الموجة الثالثة:

كيف تعيد "البيانات الفورية" تشكيل الاقتصادات العالمية؟
الموجة الثالثة:
24 أكتوبر، 2021

عرض: إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية

يشهد الاقتصاد العالمي تغيرات كبرى، لا سيما في ظل جائحة كورونا التي جعلت الكثير من المراقبين يبدُون في حالة تخبط. ومع استمرار انتشار فيروس كورونا في عام 2020، بالغ المتنبئون في تقدير ارتفاع معدلات البطالة بحلول نهاية العام. أما اليوم، فترتفع الأسعار أسرع مما كان متوقعاً دون معرفة ما إذا كان التضخم والأجور أيضًا سيرتفعان بسرعة. وتؤكد كل هذه الأمور أنه على الرغم من جميع معادلات ونظريات الاقتصاديين، فإنهم لا يملكون غالباً رؤية واضحة للتغيرات الاقتصادية الحالية، مع القليل من المعلومات لاختيار السياسات التي من شأنها تعظيم الوظائف والنمو الاقتصادي؛ لذلك أصبح العالم على شفا ثورة حقيقية في الاقتصاد أو موجة ثالثة تعتمد على التحول نحو البيانات الجديدة والتحليل السريع. وفي ضوء هذا، نشرت مجلة “إيكونوميست” تقريرين بعنوان “اقتصاديات الموجة الثالثة: كيف أعادت جائحة كورونا تشكيل العلم؟”، و”ثورة رقمية حقيقية ستُفشل ممارسات الاقتصاد الكلي”. ويمكن استعراض أبرز ما جاء فيهما على النحو التالي:

1- أبرز التغيرات التي طرأت على دراسة الاقتصاد: وفقاً للتقرير، فإنه عندما بدأت الجائحة العام الماضي، بدأ البيروقراطيون يدرسون لوحات المعلومات ذات البيانات “العالية التردد”، مثل الركاب في المطارات والبطاقات الائتمانية ساعة بساعة. وفي الأسابيع الأخيرة، لجؤوا إلى مصادر جديدة عالية التردد، للحصول على فكرة أفضل عن الأماكن التي يكون فيها نقص العمالة أسوأ، أو لتقدير سعر السلعة التالية في خط الارتفاع. ووفقاً للتقرير فإن هذا الاقتصاد السريع الخطى، والمعتمد على بيانات سريعة؛ يتضمن تغييرات كبيرة؛ وذلك على النحو التالي:

أ– اعتماد متزايد على البيانات الكبيرة والدقيقة: وفقاً للتقرير فإن هناك اعتماداً متزايداً على بيانات وفيرة وذات صلة مباشرة بمشكلات العالم الحقيقي؛ فعندما يحاول صناع السياسة التعامل مع اختناقات سلاسل التوريد، فإنهم يتابعون تحركات السفن اليومية. ووفقاً للتقرير، فإن توافر مجموعة كبيرة من البيانات الدقيقة في الوقت الفعلي هي بالنسبة إلى الاقتصاد بمنزلة المجهر في علم الأحياء؛ ما يفتح طريقة جديدة للنظر إلى العالم.

ب– استجابة الاقتصاد للسياسات الجديدة: وفقاً للتقرير، يقوم الكثير من الاقتصاديين بإجراء أبحاث سريعة استجابةً للسياسات الجديدة. كما بدأ الأكاديميون يستخدمون تويتر بشكل كبير للانخراط في النقاشات. ومن ثم، فإن الاقتصاديين باتوا أكثر حرصاً على التأثير في السياسة العامة.

جـ– بروز اقتصاديات الموجة الثالثة في ظل الجائحة: يشير التقرير إلى أن هذا النوع المعتمد على البيانات الدقيقة والسريعة، قد يطلق عليه اقتصاديات “الموجة الثالثة”؛ حيث سبقته موجتان: الموجة الأولى مع آدم سميث و”ثروة الأمم” الذي نُشر عام 1776. وتميزت تلك الموجة بأن البيانات فيها كانت شحيحة، وكان معظم التركيز على الأوراق النظرية؛ فوفقاً لدراسة نشرها دانييل هامرمش الخبير الاقتصادي في عام 2012، فإنه حتى حلول سبعينيات القرن الماضي، ركزت أكثر من نصف الأوراق الاقتصادية على النظرية وحدها.

أما الموجة الثانية فقد ظهرت بحلول عام 2011؛ حين شكلت الأوراق النظرية البحتة 19% فقط من المنشورات؛ فقد زادت الإحصائيات الرسمية؛ ما أدى إلى منح الأشخاص مزيداً من البيانات للعمل بها، كما ساهمت أجهزة الكمبيوتر في تسهيل تحديد الأنماط، وارتفع متوسط عدد المؤلفين لكل ورقة، مع زيادة تعقيد التحليل. وكان للاقتصاديين مشاركة أكبر في السياسة.

ومع ذلك، ظلت اقتصاديات الموجة الثانية مقيدة بالبيانات؛ حيث يتم نشر معظم الإحصائيات الوطنية في فترات متأخرة لأشهر أو سنوات. في هذا السياق، قال مايكل فولكندر مساعد وزير الخزانة في واشنطن في بداية الجائحة: “لم تكن الإحصائيات الحكومية التقليدية مفيدة حقاً؛ فبحلول الوقت الذي تصدر فيه، تكون البيانات قديمة”. ووفقاً للتقرير، كان دورها ضعيفاً في تغطية سوق الإسكان والإنفاق الاستهلاكي.

2- تداعيات سلبية للفجوة بين البيانات الرسمية والواقع: يشير التقرير إلى فجوة بين البيانات الرسمية وما يحدث في الاقتصاد الحقيقي، وهو ما جعل صناع القرار يعملون في ضبابية، خاصةً في أوقات التغير السريع. كما يؤكد التقرير أن البيانات غير الدقيقة والمتأخرة قد تؤدي إلى أخطاء في السياسات تكلف ملايين الوظائف وتريليونات الدولارات في (الناتج النهائي). وقد دلل التقرير على ذلك ببعض الأمثلة، مثل الأزمة المالية عام 2008. ووفقاً للتقرير، كان من الممكن أن تكون الأزمة المالية أقل ضرراً لو خفض الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة إلى ما يقرب من الصفر في ديسمبر 2007، عندما دخلت الولايات المتحدة حالة من الركود، وليس في ديسمبر 2008 عندما رأى الاقتصاديون ذلك في الأرقام أخيراً.

3- دور الجائحة في تسريع التحول إلى الموجة الثالثة: أشار التقرير إلى أنه كانت هناك إشارات إلى الموجة الثالثة للاقتصاد قبل ظهور الجائحة، لكن الجائحة كانت حافزاً على زيادة وتيرة التغيير، واللجوء بدرجة مكثفة إلى بيانات الوقت الفعلي Real–Time Data، سواء من قبل المستويات الرسمية أو خبراء الاقتصاد أو الشركات؛ وذلك على النحو التالي:

أ– تحولات على المستويات الرسمية: وفقاً للتقرير، لم تنتظر الحكومات والبنوك المركزية الوقت لصدور الدراسات الرسمية للكشف عن آثار الفيروس أو عمليات الإغلاق، بل أجرت تجارب وتتبعت الهواتف المحمولة ومدفوعات البطاقات الائتمانية، واستخدام خطوط الطيران الفعلي.

ب– تركيز خبراء الاقتصاد على الأرقام: وفقاً للتقرير، فإنه بدلاً من التركيز على الدراسات النظرية، بدأ كبار الاقتصاديين –مثل راج شيتي في جامعة هارفارد– يعقدون مختبرات مجهزة بالموظفين بشكل جيد تعمل على معالجة الأرقام، كما أن الاقتصادية سوزان آثي الرائدة في تطبيق الأساليب الحسابية الحديثة في الاقتصاد، لديها نحو 20 باحثاً متخصصاً في مختبرها في ستانفورد، كما أن ثلاثةً من بين 20 عالماً اقتصادياً من ذوي الشهرة العلمية –طبقاً لمؤشر الاقتباسات للأعمال الأكاديمية خلال الجائحة–يديرون مثل تلك المختبرات.

جـ– توفير الشركات المزيد من البيانات: وفقاً للتقرير فقد توافرت المزيد من البيانات عن طريق الشركات؛ إذ فتحت شركات مثل JPMorgan Chase كنوزاً من البيانات حول الأرصدة المصرفية وفواتير بطاقات الائتمان؛ ما يساعد على الكشف عما إذا كان الناس ينفقون النقود أو يدخرونها. كما تسجل Visa وSquare أنماط الإنفاق، وتقوم شركات مثل Apple وGoogle بتتبُّع التحركات؛ فقد بدأت Google في إصدار بيانات مجهولة المصدر حول التحركات الجسدية للأشخاص، وقد ساعد ذلك الباحثين على إجراء قياس يومي لشدة عمليات الإغلاق في ظل الجائحة.

4- أهمية استخدام بيانات وتحليلات الوقت الفعلي: أشار التقرير إلى عدد من مزايا استخدام بيانات الوقت الفعلي؛ وذلك على النحو التالي

أ– متابعة تحركات الأفراد في ظل الإغلاق: وفقاً للتقرير، فإنه طالما أنتجت الشركات الصينية بيانات دقيقة حول كل شيء؛ بداية من زيارات السينما إلى عدد أكواب البيرة التي يشربها الناس يومياً. وتعد تلك الإحصائيات مصدر تحقيق مفيد، لا سيما مع الأرقام الرسمية المراوغة في بعض الأحيان. وقد تحول مراقبو الصين إلى تلك البيانات في يناير 2020م؛ عندما بدأت عمليات الإغلاق في مقاطعة هوبي، وأظهرت الأرقام أن ثاني أكبر اقتصاد في العالم يتجه نحو الركود.

وقد أوضحوا للاقتصاديين في أماكن أخرى مدى فائدة مثل هذه البيانات. وفي الأيام الأولى للوباء، بدأت Google تصدر بيانات مجهولة المصدر حول التحركات الجسدية للأشخاص، وقد ساعد ذلك الباحثين على إجراء قياس يومي لشدة عمليات الإغلاق.

ب– تفاصيل أكثر حول عمل الاقتصاد: يرى التقرير أن هذه الاتجاهات سوف تتكثف مع تغلغل التكنولوجيا في الاقتصاد، وسيتم تحويل حصة أكبر من الإنفاق عبر الإنترنت، وتتم معالجة المعاملات على نحو أسرع؛ فقد نمت المدفوعات في الوقت الفعلي بنسبة 41% في عام 2020، وفقاً لشركة الاستشارات McKinsey، وقد سجلت الهند 25.6 مليار من هذه المعاملات.

ويتم تزويد المزيد من الآلات بأجهزة استشعار، بما في ذلك حاويات الشحن الفردية، وهو ما يمكن أن يساعد على فهم أسباب عرقلة سلسلة التوريد. وقد توفر Govcoins، أو البنك المركزي للعملات الرقميةCentral Bank Digital Currency (CBDC) –التي تجربها الصين بالفعل وتفكر أكثر من 50 دولة أخرى في استخدامها قريباً– منجم ذهب من التفاصيل في الوقت الفعلي حول كيفية عمل الاقتصاد.

جـ– تقليل أخطاء السياسات البنكية: نوه التقرير بأن من شأن بيانات الوقت الفعلي أن تقلل خطر حدوث أخطاء في السياسات، وبأنه ستتحسن أيضًا أدوات التحكم التي يمكن للحكومات أن تستخدمها؛ ففيما يعتقد محافظو البنوك المركزية أن التغيير في أسعار الفائدة يستغرق 18 شهراً أو أكثر حتى يكتمل مفعوله؛ تجرب هونج كونج توزيعات نقدية في محافظ رقمية تنتهي صلاحيتها إذا لم يتم إنفاقها بسرعة. وقد تسمح البنوك المركزية للعملات الرقمية لأسعار الفائدة بالانخفاض بشكل سلبي.

ويمكن لهذه لبيانات أثناء الأزمات أن تتيح توجيه الدعم بدقة، وتُحيل قروضاً فقط إلى الشركات ذات الميزانيات العمومية القوية، لكن مع وجود مشكلة سيولة مؤقتة. وبدلاً من إهدار مدفوعات الرعاية الاجتماعية الشاملة التي يتم سدادها من خلال بيروقراطيات الضمان الاجتماعي، يمكن للفقراء الاستمتاع بمزيد من الدخل الفوري إذا فقدوا وظائفهم؛ حيث تدفع في محافظهم الرقمية دون طلبات ورقية.

د– تشكيل المواقف الاقتصادية بسرعة: أنشأ المديرون الفيدراليون الإقليميون مؤشراً للنشاط باستخدام بيانات من SafeGraph “سيف جراف”، وهو مزود بيانات يتتبع التنقل عبر تتبع أصوات الهاتف المحمول، كما استخدم آخرون بيانات لتتبع أرقام التوظيف يومياً. وقد أظهر كلاهما قصوراً في النشاط الاقتصادي؛ وذلك قبل صدور البيانات الرسمية. وقد أدى ذلك إلى قيام المصرف الاحتياطي الفيدرالي في مايو 2020 بإعلان موقفه المتشائم من السياسة بشكل أسرع.

5- مخاطر الاعتماد على بيانات الوقت الفعلي: وفقاً للتقرير، فإنه على الرغم من أن ثورة توافر المعلومات في الوقت المناسب يجعل القرارات الاقتصادية أكثر دقة وشفافية وقائمة على القواعد، لكنه يجلب أيضاً عدداً من المخاطر، منها:

أ– إساءة تفسير المؤشرات الاقتصادية والتحيز: يتساءل التقرير؛ هل بدأ الركود العالمي؟ أم أن شركة أوبر فقط تخسر حصتها في السوق؟ فتلك المؤشرات ليست تمثيلية أو خالية من التحيز مثل الدراسات الدقيقة التي تجريها المؤسسات الإحصائية.

ب– امتلاك الشركات الكبرى مميزات غير مستحقة: فقد يكون لدى الشركات الخاصة مثل فيسبوك، التي أطلقت محفظة رقمية هذا الأسبوع، نظرة ثاقبة حول الإنفاق الاستهلاكي أكثر مما يمتلكه مصرف الاحتياطي الفيدرالي.

جـ– محاولة البعض تشكيل المستقبل والمجتمعات: فباستخدام الرؤية الشاملة للاقتصاد، سيكون من المغري للسياسيين والمسؤولين تخيل أنهم يستطيعون رؤية المستقبل بعيداً، أو تشكيل المجتمع وفقاً لتفضيلاتهم وتفضيل مجموعات معينة. وهذا هو حلم الحزب الشيوعي الصيني الذي يسعى إلى الانخراط في شكل من أشكال التخطيط الرقمي المركزي.

د– ضعف استجابة السياسيين لبيانات الوقت الفعلي: أشار التقرير إلى أن من الصعب تحديد مسار القرارات السياسية وما يؤثر فيها، كما لا يعتقد بعض الاقتصاديين أن أبحاثهم قد أثرت على استجابة السياسيين أثناء الوباء؛ إذ يشير تايلر كوين من جامعة جورج ميسون، إلى أن أهم مساهمة للاقتصاديين خلال الوباء تضمنت التوصية بالتعهدات المبكرة لشراء اللقاحات، ولكن كان ذلك بناءً على الأبحاث القديمة، لا بناء على دراسات (بيانات الوقت الفعلي).

كما أشارت العديد من الدراسات –التي تستخدم بيانات الوقت الفعلي– إلى أن “برنامج حماية الراتب” Paycheck Protection Programme، (وهو طلب للحصول على قروض خاصة منخفضة الفائدة لدفع الرواتب وبعض التكاليف الأخرى، ويمكن استخدام عائدات القرض لتغطية تكاليف الرواتب والإيجار والفوائد والمرافق، وهو محاولة لتحويل الأموال إلى الشركات الأمريكية الصغيرة)، كان أداؤه أقل مما كان متوقعاً. ومع ذلك لم يستجب السياسيون لتلك الدراسات، ولم يتخلصوا من تلك البرامج لأشهر.

ختاماً، يؤكد التقرير أنه مهما كانت مخاطر الاعتماد على بيانات الوقت الفعلي، فقد منحت الجائحة الاقتصاديين فرصة جديدة للحياة. ومن ناحية أخرى يشير التقرير إلى أنه لا يمكن لأي قدر من البيانات التنبؤ بالمستقبل بشكل موثوق. ولا تعتمد الاقتصادات الديناميكية المعقدة بشكل يصعب فهمه على شركة Big Brother، بل على السلوك العفوي لملايين الشركات والمستهلكين المستقلين.

المصادر:

Kansas Salina, enter third–wave economics: How the pandemic reshaped the dismal science, The Economist, October 23, 2021.

A real–time revolution will up–end the practice of macroeconomics, The pandemic has hastened a shift towards novel data and fast analysis, The Economist, October 23, 2021.


الكلمات المفتاحية:
https://www.interregional.com/%d8%ab%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d9%8a%d8%a7%d9%86%d8%a7%d8%aa/