبيع أنقرة الطائرات المسيرة لكييف، فقد استمر التعاون الاقتصادي المتبادل بينهما.

3 توظيف القوة الناعمة لموسكو لضمان التأثير: وظفت روسيا قوتها الناعمة في علاقاتها مع دول الشرق الأوسط؛ حيث استخدمت الإعلام الروسي لضمان وجود تأثير لموسكو على دول المنطقة، كما استخدمت الدين كقوة ناعمة من خلال الكنيسة الأرثوذوكسية. ووظفت روسيا كذلك اللغة لضمان التأثير. وعلى سبيل المثال، تحتضن إسرائيل أكثر من مليون شخص يتحدث الروسية، وهو ما يسمح لروسيا باستخدام القوة الناعمة والعلاقات الشخصية لتسهيل التعاون الاقتصادي في مجالات مثل التكنولوجيا، رغم أن تل أبيب تعد أقوى حليف لواشنطن في المنطقة.

اتجاهات التفاعل

شددت د. ديانا على أن اتجاهات تفاعل دول الشرق الأوسط مع العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا دارت حول ما يأتي:

1 تضامن سوري كامل مع العمليات الروسية: في ضوء أن الحكومة السورية تعتبر أبرز حليف لروسيا في منطقة الشرق الأوسط حالياً، أجرى الرئيس السوري بشار الأسد اتصالاً هاتفياً بنظيره الروسي فلاديمير بوتين، يوم 25 فبراير الماضي؛ أي بعد يوم واحد من بدء العمليات الروسية. وأكد الأسد خلال الاتصال تأييد سوريا تحركات موسكو. كما تحدثت تقارير عديدة عن أن موسكو تجند مقاتلين سوريين لمساندة القوات الروسية في أوكرانيا. يُضاف إلى ذلك أن القوى الحليفة لروسيا في سوريا، مثل حزب الله اللبناني، تؤيد العمليات الروسية، على الرغم من إعلان الحكومة اللبنانية إدانتها هذه العمليات.

2 تبني نهج متوازن من قبل إسرائيل وتركيا: تكشف طريقة التفاعل الحالية لتل أبيب مع العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا عن ميل إسرائيل نحو تبني نهج متوازن بين طرفي الصراع. ويمكن فهم ميل تل أبيب إلى هذا النهج في ضوء وجود شتات من روسيا وأوكرانيا في الداخل الإسرائيلي؛ حيث يؤثر هذا الأمر على الحسابات الإسرائيلية. ولا شك أن هذا النهج سينعكس على طبيعة علاقة روسيا وإسرائيل في سوريا. ويمكن القول إن تركيا تتبنى النهج ذاته تجاه العمليات العسكرية. ورغم وجود خلافات عديدة بين الجانبين التركي والروسي بشأن ملفات المنطقة، فإن من الملاحظ أن لديهما قدرة كبيرة على إيجاد أرضية مشتركة للعمل من خلالها. ومن الملاحظ أن تبني كل من تل أبيب وأنقرة هذا النمط من التفاعل، شجع كلتيهما على السعي إلى القيام بوساطة بين موسكو وكييف لحل الأزمة.

3- تأييد إيراني ضمني للعمليات الروسية: يعبر موقف إيران من الحرب الأوكرانية عن وجود تأييد ضمني من جانب طهران للتحركات الروسية؛ فعلى الرغم من أن المواقف الرسمية تشير إلى أن إيران تفضل إنهاء الحرب، فإن طهران تحمِّل الغرب بوجه عام، والولايات المتحدة بوجه خاص، مسؤولية ما يجري، في إشارة ضمنية إلى دعم إيران الموقف الروسي. ويأتي التأييد الضمني الإيراني في ضوء أن علاقات موسكو وطهران لطالما ظلت معقدة دائماً؛ فحتى في سوريا كانت هناك مواقف متجاذبة بين الطرفين رغم تحالفها المفترض لدعم الحكومة السورية. ومن المتوقع أن تنعكس الحرب على موقف روسيا من الاتفاق النووي الإيراني. ويدلل على ذلك طلب موسكو الحصول على ضمانات جديدة للموافقة على الاتفاق المحتمل.

4 تفضيل العديد من الدول للنهج الحيادي: لجأت العديد من الدول في المنطقة إلى تبني مواقف حيادية تجاه العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا. ورغم أن معظم هذه الدول صوتت لصالح القرار الأممي الذي يندد بالعمليات الروسية ويدعو موسكو إلى التراجع عن استخدام القوة والانسحاب من أوكرانيا، فإن مثل هذه المواقف رمزية ولا تعبر عن تخلي تلك الدول عن نهجها الحيادي.

وختاماً، خلصت الحلقة النقاشية إلى أن السياسة الخارجية الروسية تجاه الشرق الأوسط لن تتغير كثيراً، في ضوء التطورات الجارية في أوكرانيا، خاصةً مع وجود أهمية كبيرة للمنطقة في خضم الاستراتيجية الروسية، ورؤية موسكو لما يجب أن تكون عليها مكانتها في النظام الدولي. ولفتت الحلقة إلى أن موسكو ستكون حريصة، في خضم الأزمة، على ألا تخسر علاقاتها الجيدة بدول المنطقة، على اعتبار أنها أسست هذه العلاقات الجيدة على مدار سنوات طويلة من العمل الشاق، مع استغلال تراجع اهتمام الولايات المتحدة بالمنطقة.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%ab%d8%a8%d8%a7%d8%aa-%d9%86%d8%b3%d8%a8%d9%8a/